• الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَلَا يَحِيْفُ، أَمْضَى فِي عِبَادِهِ سُنَنَ التَّقْلِيْبِ وَالتَّصْرِيْفِ، وَأشْهَدُ أَنْ لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، يَنْصُرُ هَذِهِ الْأُمَّةَ وَيَرْزُقُهَا بِإِخْلَاصِ وَدَعْوَةِ الْمِسْكِيْنِ الضَّعِيْفِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمُؤَيَّدُ بِنَصْرِ اللهِ وَبِالْمُؤْمِنِيْنَ وَبِالْجَمْعِ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَالتَّأْلِيْفِ، لَوْ أَنْفَقَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيْعًا مَا أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهْمِ، وَلَكِنَّهُ فَضْلُ الْخَبِيْرِ اللَّطِيْفِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ ذَوِي النَّسَبِ الشَّرِيفِ، وَأصْحَابهِ أُولِي الْحَسَبِ الْمُنِيْفِ، الَّذِيْنَ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُنَا مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا النَّصِيْفَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ مَا تَعَاقَبَ الشِّتَاءُ وَالْمَصِيْفُ، أَمَّا بَعْدُ:
• فَهَذِهِ نُبْذَةٌ يَسِيرَةٌ، فِيْهَا ذِكْرُ مَصَارِفِ الزَّكَاةِ، وَأَهَمِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ أَحْكَامٍ:
أَوَّلًا: مَصَارِفُ الزَّكَاةِ ثَمَانِيَةٌ، ذَكَرَهَا اللهُ ﷿ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠].
• وَلَا يَجِبُ اسْتِيْعَابُ هَذِهِ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ، بَلْ يُجْزِئُ الِاقْتِصَارُ عَلَى بَعْضِهَا، أَوْ عَلَى صِنفٍ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ، خِلَافًا للشَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ.
ثَانيًا: الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ صِنْفَانِ فِي الزَّكَاةِ، وَصِنْفٌ وَاحِدٌ فِي سَائِرِ الأَحْكَامِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الِاسْمَيْنِ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِمَا، فَأَمَّا إذَا جُمِعَ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ، وَمُيِّزَ بَيْنَ الْمُسَمَّيَيْنِ تَمَيَّزَا، وَكِلَاهُمَا يُشْعِرُ بِالْحَاجَةِ وَالْفَاقَةِ وَعَدَمِ الْغِنَى، إلَّا أَنَّ الْفَقِيرَ أَشَدُّ حَاجَةً مِنْ الْمِسْكِينِ، مِنْ قِبَلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَدَأَ بِهِ، وَإِنَّمَا يُبْدَأُ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْمَعِيُّ. ا. هـ من "الْمُغْنِي" (٦/ صـ: ٤٦٩).
• وَقَالَ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀: وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْفُقَرَاءَ هَاهُنَا؛ لِأَنَّهُمْ أَحْوَجُ مِنَ الْبَقِيَّةِ، عَلَى الْمَشْهُورِ؛ لِشِدَّةِ فَاقَتِهِمْ وَحَاجَتِهِمْ. ا. هـ.
[ ٣٠٥ ]
• وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُهُ ﷿: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩].
• فَأَخْبَرَ أَنَّ لِلْمَسَاكِينِ سَفِينَةً فِي الْبَحْرِ، وَرُبَّمَا سَاوَتْ جُمْلَةً مِنَ الْمَالِ. (^١)
• وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ ﵀: «سَمَّاهُمُ اللهُ تَعَالَى مَسَاكِيْنَ وَلَهُمْ سَفِيْنَةٌ؛ وَلَوْ كَانَتْ تَقُومُ بِهِمْ لَكَانُوا أَغْنِيَاءَ بِلَا خِلَافٍ؛ فَصَحَّ اسْمُ الْمِسْكِيْنِ بِالنَّصِّ لِمَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ». (^٢)
• وقال ﷿: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة ٢٧٣].
• فَهَذِهِ الْحَالُ الَّتِي وَصَفَ اللَّهُ بِهَا الْفُقَرَاءَ دُونَ الْحَالِ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا عَنِ الْمَسَاكِين. (^٣)
• وَلَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، وَلَا لِقَادِرٍ عَلَى الِاكْتِسَابِ؛ فَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلَانِ: أَنَّهُمَا أَتَيَا النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَهُوَ يُقَسِّمُ الصَّدَقَةَ، فَسَأَلَاهُ مِنْهَا، فَرَفَعَ فِينَا الْبَصَرَ وَخَفَضَهُ، فَرَآنَا جَلْدَيْنِ، فَقَالَ: «إِنَّ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ، وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ. (^٤)
_________________
(١) "الاستذكار" (ج ٣/ صـ: ٢٠٨)، و"التمهيد" (ج ١٨/ صـ: ٥٠)، وراجع: "المغني" (ج ٢/ صـ: ٤٩٦، وج ٦/ صـ: ٤٦٩).
(٢) "المحلى" (ج ٤/ صـ: ٢٧٢).
(٣) "التمهيد" (ج ١٨/ صـ: ٥١)، و"الاستذكار" (ج ٣/ صـ: ٢٠٨).
(٤) "المسند" (رَقْم: ١٧٩٧٢، و٢٣٠٦٣)، و"سنن أبي داود" (رَقْم: ١٦٣٣)، وإسناد أحمد على شرط الشيخين، وإسناد أبي داود على شرط البخاري، قال الزيلعي في "نصب الراية" (ج ٢/ صـ: ٤٠١): وقال صاحب "التنقيح": حديث صحيح، ورواته ثقات، قال الإمام أحمد ﵀: ما أجوده من حديث، هو أحسنها إسنادًا. ا. هـ. • وصححه الألباني ﵀ في "الإرواء" (رَقْم: ٨٧٦)، وفي "صحيح أبي داود" (رَقْم: ١٤٤٣)، وذكره العلامة الوادعي ﵀ في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ١٥٠٩)، بسند أبي داود، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين». • كذا قال ﵀، وإنما هو على شرط البخاري فقط؛ لأن شيخ أبي داود فيه هو مسدد، وهو من رجال البخاري فحسب، ولم يخرج له مسلم.
[ ٣٠٦ ]
• وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي هِلَالٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَقُولُ: «لَا تَصْلُحُ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ». رَوَاهُ أَحْمَدُ. (^١)
• وَاخْتُلِفَ فِي تَحْدِيْدِ ضَابِطِ الْغِنَي الَّذِي يَحْرُمُ مَعَهُ الْأَخْذُ مِنَ الزِّكَاةِ، فَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَمْلِكَ خَمْسِيْنَ دِرْهَمًا، أَوْ قِيْمَتَهَا مِنَ الذَّهَبِ؛ لِحَدِيْثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «مَنْ سَأَلَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ، جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُمُوشٌ، أَوْ خُدُوشٌ، أَوْ كُدُوحٌ فِي وَجْهِهِ»، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْغِنَى؟، قَالَ: «خَمْسُونَ دِرْهَمًا، أَوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ. (^٢)
• وَالْخَمْسُونَ دِرْهَمًا تَزِنُ: ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِيْنَ وَمَائَةَ جِرَامٍ وَثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْجِرَامِ (١٤٨.٧٥)، فَهَذَا الْقَدْرُ مَضْرُوبًا بِسِعْرِ الْجِرَامِ مِنَ الْفِضَّةِ ضَابِطُ الْغِنَى عَلَى هَذَا الْقَوْلِ.
• وَأُجِيبَ عَنْ حَدِيْثِ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ ﵁، قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَسْأَلُهُ فِيهَا، فَقَالَ: أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: «يَا قَبِيصَةُ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٌ تَحَمَّلَ حَمَالَةً،
_________________
(١) "المسند" (رَقْم: ١٦٥٩٤، و٢٣١٨٣)، وقال الألباني في "الإرواء" (ج ٣/ صـ: ٣٨٥): «وسنده جيد». وحسنه العلامة الوادعي في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ١٤٩٧).
(٢) "المسند" (رَقْم: ٣٦٧٥، و٤٢٠٧، و٤٤٤٠)، و"سنن أبي داود" (رَقْم: ١٦٢٦)، و"سنن الترمذي" (رَقْم: ٦٥٠)، و"سنن النسائي" (رَقْم: ٢٥٩٢)، و"سنن ابن ماجه" (رَقْم: ١٨٤٠)، وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم (رَقْم: ١٤٧٩)، والألباني ﵀ في "الصحيحة" (رَقْم: ٤٩٩)، وفي "صحيح أبي داود" (رَقْم: ١٤٣٨).
[ ٣٠٧ ]
فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَالَ: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ - وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أَوْ قَالَ: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ - فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا، يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا». رَوَاهُ مُسْلمٌ (رَقْم: ١٠٤٤).
• فَحُمِلَ الْقِوَامُ مِنَ الْعَيْشِ عَلَى مَا فِي حَدِيْثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁.
وَالَّذِي يَظْهَرُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ ضَابِطَ الْغِنَي مَرَدُّهُ إِلَى عُرْفِ النَّاسِ، وَباللهِ التَّوْفِيقُ.
ثَالِثًا: الْعَامِلُونَ عَلَى الصَّدَقَاتِ يُعْطَوْنَ مِنَ الزَّكَاةِ، وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ، بِالْإِجْمَاعِ، نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي "الِاسْتِذْكَارِ" (ج ٣/ صـ: ٢٠٧)، وَنَقَلَهُ أَيْضًا غَيْرُهُ.
• وَكَذَا الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا يُعْطَوْنَ مِنَ الزَّكَاةِ لِتَأْلِيْفِهِمْ، وَكَفِّ شَرِّهِمْ.
• وَكَذَا الْغَارِمُونَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيْلِ اللهِ يُعْطَوْنَ مِنْهَا وَلَوْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ، عَلَى الصَّحِيْحِ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَعَلَيْهِ أَدِلَّةٌ، مِنْهَا: حَدِيْثُ أَبِي سَعِيْدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ: لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أَوْ رَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ غَارِمٍ، أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ مِسْكِينٍ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ مِنْهَا، فَأَهْدَى مِنْهَا لِغَنِيٍّ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَه. (^١)
رَابِعًا: يُشْتَرطُ فِي الْعَامِلِ عَلَى الزَّكَاةِ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، عَاقِلًا، بَالِغًا، أَمِيْنًا. (^٢)
• وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ عَلَى الصَّدَقَةِ وَلَا الَّذِيْ يُعْطَاهَا مِنْ آلِ بَيْتِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وَلَا مِنْ مَوَالِي بَنِي هَاشِمٍ، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الصَّدَقَةُ فَرِيْضَةً أَوْ نَافِلَةً.
_________________
(١) "المسند" (رَقْم: ١١٥٣٨)، و"سنن ابن ماجه" (رَقْم:: ١٨٤١)، وصححه ابن خزيمة (رَقْم: ٢٣٧٤)، والحاكم (رَقْم: ١٤٨٠)، على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وأقرهما الألباني في "الإرواء" (رَقْم: ٨٧٠).
(٢) راجع: "المغني" (ج ٦/ صـ: ٤٧٣).
[ ٣٠٨ ]
• فَرَوَى مُسْلِمٌ (رَقْم: ١٠٧٢) عَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ؛ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ».
• وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بَعَثَ رَجُلًا عَلَى الصَّدَقَةِ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، فَقَالَ لِأَبِي رَافِعٍ: اصْحَبْنِي؛ فَإِنَّكَ تُصِيبُ مِنْهَا، قَالَ: حَتَّى آتِيَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَأَسْأَلَهُ، فَأَتَاهُ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: «مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَإِنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ (رَقْم: ٢٣٨٧٢، و٢٧١٨٢)، وَأَبُو دَاوُدَ (رَقْم: ١٦٥٠)، وَالتِّرْمِذِيُّ (رَقْم: ٦٥٧)، وَالنَّسَائِيُّ (رَقْم: ٢٦١٢). (^١)
• وَيَشْمَلُ هَذَا الْحُكْمُ أَيْضًا: بَنِي الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، فَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «إِنَّمَا بَنُو المُطَّلِبِ، وَبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ٣١٤٠، و٣٥٠٢، و٤٢٢٩).
خَامِسًا: مَصْرفُ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ لَا زَالَ بَاقِيًا، عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيْحِ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀: وَالْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ نَوْعَانِ: كَافِرٌ وَمُسْلِمٌ، فَالْكَافِرُ: إمَّا أَنْ يُرْجَى بِعَطِيَّتِهِ مَنْفَعَةٌ: كَإِسْلَامِهِ، أَوْ دَفْعِ مَضَرَّتِهِ إذَا لَمْ يَنْدَفِعْ إلَّا بِذَلِكَ، وَالْمُسْلِمُ الْمُطَاعُ يُرْجَى بِعَطِيَّتِهِ الْمَنْفَعَةُ أَيْضًا، كَحُسْنِ إسْلَامِهِ، أَوْ إسْلَامِ نَظِيرِهِ، أَوْ جِبَايَةِ الْمَالِ مِمَّنْ لَا يُعْطِيهِ إلَّا لِخَوْفِ أَوْ النِّكَايَةِ فِي الْعَدُوِّ، أَوْ كَفِّ ضَرَرِهِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ إذَا لَمْ يَنْكَفَّ إلَّا بِذَلِكَ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْعَطَاءِ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ إعْطَاءَ الرُّؤَسَاءِ وَتَرْكَ الضُّعَفَاءِ كَمَا يَفْعَلُ الْمُلُوكُ؛ فَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ؛ فَإِذَا كَانَ الْقَصْدُ بِذَلِكَ مَصْلَحَةَ الدِّينِ وَأَهْلِهِ كَانَ مِنْ جِنْسِ عَطَاءِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وَخُلَفَائِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ الْعُلُوَّ فِي الْأَرْضِ وَالْفَسَادَ كَانَ مِنْ جِنْسِ عَطَاءِ فِرْعَوْنَ؛ وَإِنَّمَا يُنْكِرُهُ ذَوُو الدِّينِ الْفَاسِدِ، كَذِي الْخُوَيْصِرَةِ الَّذِي أَنْكَرَهُ عَلَى
_________________
(١) وصححه الترمذي، وابن خزيمة (رَقْم: ٢٣٤٤)، وابن حبان (رَقْم: ٣٢٩٣)، والحاكم (رَقْم: ١٤٦٨)، وقال: «على شرط الشيخين»، وكذا قال الألباني في "صحيح أبي داود" (رَقْم: ١٤٥٦)، والشيخ مقبل في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ١٢٢١).
[ ٣٠٩ ]
النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، حَتَّى قَالَ فِيهِ مَا قَالَ، وَكَذَلِكَ حِزْبُهُ الْخَوَارِجُ أَنْكَرُوا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ ﵁ مَا قَصَدَ بِهِ الْمَصْلَحَةَ مِنْ التَّحْكِيمِ وَمَحْوِ اسْمِهِ وَمَا تَرَكَهُ مِنْ سَبْيِ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَصِبْيَانِهِمْ. ا. هـ. (^١)
سَادِسًا: الْمَقْصُودُ بِقَوْلِهِ ﷿: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠]: إِعَانَةُ الْمُكَاتَبِيْنَ، وَعِتْقُ الرِّقَابِ، إِمَّا اسْتِقْلَالًا، أَوِ الْمُشَارَكَةُ فِي عِتْقِهَا، وَكَذَا فِدَاءُ الْأَسْرَى. (^٢)
• قَالَ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀ فِي "الشَّرْحِ الْمُمْتِعِ" (٦/ صـ: ٢٣١ - ٢٣٢): وَكَذَلِكَ الْغَرِيْقُ إِذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يُخْرِجُهُ إِلَّا بِمَالٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّنَا نُعْطِيْهِ مِنَ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْأَسِيْرَ؛ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا تَخْتَصُّ بِالْأَرِقَّاءِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَشْمَلُ كُلَّ مَا فِيْهِ إِنجَاءٌ.
سَابِعًا: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ ﷿: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٠]: الَّذِينَ عَلَيْهِمْ دُيُونٌ لَا يَجِدُونَ وَفَاءَهَا، فَيُعْطَونَ وَفَاءَ دُيُونِهِمْ، وَلَوْ كَانَ كَثِيرًا، إلَّا أَنْ يَكُونُوا غَرِمُوهُ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا يُعْطَونَ حَتَّى يَتُوبُوا. قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀، "كَمَا فِي مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى" (ج ٢٨/ صـ: ٢٧٤).
• وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: الْغَارِمُ هُوَ مَنْ لَحِقَهُ الْغُرْمُ، وَهُوَ الضَّمَانُ وَالْإِلْزَامُ بِالْمَالِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
• وَالْغَارِمُ نَوْعَانِ، هُمَا: الْأَوَّلُ: غَارِمٌ لِإصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ. وَالثَّانِي: غَارِمٌ لِنَفْسِهِ.
• فَالْأَوَّلُ يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ بِمِقْدَارِ مَا غَرِمَ، وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا، وَأَمَّا الثَّانِي فَيُوَافَى عِنْدَ الدَّيْنِ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى وَفَائِهِ. (^٣)
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" (ج ٢٨/ صـ: ٢٩٠ - ٢٩١). وراجع: "الشرح الممتع" (ج ٦/ صـ: ٢٢٦ - ٢٢٨).
(٢) راجع: "تفسير ابن كثير" للآية، و"مجموع الفتاوى" (ج ٢٨/ صـ: ٢٧٤)، و"الشرح الممتع" (ج ٦/ صـ: ٢٣٠ - ٢٣١).
(٣) "الشرحِ الممتع" (ج ٦/ صـ: ٢٣٢).
[ ٣١٠ ]
ثَامِنًا: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ ﷿: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠]: الْغُزَاةُ، فَيُعْطَونَ مِنْ مَالِ اللَّهِ مَا يَكْفِيهِمْ لِغَزْوِهِمْ، أَوْ تَمَامَ مَا يَغْزُونَ بِهِ مِنْ خَيْلٍ وَسِلَاحٍ وَنَفَقَةٍ وَأُجْرَةٍ. (^١)
• وَهَلِ الْحَجُّ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ؟ فِيْهِ قَوْلانِ لأَهْلِ الْعِلْمِ:
الأَوَّلُ: الْحَجُّ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ ﵃، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْه، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، فَقَدْ قَالَ - كَمَا في "مَسَائِلِهِ بِرِوَايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللهِ" (رَقْم: ٥٦١) -: «يُعْطَى مِنَ الزَّكَاة فِي الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ من سَبِيل اللهِ».
• وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ: شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، وَابْنُ كَثِيْرٍ، وَالْأَلْبَانِيُّ، وَجَمَاعَةٌ؛ لِحَدِيْثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الْحَجَّ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ لِزَوْجِهَا: أَحِجَّنِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عَلَى جَمَلِكَ. فَقَالَ: مَا عِنْدِي مَا أُحِجُّكِ عَلَيْهِ. قَالَتْ: أَحِجَّنِي عَلَى جَمَلِكَ فُلَانٍ. قَالَ: ذَاكَ حَبِيسٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﷿. فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي تَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللَّهِ، وَإِنَّهَا سَأَلَتْنِي الْحَجَّ مَعَكَ، قَالَتْ: أَحِجَّنِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَقُلْتُ: مَا عِنْدِي مَا أُحِجُّكِ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ: أَحِجَّنِي عَلَى جَمَلِكَ فُلَانٍ، فَقُلْتُ: ذَاكَ حَبِيسٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ: «أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَحْجَجْتَهَا عَلَيْهِ كَانَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». قَالَ: وَإِنَّهَا أَمَرَتْنِي أَنْ أَسْأَلَكَ مَا يَعْدِلُ حَجَّةً مَعَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أَقْرِئْهَا السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللَّهِ وَبَرَكَاتِهِ، وَأَخْبِرْهَا أَنَّهَا تَعْدِلُ حَجَّةً مَعِي». يَعْنِي عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (رَقْم: ١٩٩٠). (^٢)
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" (ج ٢٨/ صـ: ٢٧٤).
(٢) وصححه ابن خزيمة (رَقْم: ٣٠٧٧)، والحاكم (رَقْم: ١٧٧٩)، وقال: «على شرط الشيخين»، قال الألباني ﵀ في "الإرواء" (ج ٦/ صـ: ٣٣): وتعقبه الذهبى بقوله: قلت: عامر ضعفه غير واحد، وبعضهم قواه ولم يحتج به البخارى. • قال الألباني ﵀: وقال فيه الحافظ فى "التقريب": «صدوق يخطئ». فالسند حسن، وللحديث شواهد يرقى بها الحديث إلى درجة الصحة. ا. هـ. = • وقال في "صحيح أبي داود" (رَقْم: ١٧٣٧): إسناده حسن صحيح، وصححه ابن خزيمة وابن العربي في "شرح الترمذي"، وأخرجه الشيخان مختصرًا، وكذا ابن الجارود وابن حبان، وزاد: «حجة معي»، وهي رواية البخاري. ا. هـ. • وصححه أيضًا: الضياء في "المختارة" (ج ٩/ صـ: ٥١٤ - ٥١٥) (رَقْم: ٤٩٨)، وذكره العلامة الوادعي ﵀ في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ٦٨٧)، وانظر إلى ما بعده. • وراجع المسألة في: "مجموع الفتاوى" (ج ٢٨/ صـ: ٢٧٤)، و"تفسير ابن كثير"، عند الآية، و"الإرواء" (ج ٣/ صـ: ٣٧٦)، و"تمام المنة" (صـ: ٣٨٠).
[ ٣١١ ]
• وَعَنْ أَبِي طُلَيْقٍ، قَالَ: طَلَبَتْ مِنِّي أُمُّ طُلَيْقٍ جَمَلًا تَحُجُّ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: قَدْ جَعَلْتُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَتْ: إِنَّهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَنْ أَحُجَّ عَلَيْهِ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَقَالَ: «صَدَقَتْ، لَوْ أَعْطَيْتَهَا كَانَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً». رَوَاهُ الْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ. (^١)
الثَّانِي: لَيْسَ الْحَجُّ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَدْ تَأَوَّلُوا الْحَدِيْثَيْنِ السَّابِقَيْنِ، فَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ في "المحلى" (ج ٤/ صـ: ٢٧٥): وَكُلُّ فِعْلِ خَيْرٍ فَهُوَ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، إلَّا أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يُرِدْ كُلَّ وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْبِرِّ فِي قِسْمَةِ الصَّدَقَاتِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تُوضَعَ إلَّا حَيْثُ بَيَّنَ النَّصُّ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرْنَا. ا. هـ.
• وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ في "الْمُغْنِي" (ج ٦/ صـ: ٤٨٣ - ٤٨٣): لِأَنَّ سَبِيلَ اللَّهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى الْجِهَادِ، فَإِنَّ كُلَّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ سَبِيلِ اللَّهِ إنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الْجِهَادُ، إلَّا الْيَسِيرَ، فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ مَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ إرَادَتُهُ بِهِ، وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا تُصْرَفُ إلَى أَحَدِ رَجُلَيْنِ، مُحْتَاجٍ إلَيْهَا، كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَفِي الرِّقَابِ
_________________
(١) رواه البزار - كما في "كشف الأستار" (رَقْم: ١١٥١) -، والطبراني في "الكبير" (ج ٢٢/ صـ: ٣٢٤)، وجوَّد إسناده الحافظ فى "الإصابة" (ج ٧/ صـ: ١٩٥)، وصححه الألباني في "الإرواء" (ج ٣/ صـ: ٣٧٦)، وفي "الصحيحة" (رَقْم: ٣٠٦٩)، وحسنه الوادعي في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ١٢٣٤).
[ ٣١٢ ]
وَالْغَارِمِينَ لِقَضَاءِ دُيُونِهِمْ، أَوْ مَنْ يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، كَالْعَامِلِ وَالْغَازِي وَالْمُؤَلَّفِ وَالْغَارِمِ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ. وَالْحَجُّ مِنْ الْفَقِيرِ لَا نَفْعَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ، وَلَا حَاجَةَ بِهِمْ إلَيْهِ، وَلَا حَاجَةَ بِهِ أَيْضًا إلَيْهِ، لِأَنَّ الْفَقِيرَ لَا فَرَضَ عَلَيْهِ فَيُسْقِطَهُ، وَلَا مَصْلَحَةَ لَهُ فِي إيجَابِهِ عَلَيْهِ، وَتَكْلِيفُهُ مَشَقَّةٌ قَدْ رَفَّهَهُ اللَّهُ مِنْهَا، وَخَفَّفَ عَنْهُ إيجَابَهَا، وَتَوْفِيرُ هَذَا الْقَدْرِ عَلَى ذَوِي الْحَاجَةِ مِنْ سَائِرِ الْأَصْنَافِ، أَوْ دَفْعُهُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ أَوْلَى، وَأَمَّا الْخَبَرُ فَلَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ الْحَجُّ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْمُرَادُ بِالْآيَةِ غَيْرُهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا. ا. هـ.
• وَهَذَا الْقَوْلُ أَقْرَبُ، وَأَحْوَطُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
تَاسِعًا: ابْنُ السَّبِيْلِ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ هُوَ: الْمُسَافِرُ، الْمُجْتَازُ فِي بَلَدٍ لَيْسَ مَعَهُ مَا يَكْفِيْهِ إِلَى بَلَدِهِ، وَالسَّبِيْلُ هِيَ: الطَّرِيْقُ، قِيْلَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُلَازِمُهَا بالْعُبُورِ. (^١)
• قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀: وَلِأَنَّهُ لَا يُفْهَمُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ إلَّا الْغَرِيبُ، دُونَ مَنْ هُوَ فِي وَطَنِهِ وَمَنْزِلِهِ، وَإِنْ انْتَهَتْ بِهِ الْحَاجَةُ مُنْتَهَاهَا، فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ عَلَى الْغَرِيبِ دُونَ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يُعْطَى وَلَهُ الْيَسَارُ فِي بَلَدِهِ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْوُصُولِ إلَيْهِ، وَالِانْتِفَاعِ بِهِ، فَهُوَ كَالْمَعْدُومِ فِي حَقِّهِ، فَإِنْ كَانَ ابْنُ السَّبِيلِ فَقِيرًا فِي بَلَدِهِ، أُعْطِيَ لِفَقْرِهِ وَكَوْنِهِ ابْنَ السَّبِيلِ، لِوُجُودِ الْأَمْرَيْنِ فِيهِ، وَيُعْطَى لِكَوْنِهِ ابْنَ سَبِيلٍ قَدْرَ مَا يُوْصِلُهُ إلَى بَلَدِهِ؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ إلَيْهِ لِلْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ، فَتُقَدَّرُ بِقَدْرِهِ، وَتُدْفَعُ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا فِي بَلَدِهِ إذَا كَانَ مُحْتَاجًا فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْوُصُولِ إلَى مَالِهِ، فَصَارَ كَالْمَعْدُومِ، وَإِنْ فَضَلَ مَعَهُ شَيْءٌ بَعْدَ رُجُوعِهِ إلَى بَلَدِهِ رَدَّهُ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ لِلْحَاجَةِ، وَقَدْ حَصَلَ الْغِنَى بِدُونِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخَذَ لِغَزْوٍ فَلَمْ يَغْزُ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا، أَوْ اتَّصَلَ بِسَفَرِهِ الْفَقْرُ، أَخَذَ الْفَضْلَ لِفَقْرِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ فَاتَ الِاسْتِحْقَاقُ بِكَوْنِهِ ابْنَ سَبِيلٍ، حَصَلَ الِاسْتِحْقَاقُ بِجِهَةٍ أُخْرَى، وَإِنْ كَانَ غَارِمًا، أَخَذَ الْفَضْلَ لِغُرْمِهِ. ا. هـ. (^٢)
_________________
(١) "المغني" (ج ٦/ صـ: ٤٨٤ - ٤٨٥)، و"الشرحِ الممتع" (ج ٦/ صـ: ٢٤٣).
(٢) "المغني" (ج ٦/ صـ: ٤٨٥).
[ ٣١٣ ]
• وَقَالَ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: وَابْنُ السَّبِيْلِ هَلْ يُعْطَى لِسَفَرِهِ، أَوْ يُعْطَى لِحَاجَتِهِ؟
• إِذَا قُلْتَ: لِحَاجَتِهِ أَوْرَدَ عَلَيْكَ مُوْرِدٌ أَنَّهُ إِذَا كَانَ يُعْطَى لِحَاجَتِهِ فَهُوَ مِنَ الْفُقَرَاءِ.
• فَيُقَالُ: يُعْطَى لِحَاجَتِهِ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ شَرْطًا أَلَّا يَكُونَ عِندَهُ مَالٌ.
• أَمَّا الْفَقِيْرُ فَيُشْتَرَطُ أَلَّا يَكُونَ عِندَهُ مَالٌ، وَلِهَذَا نَقُولُ: ابْنُ السَّبِيْلِ نُعْطِيْهِ، وَلَوْ كَانَ فِي بَلَدِهِ مِنْ أَغْنَى النَّاسِ إِذَا انقَطَعَ بِهِ السَّفَرُ؛ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ مُحْتَاجٌ، وَلَا يُقَالُ: أَنْتَ غَنِيٌّ، فَاقْتَرِضْ. فَيُعْطَى مَا يُوصِلُهُ إِلَى بَلَدِهِ، وَهَذَا يَخْتَلِفُ، فَيُنظَرُ إِلَى حَالِهِ حَتَّى لَا تَكُونَ هُنَاكَ غَضَاضَةٌ وَإِهَانَةٌ لَهُ.
• ثُمَّ قَالَ: وَيَتَرَجَّحُ أَنَّهُ يُعْطَى مَا لَا يَنقُصُ بِهِ قَدْرُهُ. ا. هـ. (^١)
• وَيُشْتَرَطُ لِإِعْطَائِهِ مِنَ الزَّكَاةِ أَنْ لَا يَكُونَ فِي سَفَرٍ مَعْصِيَةٍ، هَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّ إِعْطَاءَهُ فِي هَذَا الْحَالِ إِعَانَةٌ لَهُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَاللَّهُ ﷿ يَقُولُ: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. (^٢)
عَاشِرًا: لَا يُعْطَى الْأَبُ وَلَا الْأُمُّ وَإِنْ عَلَيَا، وَلَا الْأَوْلَادُ ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إِنَاثًا وَإِنْ نَزَلُوا، لَا يُعْطَونَ مِنَ الزَّكَاةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ نُقِلَ الْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀: قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى الْوَالِدَيْنِ، فِي الْحَالِ الَّتِي يُجْبَرُ الدَّافِعُ إلَيْهِمْ عَلَى النَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ، وَلِأَنَّ دَفْعَ زَكَاتِهِ إلَيْهِمْ تُغْنِيهِمْ عَنْ نَفَقَتِهِ، وَتُسْقِطُهَا عَنْهُ، وَيَعُودُ نَفْعُهَا إلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ دَفَعَهَا إلَى نَفْسِهِ، فَلَمْ تَجُزْ، كَمَا لَوْ قَضَى بِهَا دَيْنَهُ. ا. هـ. (^٣)
• وَأَمَّا إِذَا كَانُوا غَارِمِيْنَ أَوْ مُكَاتَبِيْنَ فَقَدْ ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ وَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ، وَاسْتَظْهَرَ الْجَوَازَ، وَقَوَّى أَيْضًا جَوَازَ دَفْعِهَا إِلَيْهِمْ إِنْ كَانُوا
_________________
(١) "الشرحِ الممتع" (ج ٦/ صـ: ٢٤٤).
(٢) راجع: "الشرحِ الممتع" (ج ٦/ صـ: ٢٤٤ - ٢٤٥).
(٣) راجع: "المغني" (ج ٢/ صـ: ٤٨٢).
[ ٣١٤ ]
فُقَرَاءَ، وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ نَفَقَتِهِمْ، قَالَ: لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ مَوْجُودٌ، وَالْمَانِعَ مَفْقُودٌ؛ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِالْمُقْتَضِي السَّالِمِ عَنْ الْمُعَارِضِ الْمُقَاوِمِ. ا. هـ. (^١)
• وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: فَالْقَوْلُ الرَّاجِحُ الصَّحِيْحُ، أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ الزَّكَاةَ لِأَصْلِهِ وَفَرْعِهِ مَا لَمْ يَدْفَعْ بِهَا وَاجِبًا عَلَيْهِ، فَإِنْ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُمْ عَلَيْهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ لَهُمُ الزَّكَاةَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَعْنِي أَنَّهُ أَسْقَطَ النَّفَقَةَ عَنْ نَفْسِهِ.
• أَمَّا مَا سِوَى الْوَالِدَيْنِ وَالْأَوْلَادِ مِنَ الْأَقَارِبِ، وَالَّذِيْنَ لَا تَجِبُ لَهُمُ النَّفَقَةُ، كَالْإِخْوَةِ وَالْأَعْمَامِ؛ فَإِنَّهُمْ يُعْطَوْنَ مِنَ الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ إِنْ كَانُوا مِنْ مُسْتَحِقِّيْهَا، عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيْحِ.
• وَأَمَّا الزَّوْجَةُ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِزَوْجِهَا أن يُعْطِيهَا مِنَ الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ بِالْإِجْمَاعِ، نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنذِرِ، وَابْنُ قُدَامَةَ في "الْمُغْنِي" (ج ٢/ صـ: ٤٨٤).
• وَلَهَا أَنْ تُعْطِيَ زَوْجَهَا زَكَاتَهَا عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيْحِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ؛ لِحَدِيْثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، أَنَّ زَيْنَبَ امْرَأَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّكَ أَمَرْتَ اليَوْمَ بِالصَّدَقَةِ، وَكَانَ عِنْدِي حُلِيٌّ لِي، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ وَوَلَدَهُ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ١٤٦٢).
• وفي رواية (رَقْم: ١٤٦٦): وَكَانَتْ زَيْنَبُ تُنْفِقُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، وَأَيْتَامٍ فِي حَجْرِهَا، قَالَ: فَقَالَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ: سَل رَّسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْكَ وَعَلَى أَيْتَامٍ فِي حَجْرِي مِنَ الصَّدَقَةِ؟ فَقَالَ: سَلِي أَنْتِ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَانْطَلَقْتُ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَوَجَدتُّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ عَلَى البَابِ، حَاجَتُهَا مِثْلُ حَاجَتِي، فَمَرَّ عَلَيْنَا بِلَالٌ، فَقُلْنَا: سَلِ النَّبِيَّ
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" (ج ٢٥/ صـ: ٩٠).
[ ٣١٥ ]
-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَى زَوْجِي، وَأَيْتَامٍ لِي فِي حَجْرِي؟ وَقُلْنَا: لَا تُخْبِرْ بِنَا، فَدَخَلَ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: «مَنْ هُمَا؟» قَالَ: زَيْنَبُ، قَالَ: «أَيُّ الزَّيَانِبِ؟» قَالَ: امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «نَعَمْ، لَهَا أَجْرَانِ، أَجْرُ القَرَابَةِ وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ».
• وَهَذَا يَشْمَلُ الصَّدَقَةَ الْمَفْرُوضَةَ وَالنَّافِلَةَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لَمْ يَسْتَفْصِلْ، وَتَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ فِي حِكَايَةِ الْأَحْوَالِ مَعَ قِيَامِ الِاحْتِمَالِ يُنَزَّلُ مَنزِلَةَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ. (^١)
• وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي "الْمُغْنِي" (ج ٢/ صـ: ٤٨٥): «وَلِأَنَّ الْأَصْلَ جَوَازُ الدَّفْعِ؛ لِدُخُولِ الزَّوْجِ فِي عُمُومِ الْأَصْنَافِ الْمُسَمَّيْنَ فِي الزَّكَاةِ، وَلَيْسَ فِي الْمَنْعِ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ».
• [إِخْوَانِي: رَاعُوا حَقَّ هَذِهِ الأَيَّامِ مَهْمَا أَمْكَنَكُمْ، وَاشْكُرُوا الَّذِي وَهَبَ لَكُمُ السَّلَامَ وَمَكَّنَكُمْ، فَكَمْ مُؤَمِّلٍ لَمْ يَبْلُغْ مَا أَمَّلَ، وَإِنْ شَكَكْتَ فَتَلَمَّحْ جِيرَانَكَ وَتَأَمَّلْ، كَمْ مِنْ أُنَاسٍ صَلَّوْا مَعَكُمْ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ التَّرَاوِيحَ، وَأَسْرَجُوا فِي الْمَسَاجِدِ طَلَبًا لِلأَجْرِ الْمَصَابِيْحَ، اقْتَنَصَهُمُ قَبْلَ تَمَامِهِ الصَّائِدُ فَقُهِرُوا، وَأَسَرَتْهُمُ الْمَصَائِدُ فَأُسِرُوا، وَغَمَسَهُمُ التَّلَفُ فِي بَحْرِهِ فَمُقِلُوا، وَلَمْ يَنْفَعْهُمُ الْمَالُ وَلَا الْآمَالُ لَمَّا نُقِلُوا، أَدَارَتْ عَلَيْهِمُ الْمَنُونُ رَحَاهَا، وَحَكَّ وُجُوهَهُمُ الثَّرَى فَمَحَاهَا، فَأَعْدَمَتْهُمْ صَوْمًا وَفِطْرًا، وَزَوَّدَتْهُمْ مِنَ الْحَنُوطِ عِطْرًا.] (^٢)
• اللَّهُمُ اقْدُرْ لَنَا الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، وَاصْرِفْ عَنَّا الشَّرَّ وَاصْرِفْنَا عَنْهُ يَا كَرِيْمُ يَا مَنَّانُ، اللَّهُمَّ يَا مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ.
وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ.
* * *
_________________
(١) راجع: "تفسير القرطبي" (التوبة: ٦٠)، و"نيل الأوطار" (ج ٤/ صـ: ٢١٠).
(٢) "التبصرة" (ج ٢/ صـ: ١٠٠).
[ ٣١٦ ]