• الْحَمْدُ للهِ بَارِئ الْبَرَايَا، عَالِمِ الْأَسْرَارِ وَالْخَفَايَا، أَحَاطَ عِلْمًا بِالنِّيَّاتِ وَمَا تُكِنُّهُ الصُّدُورُ وَالطَّوَايَا، فَالسِّرُّ عِندَهُ كَالْجِهَارِ، ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠]، فَمَا عَلَى اللهِ مِنْ خَبَايَا، أَحْمَدُهُ ﷿ لَهُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ الْمُبَارَكَاتُ وَالتَّحَايَا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، الْحَيُّ الَّذِيْ لَا يَمُوتُ، والْمُنَزَّهُ عَنِ النَّقْصِ وَالْفَوْتِ، كَتَبَ عَلَى خَلْقِهِ الْمَنَايَا، وَقَدَّر عَلَيْهِمُ الرَّزَايَا وَالْبَلَايَا، وَجَعَلَ مَا عَلَى الْأَرْضِ زِيْنَةً لَهَا؛ لِيَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، فَهُوَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَتْرُكْهُمْ سُدًى، وَلَمْ يَخْلُقْهُمْ هَمَلًا، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، كَرِيْمُ السَّجَايَا، أَعْظَمَ اللهُ بِهِ الْمِنَّةَ وَأَجْزَلَ الْعَطَايَا، وَهَدَى اللهُ بِهِ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ، وَخَلَّصَهُمْ مِنْ أَسْرِ الشَّيْطَانِ بَعْدَ أَنْ كَانُوا لَهُ ضَحَايَا، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِيْنَ اخْتَارَهُمُ اللهُ لِلْمَجْدِ رَايَاتٍ وَلِلْحَقِّ جُندًا وَسَرَايَا، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمٍ يُوَفَّى فِيْهِ الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ، غَيْرَ نَدَامَى وَلَا خَزَايَا، أَمَّا بَعْدُ:
• فَإِنَّ مِنَ الْمَعْلِومِ أَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْعِبَادَاتِ، وَأَنَّ الْعِبَادَاتِ تَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ٦٦٨٩)، ومسلم (رَقْم: ١٩٠٧)، مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ ﵁.
• وَمِنْ جُمْلَةِ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ: الصِّيَامُ.
• وَلَا شَكَّ أَنَّ إِخْلَاصَ النِّيَّةِ للهِ ﷿ شَرْطٌ لِقَبُولِ الْعَمَلِ، فَلَا يَقْبَلُ اللهُ ﷿ عَمَلَ عَامِلٍ إِلَّا إِذَا كَانَ خَالِصًا لِوَجْهِهِ، وَكَانَ رَسُولُهُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- هُوَ الْقُدْوَةَ الْمُتَابَعَ عَلَى ذَلِكَ.
• وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ فَضِيْلَةٍ مِنْ أَعْظَمِ فَضَائِلِ الصِّيَامِ، وَهِيَ أَنَّ دُخُولَ الرِّيَاءِ فِيهِ إِنَّمَا يَقَعُ مِنْ جِهَةِ الْإِخْبَارِ، بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْأَعْمَالِ؛ فَإِنَّ الرِّيَاءَ قَدْ يَدْخُلُهَا بِمُجَرَّدِ فِعْلِهَا.
[ ٧٥ ]
• وَالحِكْمَةُ فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الْعِبَادَاتِ هِيَ: تَمْيِيزُ الْعِبَادَاتِ عَنْ الْعَادَاتِ، أَوْ تَمْيِيزُ مَرَاتِب الْعِبَادَاتِ.
فَالأَوَّلُ: لِتَمْيِيْزِ مَا للهِ تَعَالَى عَنْ مَا لَيْسَ لَهُ، كَالْغسْلِ يَقعُ تَبَرُّدًا وَتنظِيْفًا، وَيَقَعُ عِبَادَةً مَأْمُورًا بهَا، فَإِذا نَوَى تَعْيِيْنَ أَنَّهُ للهِ تَعَالَى فَيَقَعُ تَعْظِيمُ العَبْدِ للرَّبِّ بِذَلِكَ الْغسْل، وَمَعَ عَدَمِ النِّيَّة لَا يَحْصُلُ التَّعْظِيمُ، وَكَالصَّوْمِ يَكُونُ لِعَدَمِ الْغذَاءِ وَيَكُونُ لِلتَّقَرُّبِ، فَإِذَا نَوَى حَصَلَ بِهِ التَّعْظِيمُ للهِ تَعَالَى، وَنَظَائِرُهُ فِي الْأَفْعَال كَثِيرَةٌ.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَكَالصَّلَاةِ تَنْقَسِمُ إِلَى فَرْضٍ وَمَندُوبٍ، فَالْفَرْضُ كَالصَّلَوَات الْخمسِ، قَضَاءً وَأَدَاءً، وَالْمَنْدُوبُ يَنْقَسِمُ إِلَى رَاتِبٍ، كَالْوِتْرِ، وَغيرِ رَاتِبٍ، كَالنَّوَافِلِ الْمُطْلَقَةِ، وَكَذَلِكَ القَوْلُ فِي قُرُبَاتِ المَالِ وَالصَّوْم وَالنُّسُكِ، فَشُرِعَتِ النِّيَّةُ لِتَمْيِيْزِ هَذِهِ الرُّتَبِ. قَالَه الْقَرَافِيُّ ﵀. (^١)
• وَهَذِهِ أَهَمُّ مَسَائِلِ النِّيَّةِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالصِّيَامِ:
أَوَّلًا: أَنَّ النِّيَّةَ عَمَلٌ قَلْبِيٌّ، مَحَلُّهَا الْقَلْبُ، فَالتَّلَفُّظُ بِهَا فِي الصَّوْمِ وَفِي غَيْرِهِ بِدْعَةٌ فِي الدِّيْنِ.
وَالنِّيَّةُ لُغَةً: الْقَصْدُ، وَالْعَزْمُ، وَشَرْعًا: الْعَزْمُ عَلَى فِعْلِ الْعِبَادَةِ تَقَرُّبًا إِلَى اللهِ ﷿.
فَقَوْلُ بَعْضِ النَّاسِ عَقِبَ سُحُورِهِ: (نَوَيْتُ أَنْ أَصُومَ هَذَا الْيَوْمَ …)!، بِدْعَةٌ، يَجِبُ تَرْكُهَا، وَالتَّوْبَةُ إِلَى اللهِ ﷾ مِنْهَا.
• وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الصَّلَاةِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَأَمَّا الْإِهْلَالُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّمَا هُوَ شَعِيْرَةٌ مِنْ شَعَائِرِهِ، وَلَيْسَ مِنْ بَابِ التَّلَفُّظِ بِالنِّيَّةِ، فَالتَّلْبِيَةُ بِنَفْسِهَا ذِكْرٌ، لَيْسَتْ إِخْبَارَا عَمَّا فِي الْقَلْبِ. (^٢)
_________________
(١) "الأمنية في بلوغ النية" (صـ: ٢٠)، مع تَصَرُّفٍ يَسِيْرٍ.
(٢) راجع: "الشرح الممتع" (ج ٢/ صـ: ٢٩٢).
[ ٧٦ ]
• قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀: وَاتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ الْجَهْرُ بِهَا وَلَا تَكْرَارُهَا، وَيَنْبَغِي تَأْدِيبُ مَنْ اعْتَادَهُ.
• وَقَالَ: وَالْجَهْرُ بِلَفْظِهَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَسَائِرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَفَاعِلُهُ مُسِيءٌ، وَإِنْ اعْتَقَدَهُ دَيْنًا خَرَجَ عَنْ إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَجِبُ نَهْيُهُ. (^١)
• وَقَالَ: التَّلَفُّظُ بِالنِّيَّةِ نَقْصٌ فِي الْعَقْلِ وَالدِّينِ: أَمَّا فِي الدِّينِ؛ فَلِأَنَّهُ بِدْعَةٌ، وَأَمَّا فِي الْعَقْلِ؛ فَلِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ يُرِيدُ أَكْلَ الطَّعَامِ، فَقَالَ: أَنْوِي بِوَضْعِ يَدِي فِي هَذَا الْإِنَاءِ أَنِّي آخُذُ مِنْهُ لُقْمَةً، فَأَضَعُهَا فِي فَمِي فَأَمْضَغُهَا، ثُمَّ أَبْلَعُهَا لِأَشْبَعَ، فَهَذَا حُمْقٌ وَجَهْلٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّ النِّيَّةَ تَتْبَعُ الْعِلْمَ، فَمَتَى عَلِمَ الْعَبْدُ مَا يَفْعَلُ كَانَ قَدْ نَوَاهُ ضَرُورَةً، فَلَا يُتَصَوَّرُ مَعَ وُجُودِ الْعِلْمِ بِهِ أَنْ لَا تَحْصُلَ نِيَّةٌ. (^٢)
• وَقَالَ الشَّيْخُ الْفَوْزَانُ حَفِظَهُ اللهُ: وَالتَّلَفُّظُ بِالنِّيَّةِ كَمَا أَنَّهُ بِدْعَةٌ؛ فَقَدْ يَدْخُلُ فِي الرِّيَاءِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ إِخْلَاصُ الْعَمَلِ للهِ وَإِخْفَاؤُهُ؛ إِلَّا مَا وَرَدَ دَلِيْلٌ بِإِظْهَارِهِ؛ فَالَّذِي يَنبَغِيْ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَكُونَ وَقَّافًا عِنْدَ حُدُودِ الشَّرِيْعَةِ، عَامِلَا بِالسُّنَنِ، تَارِكًا لِلْبِدَعِ، مَهْمَا كَانَ نَوْعُهُا، وَمِمَّنْ كَانَ مَصْدَرُهَا، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٦].
• فَاللَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّاتِ الْقُلُوبِ وَمَقَاصِدِهَا؛ فَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّلَفُّظِ بِهَا فِي الصَّلَاةِ وَفِي جَمِيْعِ الْعِبَادَاتِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. ا. هـ. (^٣)
_________________
(١) "الفتاوى الكبرى" (ج ٥/ صـ: ٣٠٣).
(٢) "المصدر السابق" (ج ١/ صـ: ٢١٤).
(٣) "الملخص الفقهي" (ج ١/ صـ: ١١٩).
[ ٧٧ ]
ثَانِيًا: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُعْلَمْ ثُبُوتُ هِلَالِ رَمَضَانَ إِلَّا فِي النَّهَارِ، فَيَجِبُ عَلَى مَنْ بَلَغَهُ أَنْ يَنْوِيَ الصِّيَامَ مِنْ حِيْنِ بَلَغَهُ الْخَبَرُ، فَيُمْسِكَ بَقِيَّةَ النَّهَارِ، وَيُجْزِئُهُ صِيَامُهُ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ، عَلَى أَصَحِّ أَقْوَالِ أَهْلِ الْعِلْمِ. (^١)
• وَذَلِكَ أَنَّ النِّيَّةَ تَتْبَعُ الْعِلْمَ، وَهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا بِثُبُوتِ الْهِلَالِ إِلَّا مِنَ النَّهَارِ، وَهَذَا وُسْعُهُمْ، وَقَدْ قَالَ ﷾: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
• وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي النَّاسِ: «مَنْ كَانَ لَمْ يَصُمْ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ صِيَامَهُ إِلَى اللَّيْلِ». (^٢)
ثَالِثًا: يَجِبُ تَبْيِيْتُ نِيَّةِ صِيَامِ الْفَرْضِ مِنَ اللَّيْلِ، سَوَاءٌ أَكَانَ صِيَامَ رَمَضَانَ، أَدَاءً، أَوْ قَضَاءً، أَوْ صِيَامَ نَذْرٍ، أَوْ صِيَامَ كَفَّارَةٍ، وَيُسْتَثْنَى مِنَ هَذَا الصُّورَةُ السَّابِقَةُ.
• وَكَذَلِكَ يَجِبُ تَبْيِيْتُ النِّيَّةِ فِي صِيَامِ النَّافِلَةِ الْمُعَيَّنَةِ، كَصِيَامِ الْأَيَّامِ الْبِيْضِ، وَيَوْمِ عَرَفَةَ، وَعَاشُورَاءَ، وَسِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ، وَالدَّلِيْلُ قَوْلُهُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
• وَعَلَيْهِ فَإِنَّ الْمَرِيْضَ الَّذِيْ يُخَدَّرُ تَخْدِيْرًا عَامًّا فِي الْعَمَلِيَّاتِ الْجِرَاحِيَّةِ يَصِحُّ صَوْمُهُ إِذَا كَانَ قَدْ بَيَّتَ النِّيَّةَ مِنَ اللَّيْلِ، هَذَا إِذَا كَانَ مِنَ الْمُمْكِنِ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ الْحُقَنِ الْمُغَذِّيَةِ.
رَابعًا: يَجِبُ تَعْيِيْنُ النِّيَّةِ فِي الصِّيَامِ الْوَاجِبِ، وَصِيَامِ النَّافِلَةِ الْمُعَيَّنَةِ، فَإن كَانَ فِي رَمَضَانَ نَوَاهُ أَدَاءً، وَإِنْ كَانَ قَضَاءً فِي غَيْرِهِ نَوَاهُ قَضَاءً، وَإِنْ كَانَ نَذْرًا نَوَاهُ كَذَلِكَ، أَوْ كَفَّارَةً، أَوْ صِيَامَ الْأَيَّامِ الْبِيْضِ، أَوْ صِيَامَ عَرَفَةَ، وَهَكَذَا؛ لِقَوْلِهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ».
_________________
(١) راجع: "المحلى" (ج ٤/ صـ: ٢٩٠ - ٢٩٤)، و"الفتاوى الكبرى" (ج ٥/ صـ: ٣٧٥).
(٢) البخاري (رَقْم: ٢٠٠٧)، ومسلم (رَقْم: ١١٣٥).
[ ٧٨ ]
خَامِسًا: لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَنْوِيَ لِكُلِّ يَوْمِ مِنْ رَمَضَانَ نِيَّةً مُسْتَقِلَّةً، بَلْ يَكْفِي - عَلَى الصَّحِيْحِ - أَنْ يَنْوِيَ نِيَّةً وَاحِدَةً أَوَّلَ الشَّهْرِ، إِلَّا إِذَا أَفْطَرَ لِعُذْرٍ كَمَرَضٍ وَسَفَرٍ فَقَطَعَ تَتَابُعَ الصِّيَامِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إِذَا عَادَ إِلَى الصِّيَامِ أَنْ يَسْتَأْنِفَ النِّيَّةَ.
• قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀ فِي "الشَّرْحِ الْمُمْتِعِ" (ج ٦/ صـ: ٣٥٦): «وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِيْنَ جَمِيْعًا لَوْ سَأَلْتَهُمْ لَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: أَنَا نَاوٍ الصَّوْمَ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ إِلَى آخِرِهِ، وَعَلَى هَذَا فَإِذَا لَمْ تَقَعِ النِّيَّةُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ حَقِيْقَةً فَهِيَ وَاقِعَةٌ حُكْمًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ قَطْعِ النِّيَّةِ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي تَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَلَا يَسَعُ النَّاسَ الْعَمَلُ إِلَّا عَلَيْهِ».
• وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيْمَا لَوْ نَامَ رَجُلٌ فِي رَمَضَانَ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَلَمْ يَسْتَيْقِظْ إِلَّا مِنَ الْغَدِ بَعْدَ الْفَجْرِ، وَكَذَا لَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَلَمْ يُفِقْ إِلَّا مِنَ الْغَدِ بَعْدَ الْفَجْرِ، فَعَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ يَصِحُّ صَوْمُهُ، وَعَلَى قَوْلِ مَنِ اشْتَرَطَ النِّيَّةَ لِكُلِّ يَوْمٍ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ.
سَادِسًا: اخْتَلَفَ أْهْلُ الْعِلْمِ فِي اشْتِرَاطِ تَبْيِيْتِ النِّيَّةِ قَبْلَ الْفَجْرِ فِي صِيَامِ النَّافِلَةِ الْمُطْلَقَةِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ، وَوَقَّتَهُ بَعْضُهُمْ إِلَى الزَّوَالِ، وَجَوَّزَهُ آخَرُونَ، وَلَوْ كَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ؛ إِذْ لَا دَلِيْلَ عَلَى هَذَا التَّحْدِيْدِ.
• وَاسْتَدَلَّ هَؤُلَاءِ بِحَدِيْثِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْفَقْرَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ هَذَا الْمَجْلِسِ، وَأُجِيْبَ عَنْهُ بِأَنَّ النِّيَّةَ إنَّمَا صَحَّتْ فِي نَهَارِ عَاشُورَاءَ؛ لَكَون الرُّجُوعِ إلَى اللَّيْلِ غَيْرَ مَقْدُورٍ، وَالنِّزَاعُ فِيمَا كَانَ مَقْدُورًا، فَيُخَصُّ الْجَوَازُ بِمِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ؛ لِتَعَذُّرِهِ؛ وَيُقَاسُ عَلَيْهِ مَا سِوَاهُ كَمَنْ نَامَ حَتَّى أَصْبَحَ، وَمَنْ ظَهَرَ لَهُ وُجُوبُ الصِّيَامِ عَلَيْهِ مِنْ النَّهَارِ، كَالْمَجْنُونِ يُفِيقُ، وَالصَّبِيِّ يَحْتَلِمُ، وَالْكَافِرِ يُسْلِمُ، وَكَمَنْ انْكَشَفَ لَهُ فِي النَّهَارِ أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنْ رَمَضَانَ.
• وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِحَدِيْثِ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ذَاتَ يَوْمٍ: «يَا عَائِشَةُ، هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟» قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ. قَالَ: «فَإِنِّي صَائِمٌ».
[ ٧٩ ]
• وَفِي رِوَايَةٍ: «فَإِنِّي إِذَن صَائِمٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (رقم: ١١٥٤).
• وَأُجِيْبَ عَنْ هَذَا الْحَدِيْثِ بِأَنَّهُ قَدْ كَانَ نَوَى الصَّوْمَ مِنْ اللَّيْلِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْفِطْرَ لَمَّا ضَعُفَ عَنْ الصَّوْمِ، قَالَ الشَّوْكَانِيُّ: وَهُوَ مُحْتَمَلُ لَا سِيَّمَا عَلَى رِوَايَةِ: «فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا». (^١). ا. هـ.
• وَلغَيْر مُسْلِمٍ: «إِذًا أَصُومُ»، لَكِن فِيهَا مَقَالٌ، واللهُ أَعْلَمُ. (^٢)
• وَالْقَوْلُ بِالِاشْتِرَاطِ أَقْرَبُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ﵄، وَمَالِكٍ - إِلَّا أَنَّهُ اسْتَثْنَى مَنْ يَسْرُدُ الصَّوْمَ - وَدَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ، وَالْمُزَنِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَرَجَّحَهُ الصَّنْعَانِيُّ، وَالشَّوْكَانِيُّ، وَالْوَادِعِيُّ، وَشَيْخُنَا الْعَلَامَةُ يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ الْحَجُورِيُّ حَفِظَهُ اللهُ. (^٣)
تَنبِيْهٌ: يُشْتَرَطُ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ لَا يَكُونَ مَنْ أَنْشَأَ نِيَّةَ صِيَامِ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ مِنَ النَّهَارِ قَدْ أَتَى بِمُفَطِّرٍ مِنَ الْمُفَطِّرَاتِ.
_________________
(١) هي عند مسلم في الحديث نفسه: (رَقْم: ١١٥٤).
(٢) رواها أبو داود الطيالسي (رَقْم: ١٦٥٥)، ومن طريقه الدارقطني (رَقْم: ٢٢٣٣)، والبيهقي (رَقْم: ٧٩١٦) من طريق سليمان بن معاذ، عن سِمَاكٍ، عن عكرمة، عن عائشة ﵂، به. • قال الدارقطني: «هذا إسناد حسن صحيح». وقال البيهقي: «وهذا إسناد صحيح». وتعقبه ابن التركماني في "الجوهر النقي" (ج ٤/ صـ: ٢٠٣) بقوله: كيف يكون صحيحًا، وسليمان هذا قال فيه ابن معين: «ليس بشئ»، وقال ابن حبان: كان رافضيًا غاليًا، وكان يقلب الأخبار؟!». ا. هـ. • وقال الألباني ﵀ في "الإرواء" (ج ٤/ صـ: ١٣٧): قد ضعفه الجمهور، ووثقه بعضهم كأحمد، وهو بلا شك سئ الحفظ، فيمكن الاستشهاد بحديثه، وأما الاحتجاج به فلا. ا. هـ. • قلت: ثم إن في رواية سماك عن عكرمة اضطرابًا، وقد أخرجه عبد الرزاق (رَقْم: ٧٧٩٢) من طريق سماك بن حرب، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة ﵂، به. • وبين سماك وبين عائشة بنت طلحة رجل مبهم، كما في رواية النسائي (رَقْم: ٢٣٣٠).
(٣) راجع: "بداية المجتهد" (ج ٢/ صـ: ٥٦)، و"المجموع" (ج ٦/ صـ: ٣٠٢ - ٣٠٣)، و"فتح الباري" (ج ٤/ صـ: ١٤١)، و"سبل السلام" (ج ١/ صـ: ٥٦٢)، و"نيل الأوطار" (ج ٤/ صـ: ٢٣٣ - ٢٣٤).
[ ٨٠ ]
تَنبِيْهٌ آخَرُ: حَدِيْثُ حَفْصَةَ ﵂، عَنْ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الفَجْرِ، فَلَا صِيَامَ لَهُ». لَا يَصِحُّ مَرْفُوعًا، وَإِنَّمَا هُوَ مَوْقُوفٌ. (^١)
سَابعًا: لَا بُدَّ مِنَ الْجَزْمِ فِي النِّيَّةِ، فَلَوْ تَرَدَّدَ فِي نِيَّتِهِ، أَيَصُومُ أَمْ لَا؟ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ النَّفْلُ الْمُطْلَقُ، عَلَى الْخِلَافِ الَّذِيْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. (^٢)
ثَامِنًا: مَنْ نَوَى الْإِفْطَارَ بِخُرُوجِهِ مِنَ الصِّيَامِ حَالَ صَوْمِهِ أَفْطَرَ عَلَى الصَّحِيْحِ؛ لِقَوْلِهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ». وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ نَوَى فِعْلَ مُبْطِلٍ مِنْ مُبْطِلَاتِ الصِّيَامِ، ثُمَّ لَمْ يَفْعَلْهُ، كَأَنْ يَنْوِيَ الْأَكْلَ، ثُمَّ لَا يَأْكُلَ؛ فَإِنَّهُ لَا يُفْطِرُ بِذَلِكَ.
• قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: «وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مُفِيْدَةٌ، وَهِيَ أَنَّ مَنْ نَوَى الْخُرُوجَ مِنَ الْعِبَادَةِ فَسَدَتْ إِلَّا فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَمَنْ نَوَى فِعْلَ مَحْظُورٍ فِي الْعِبَادَةِ لَمْ تَفْسُدْ إِلَّا بِفِعْلِهِ». (^٣)
تَاسِعًا: مَنْ غَرَبَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَلَيْسَ مَعَهُ مَا يُفْطِرُ بِهِ؛ فَإِنَّهُ يَنْوِي الْإِفْطَارَ بِقَلْبِهِ وَيَكْفِيْهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا غَايَةُ وُسْعِهِ، وَاللَّهُ ﷿ يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
• قَالَ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: وَقَالَ بَعْضُ الْعَوَامِ: إِذَا لَمْ تَجِدْ شَيْئَا فَمُصَّ إِصْبَعَكَ!، وَهَذَا لَا أَصْلَ لَهُ. وَقَالَ آخَرُونَ: بُلَّ الْغُتْرَةَ، ثُمَّ مُصَّهَا؛ لِأَنَّكَ إِذَا بَلَلْتَهَا انفَصَلَ الرِّيْقُ
_________________
(١) رواه مرفوعًا: أحمد (رَقْم: ٢٦٤٥٧)، وأبو داود (رَقْم: ٢٤٥٤)، والترمذي (رَقْم: ٧٣٠)، والنسائي (رَقْم: ٢٣٣١، و٢٣٣٢، و٢٣٣٣، و٢٣٣٤)، وابن ماجه (رَقْم: ١٧٠٠). ورواه موقوفًا: النسائي (رَقْم: ٢٣٣٥، و٢٣٣٦، و٢٣٣٧، و٢٣٣٨، و٢٣٣٩، و٢٣٤٠)، وغيره. راجع: "العلل الكبير" (رَقْم: ٢٠٢) للترمذي، و"علل الدارقطني" (رَقْم: ٣٩٣٩).
(٢) "الشرح الممتع" (٦/ صـ: ٣٥٨).
(٣) "المصدر السابق" (٦/ صـ: ٣٦٤).
[ ٨١ ]
عَنِ الْفَمِ، فَإِذَا رَجَعْتَ وَمَصَصْتَهَا أَدْخَلْتَ شَيْئَا خَارِجًا عَنِ الْفَمِ إِلَى الْفَمِ، وَهَذَا لَا أَصْلَ لَهُ أَيْضًا. ا. هـ. (^١)
• [سُبْحَانَ مَنِ اخْتَارَ أَقْوَامًا لِلإِفَادَةِ، فَصَارَتْ نَهْمَتُهُمْ فِي تَحْصِيلِ اسْتِفَادَةٍ، وَمَا زَالَتْ بِهِمُ الرِّيَاضَةُ حَتَّى تَرَكُوا الْعَادَةَ، شَغَلَتْهُمْ مَخَاوِفُهُمْ عَنْ كُلِّ عَادَةٍ، وَأَنَالَهُمُ الْمَقَامَ الأَسْنَى، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦].
• كُلُّ مِنْهُمْ قَدْ هَجَرَ مُرَادَهُ، وَشَمَّرَ لِتَصْحِيحِ الإِرَادَةِ، عَلَتْ هِمَمُهُمْ فَطَلَبُوا الزِّيَادَةَ، وَعَامَلُوا مَحْبُوبَهُمْ يَرْجُونَ وِدَادَهُ، وَرَفَعُوا مَكْتُوبَ الْحُزْنِ وَجَعَلُوا الدَّمْعَ مِدَادَهُ، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦].
• رَفَضُوا الدُّنْيَا شُغُلا بِالدِّينِ، وَسَلَكُوا مِنْهَاجَ الْمُهْتَدِينَ، وَسَابَقُوا سِبَاقَ الْعَابِدِينَ، فَصَارُوا أَئِمَّةً لِلْمُرِيدِينَ وَقَادَةً، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦].
• هَجَرُوا فِي مَحَبَّتِهِ كُلَّ غَرَضٍ، وَأَقْبَلُوا عَلَى أَدَاءِ الْمُفْتَرَضِ، وَالْتَفَتُوا إِلَى الْجَوْهَرِ مُعْرِضِينَ عَنِ الْعَرَضِ، فَأَنْحَلَهُمُ الْخَوْفُ فَصَارُوا كَالْحَرَضِ، يَا لَهُ مِنْ مَرَضٍ لَا يَقْبَلُ عِيَادَةً!، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦].
• لَوْ رَأَيْتَهُمْ وَاللَّيْلُ قَدْ سَجَى، وَقَدْ أَقْبَلُوا إِلَى بَابِ الْمُرْتَجَى، فَلَمْ يَجِدُوا دُونَهُ مَرْتَجًا، حَلَفُوا فِي ظَلامِ الدُّجَى عَلَى هَجْرِ الْوِسَادَةِ، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦].
• سُبْحَانَ مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ وَأَفَادَهُمْ، وَأَعْطَاهُمْ مُنَاهُمْ وَزَادَهُمْ، مَا ذَاكَ بِقُوَّتِهِمْ بَلْ هُوَ أَرَادَهُمْ، سَبَقَتْ إِرَادَتَهُمْ تِلْكَ الإِرَادَةُ، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦].
• لَطَفَ بِهِمْ وَهَدَاهُمْ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ وَرَاعَاهُمْ، وَعَطِشُوا مِنْ مِّيَاهِ الْهَوَى فَسَقَاهُمْ، وَذَلَّلُوا لَهُ النُّفُوسَ فَرَقَّاهُمْ إِلَى مَقَامِ السَّادَةِ، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦].
_________________
(١) "المصدر السابق" (٦/ صـ: ٤٣٧).
[ ٨٢ ]
• أَجْرَى لَهُمْ أَجْرًا لَا يُوَازَى، وَوَهَبَ لَهُمْ فِي مَفَازَةِ الْخَطَرِ مَفَازًا، وَأَنْجَزَ مَوْعِدَهُمْ يَوْمَ اللِّقَاءِ إِنْجَازًا، وَجَازَى عِبَادَهُ عَلَى سَابِقِ الْعِبَادَةِ، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦].] (^١)
إنَّ للَّهِ عِبَادًا فُطَنَا … تَرَكُوا الدُّنْيَا وَخَافُوا الفِتَنَا
نَظَرُوا فِيْهَا فَلَمَّا عَلِمُوا … أَنَّهَا لَيْسَتْ لِحَيٍّ وَطَنَا
جَعَلُوهَا لُجَّةً وَاتَّخَذُوا … صَالحَ الْأَعْمَالِ فِيْهَا سُفُنَا
اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ اليَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا، وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا
وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ
أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ
* * *
_________________
(١) "التبصرة" (ج ١/ صـ: ٤٤٥ - ٤٤٦).
[ ٨٣ ]