• الْحَمْدُ للهِ رَبِّ النَّاسِ، مَلِكِ النَّاسِ، إِلَهِ النَّاسِ، شَيَّدَ هَذَا الدِّيْنَ صَرْحًا وَبُنْيَانًا، وَجَعَل لَهُ دَعَائِمَ وَأَرْكَانًا، وَجَعَلَ التَّوْحِيْدَ أُسَّهُ وَالْغِرَاسَ، وَجَعَلَ الصَّلَاةَ عَمُودَهُ وَنُورَ أَهْلِ الِاقْتِبَاسِ، وَجَعَلَ الزَّكَاةَ حَقَّ المَالِ، فَمَانِعُهَا مُتَوَعَّدٌ بِالتَّلَفِ وَالْإِفْلَاسِ، وَجَعَلَ الصِّيَامَ تَعَبُّدًا لَهُ بِالْإِمْسَاكِ عَنِ الْمُفطِّرَاتِ فِي النَّهَارِ، فَذَلِكَ رُكْنُهُ وَالْأَسَاسُ، وَجَعَلَ حَجَّ بَيْتِهِ الْحَرَامِ خَامِسَ هَذِهِ الْأَخْمَاسِ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ بِلَا عَدٍّ وَلَا قِيَاس، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، يُذْهِبُ البَأسَ بَعْدَ التَّحَيُّرِ وَالإِبْلَاسِ، ويُنَزِّلُ الْغَيْثَ بَعْدَ الْقُنُوطِ وَالْإِيَاسِ، وَأَشْهدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى التَّقْوَى خَيْرِ لِبَاس، كَشَفَ اللهُ بِهِ الْغُمُوضَ وَالالْتِبَاسَ، وَجَدَّد بِهِ مَعَالَمَ الدِّيْنِ بَعْدَ الاندِرَاس، وَأَحْرَزَ بِهِ الَأُمِّيِّيْنَ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، مَا خُطَّ بِمِدَادٍ عَلَى قِرْطَاسٍ، وَمَا بَدَّدَ ظَلَامَ اللَّيْلِ نِبْرَاسٌ، أَمَّا بَعْدُ:
• فَاتَّقُوا اللهَ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الصِّيَامَ عِبَادَةٌ جَلِيْلَةٌ، وَقُرْبَةُ إِلَى اللهِ وَوَسِيْلَةٌ، فَاحْرِصُوا عَلَى بُلُوغِ هَذِهِ الْفَضِيْلَةِ.
• وَالصِّيَامُ فِي اللغَةِ مَعْنَاهُ: الْإِمْسَاكُ وَالتَّرْكُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷿ عَنْ مَرْيَمَ: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦].
• وَفِي الشَّرْعِ: هُوَ التَعَبُّد للهِ ﷾ بِالْإِمْسَاكِ عَنِ الْمُفطِّرَاتِ مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ وَغَيْرِهَا مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ.
• قَالَ ﷾: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
• سُئِلَ فَضِيْلَةُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِيْنٍ ﵀ عَنْ أَرْكَانِ الصِّيَامِ؟ فَأَجَابَ: الصَّيِامُ لَهُ رُكْنٌ وَاحِدٌ، ثُمَّ ذَكَرَ هَذَا التَّعْرِيفَ.
[ ٦٤ ]
• قَالَ: وَالْمُرَادُ بِالْفَجْرِ هُنَا، الْفَجْرُ الثَّانِي دُونَ الْفَجْرِ الْأَوَّلِ، وَيَتَمَيَّزُ الْفَجْرُ الثَانِي عَنِ الْفَجْرِ الأَوَّلِ بِثَلاثِ مُمَيّزَاتٍ:
الأُوْلى: أَنَّ الْفَجْرَ الثَّانِيَ يَكُونُ مُعْتَرِضَا فِي الْأُفُقِ، أَيْ: مُمْتَدًا مِنَ الشِّمَالِ إِلَى الْجَنُوبِ، وَأَمَّا الْفَجْرُ الْأَوَّلُ فَيَكُونُ مُسْتَطِيْلًا، أَيْ: مُمْتَدًّا مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ.
المِيزَةُ الثَّانِيَة: أَنَّ الْفَجْرَ الثَّانِيَ لَا ظُلْمَةَ بَعْدَهُ، بَلْ يَسْتَمِرُّ النُّورُ فِي الزِّيَادَةِ حَتَّى طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَأَمَّا الْفَجْرُ الْأَوَّلُ فَيُظْلِمُ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ لَهُ شُعَاعٌ.
المِيزَةُ الثَّالِثَة: أَنَّ الْفَجْرَ الثَّانِيَ مُتَّصِلٌ بَيَاضُهُ بِالْأُفُقِ، وَأَمَّا الْفَجْرُ الْأَوَّلُ فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأُفُقِ ظُلْمَةٌ. وَالْفَجْرُ الْأَوَّلُ لَيْسَ لَهُ حُكْمٌ فِي الشَّرْعِ، فَلَا تَحِلُّ بِهِ صَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَا يَحْرُمُ بِهِ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ، بِخِلَافِ الْفَجْرِ الثَّانِي. ا. هـ. (^١)
• وعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، عَمَدتُّ إِلَى عِقَالٍ أَسْوَدَ، وَإِلَى عِقَالٍ أَبْيَضَ، فَجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِي، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ فِي اللَّيْلِ، فَلَا يَسْتَبِينُ لِي، فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)
• وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁، أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ؛ كَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَرَادَ الصَّوْمَ، رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلَيْهِ الْخَيْطَ الْأَسْوَدَ وَالْخَيْطَ الْأَبْيَضَ، فَلَا يَزَالُ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رِئْيُهُمَا فَأَنْزَلَ اللهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فَعَلِمُوا أَنَّهُ أَنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٣)
_________________
(١) "مجموع فتاواه ورسائله" (ج ١٩/ صـ: ١٣ - ١٤).
(٢) البخاري (رَقْم: ١٩١٦، و٤٥١٠)، ومسلم (رَقْم: ١٠٩٠).
(٣) البخاري (رَقْم: ١٩١٧، و٤٥١١،)، ومسلم (رَقْم: ١٠٩١).
[ ٦٥ ]
• وَلَا يَجُوزُ الْأَذَانُ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، سَوَاءٌ الْفَجْرُ أَوْ غَيْرُهَا، فِي رَمَضَانَ أَوْ فِي غَيْرِهِ، وَيَجِبُ تَحَرِّي الْوَقْتِ بِمَعْرِفَةِ عَلَامَاتِهِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلَا يَجُوزُ الاعْتِمَادُ عَلَى التَّقَاوِيْمِ؛ فَإِنَّ غَالِبَهَا فِيْهِ تَقْدِيْمٌ أَوْ تَأْخِيْرٌ، وَتَوْقِيْتُ الْفَجْرِ فِيْهَا يَكُونُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، إِمَّا بِخَمْسِ دَقَائِقَ أَوْ عَشْرِ دَقَائِقَ، وَرُبَّمَا فِي بَعْضِهَا بِنَحْوِ رُبُعِ سَاعَةٍ تَقْرِيَبًا!.
• حَتَّى لَوْ تَقَدَّمَ بِدَقِيْقَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّهُ يَضُرُّ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الْأَذَانَ قَبْلَ الْوَقْتِ، فَلَا يُجْزِئُ، ثُمَّ إِنَّ مَنْ لَّا يَشْهَدُ الْجَمَاعَةَ، كَالنِّسَاءِ، وَالْمَرْضَى، وَنَحْوِهِمْ، رُبَّمَا اغْتَرُّوا بِهَذَا الْأَذَانِ الَّذِي يَكُونُ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ، فَيَشْرَعُونَ فِي تَكْبِيْرَةِ الْإِحْرَامِ بِمُجَرَّدِ سَمَاعِهِ، فَيُوقِعُونَ الصَّلَاةَ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ، فَلَا تَصِحُّ فِي هَذَا الْحَالِ، فَيَكُونُ فِي هَذَا إِخْلَالٌ بِالصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ مِنَ الصِّيَامِ، وَاللَّهُ ﷿ يَقُولُ: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].
• وَكَذَلِكَ تَأْخِيْرُ الْمَغْرِبِ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا خِلَافُ السُّنَّةِ، فَقَدْ جَعَلَ اللهُ اللَّيْلَ غَايَةَ الْإِمْسَاكِ عَنِ الْمُفَطِّرَاتِ، وَجَعَلَهُ وَقْتًا لِإِفْطَارِ الصَّائِمِ، وَاللَّيْلُ الْمُرَادُ بِهِ فِي الْآيَةِ هُوَ: دُخُولُهُ، وَيَكُونُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ.
• قَالَ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀: وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ يَقْتَضِي الْإِفْطَارَ عِنْدَ غُرُوب الشَّمْسِ حُكْمًا شَرْعِيًّا. ا. هـ.
• وَقَدْ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ هَذَا الْأَمْرَ بَيَانًا شَافِيًا، فَمِنْ ذَلِكَ:
° حَدِيْثُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ١٩٥٤)، وَمُسْلِمٌ (رَقْم: ١١٠٠).
• وَمَعْنَى قَوْلِهِ: «فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ»، أَي: انقَضَى صَوْمُهُ وَتَمَّ، وَلَا يُوصَفُ الآنَ بِأَنَّهُ صَائِمٌ؛ فَإِنَّ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ خَرَجَ النَّهَارُ وَدَخَلَ اللَّيْلُ، وَاللَّيْلُ لَيْسَ مَحَلًّا للصَّوْمِ. قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي "شَرْحِ مُسْلِمٍ" (٧/ صـ: ٢٠٩).
• وَقَالَ أَيْضًا: وَقَوْلُه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أَقْبَلَ اللَّيْلُ»، «وَأَدْبَرَ النَّهَارُ»،
[ ٦٦ ]
«وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ»؛ قَالَ الْعُلَمَاءُ: كُلٌّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ يَتَضَمَّنُ الْآخَرَيْنِ وَيُلَازِمُهُمَا وَإِنَّمَا جَمَعَ بَيْنَهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي وَادٍ وَنَحْوِهِ بِحَيْثُ لَا يُشَاهِدُ غُرُوبَ الشَّمْسِ، فَيَعْتَمِدُ إِقْبَالَ الظَّلَامِ وَإِدْبَارَ الضِّيَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ا. هـ.
• وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي "الاسْتِذْكَارِ" (ج ٣/ صـ: ٢٨٨): «أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا حَلَّتْ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ فَقَدْ حَلَّ الْفِطْرُ لِلصَّائِمِ فَرْضًا وَتَطَوُّعًا، وَأَجْمَعُوا أَنَّ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَاللَّهُ ﷿ يَقُولُ: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ا. هـ.
• وَعَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى ﵄، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فِي سَفَرٍ، فَلَمَّا غَابَتِ الشَّمْسُ قَالَ لِرَجُلٍ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا»، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ أَمْسَيْتَ! قَالَ: «انزِلْ فَاجْدَحْ لَنَا»، قَالَ: إِنَّ عَلَيْنَا نَهَارًا، فَنَزَلَ، فَجَدَحَ لَهُ، فَشَرِبَ، ثُمَّ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا - وَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ - فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)
• وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فِي سَفَرٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ.
• وَمَعْنَى: «فَاجْدَحْ لَنَا»، أَي: اخْلِطِ السَّوِيْقَ بِالْمَاءِ، وَحَرِّكْهُ حَتَّى يَسْتَوِيَ.
• قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: لَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ أَمَرَهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بِالْجَدْحِ؛ لِيُفْطِرُوا، فَرَأَى الْمُخَاطَبُ آثَارَ الضِّيَاءِ وَالْحُمْرَةِ الَّتِي بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَظَنَّ أَنَّ الْفِطْرَ لَا يَحِلُّ إِلَّا بَعْدَ ذَهَابِ ذَلِكَ، وَاحْتَمَلَ عِنْدَهُ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لَمْ يَرَهَا، فَأَرَادَ تَذْكِيرَهُ وَإِعْلَامَهُ بِذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا قَوْلُهُ: «إِنَّ عَلَيْكَ نَهَارًا»؛ لِتَوَهُّمِهِ أَنَّ ذَلِكَ الضَّوْءَ مِنَ النَّهَارِ الَّذِي يَجِبُ صَوْمُهُ، وَهُوَ مَعْنَى: «لَوْ أَمْسَيْتَ»، أَيْ: تَأَخَّرْتَ؛ حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسَاءُ.
_________________
(١) البخاري (رَقْم: ١٩٥٥، و١٩٥٦، و٥٢٩٧)، ومسلم (رَقْم: ١١٠١).
[ ٦٧ ]
• ثُمَّ ذَكَرَ ﵀ مِنْ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ: بَيَانَ انْقِضَاءِ الصَّوْمِ بِمُجَرَّدِ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَاسْتِحْبَابَ تَعْجِيلِ الْفِطْر. ا. هـ.
• وَهَذَا الاسْتِحْبَابُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. (^١)
• وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فِي "الْمُصَنَّفِ" (رقم: ٧٥٩٤): «وَلَوْ تَرَاآهَا أَحَدٌ عَلَى بَعِيرِهِ لَرَآهَا»، يَعْنِي الشَّمْسَ.
• وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ - إِنْ سَلِمَتْ مِنَ الشُّذُوذِ - مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّهَا خَرَجَتْ مَخْرَجَ الْمُبَالَغَةِ فِي وَصْفِ تَعْجِيْلِ الْفِطْرِ بَعْدَ التَّحَقُّقِ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ، بِإِقْبَالِ اللَّيْلِ وَإِدْبَارِ النَّهَارِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ لَا تَزَالُ تُرَى مِنْ مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ؛ فَالنَّهَارُ بَاقٍ حَتَّى تَتَوارَى بِالْحِجَابِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيْقِ.
• وَفِي "فَتَاوَى اللَّجْنَةِ الدَّائِمَةِ" (الْمَجْمُوعَةِ الْأُوْلَى) (ج ١٠/ صـ: ١٣٦) (رَقْم: ١٦٩٣): إِذَا كَانَ الصَّائِمُ فِي الطَّائِرَةِ، وَاطَّلَعَ بِوَاسِطَةِ السَّاعَةِ وَالتِّلِيْفُونِ عَلَى إِفْطَارِ الْبَلَدِ الْقَرِيْبَةِ مِنْهُ وَهُوَ يَرَى الشَّمْسَ بِسَبَبِ ارْتِفَاعِ الطَّائِرَةِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، وَهَذِهِ الْغَايَةُ لَمْ تَتَحَقَّقْ فِي حَقِّهِ مَا دَامَ يَرَى الشَّمْسَ. وَأَمَّا إِذَا أَفْطَرَ بِالْبَلَدِ بَعْدَ انتِهَاءِ النَّهَارِ فِي حَقِّهِ، فَأَقْلَعَتِ الطَّائِرَةُ ثُمَّ رَأَى الشَّمْسَ فَإِنَّهُ يَسْتَمِرُّ مُفْطِرًا؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْبَلَدِ الَّتِي أَقْلَعَ مِنْهَا، وَقَدِ انتَهَى النَّهَارُ وَهُوَ فِيْهَا. ا. هـ.
• وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الفِطْرَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)
• وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (رقم: ٢٠٦١) - وَعَنْهُ ابْنُ حِبَّانَ (رقم: ٣٥١٠) - وَالْحَاكِمُ (رَقْم: ١٥٨٤)، بِلَفْظِ: «لَا تَزَالُ أُمَّتِي عَلَى سُنَّتِي مَا لَمْ تَنْتَظِرْ بِفِطْرِهَا النُّجُومَ».
_________________
(١) "بداية المجتهد" (ج ٢/ صـ: ٦٩)، و"المجموع" (ج ٦/ صـ: ٣٦٠).
(٢) البخاري (رَقْم: ١٩٥٧)، ومسلم (رَقْم: ١٠٩٨).
[ ٦٨ ]
• قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: «فِيهِ الْحَثُّ عَلَى تَعْجِيلِهِ بَعْدَ تَحَقُّقِ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَمَعْنَاهُ: لَا يَزَالُ أَمْرُ الْأُمَّةِ مُنْتَظِمًا وَهُمْ بِخَيْرٍ مَا دَامُوا مُحَافِظِينَ عَلَى هَذِهِ السُّنَّةِ، وَإِذَا أَخَّرُوهُ كَانَ ذَلِكَ عَلَامَةً عَلَى فَسَادٍ يَقَعُونَ فيه».
• وَقَالَ الْحَافِظُ ﵀ فِي "الْفَتْحِ" (ج ٤/ صـ: ١٩٩): قَالَ الْمُهَلَّبُ: وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يُزَادَ فِي النَّهَارِ مِنَ اللَّيْلِ؛ وَلِأَنَّهُ أَرْفَقُ بِالصَّائِمِ، وَأَقْوَى لَهُ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إِذَا تَحَقَّقَ غُرُوبُ الشَّمْسِ بِالرُّؤْيَةِ أَوْ بِإِخْبَارِ عَدْلَيْنِ، وَكَذَا عَدْلٍ وَاحِد فِي الْأَرْجَحِ.
• قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى الشِّيْعَةِ فِي تَأْخِيرِهِمُ الْفِطْرَ إِلَى ظُهُورِ النُّجُومِ. ا. هـ.
• وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «لَا يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا مَا عَجَّلَ النَّاسُ الْفِطْرَ، لِأَنَّ الْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى يُؤَخِّرُونَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ. (^١)
• قَالَ الْحَافِظُ ﵀: «وَتَأْخِيرُ أَهْلِ الْكِتَابِ لَهُ أَمَدٌ، وَهُوَ ظُهُور النَّجْم».
• وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ أُمِرْنَا أَنْ نُؤَخِّرَ سُحُورَنَا، وَنُعَجِّلَ فِطْرَنَا، وَأَنْ نُمْسِكَ بِأَيْمَانِنَا عَلَى شَمَائِلِنَا فِي صَلَاتِنَا». رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَغَيْرُهُ. (^٢)
_________________
(١) "المسند" (رَقْم: ٩٨١٠)، و"سنن أبي داود" (رَقْم: ٢٣٥٣)، وهو فِي "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ١٤١٦) للعلامة الوادعي ﵀.
(٢) "المعجم الكبير" (ج ١١/ صـ: ١٩٩) (رَقْم: ١١٤٨٥)، و"صحيح ابن حبان" (رَقْم: ١٧٧٠)، بإسناد على شرط مسلم، وصححه أيضًا: الضياء المقدسي في "المختارة" (ج ١١/ صـ: ٢٠٩) (رَقْم: ٢٠٠، و٢٠١)، وقال الهيثمي في "المجمع" (ج ٢/ صـ: ١٠٥): «رجاله رجال الصحيح». • وصححه أيضًا: العلامة الألباني في "أصل صفة الصلاة" (ج ١/ صـ: ٢٠٥ - ٢٠٧)، وذكر له طرقًا، وشواهد، فراجعها، وراجع أيضًا: "الصحيحة" (رَقْم: ١٧٧٣).
[ ٦٩ ]
• وَيَتَرَتَّبُ عَلَى تَأْخِيْرِ الْفِطْرِ: تَأْخِيْرُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَهُوَ أَيْضًا خِلَافُ السُّنَّةِ، فَلِمُسْلِمٍ (رَقْم: ١٠٩٩) عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَمَسْرُوقٌ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، فَقَالَ لَهَا مَسْرُوقٌ: رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، كِلَاهُمَا لَا يَأْلُو عَنِ الْخَيْرِ، أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الْمَغْرِبَ وَالْإِفْطَارَ، وَالْآخَرُ يُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ وَالْإِفْطَارَ، فَقَالَتْ: مَنْ يُعَجِّلُ الْمَغْرِبَ وَالْإِفْطَارَ؟ قَالَ: عَبْدُ اللهِ، فَقَالَتْ: «هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَصْنَعُ».
• وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ أَوْ عَلَى الْفِطْرَةِ مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ حَتَّى تَشْتَبِكَ النُّجُومُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ (رَقْم: ١٧٣٢٩، و٢٣٥٣٤، و٢٣٥٨٢)، وَأَبُو دَاوُدَ (رَقْم: ٤١٨). (^١)
• وَقَوْلُهُ: «حَتَّى تَشْتَبِكَ النُّجُومُ»، أَي: تَظْهَرَ جَمِيعُهَا، وَيَخْتَلِطَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ؛ لِكَثْرَةِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا. قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيْرِ فِي "النِّهَايَةِ".
• وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كَانَ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَتَوَارَتْ بِالْحِجَابِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)
• وَعَنْ رَّافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵁، قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي المَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا، وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَيْضًا. (^٣)
• قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: وَفِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ الْمَغْرِبَ تُعَجَّلُ عَقِبَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ حُكِيَ عَنِ الشِّيْعَةِ فِيهِ شَيْءٌ لَا الْتِفَاتَ إِلَيْهِ، وَلَا أَصْلَ
_________________
(١) وصححه ابن خزيمة (رَقْم: ٣٣٩)، والحاكم (رَقْم: ٦٨٥)، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" (رَقْم: ٤٤٥)، وذكره العلامة الوادعي ﵀ في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ٣١٦).
(٢) البخاري (رَقْم: ٥٦١)، وهذا لفظه، ومسلم (رَقْم: ٦٣٦).
(٣) البخاري (رَقْم: ٥٥٩)، ومسلم (رَقْم: ٦٣٧).
[ ٧٠ ]
لَهُ، وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ إِخْبَارٌ عَنْ عَادَةِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الْمُتَكَرِّرَةِ الَّتِي وَاظَبَ عَلَيْهَا إِلَّا لِعُذْرٍ، فَالِاعْتِمَادُ عَلَيْهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ا. هـ.
• وَمِمَّا سَبَقَ يَتَبَيَّنُ لَكَ اسْتِحْبَابُ تَعْجِيْلِ الْفِطْرِ بَعْدَ التَّحَقُّقِ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَكَرَاهِيَّةُ تَأْخِيْرِهِ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، يَقُولُ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ أَتَانِي رَجُلَانِ فَأَخَذَا بِضَبْعَيَّ …»، الْحَدِيْث، وَفِيْهِ: «ثُمَّ انْطَلَقَ بِي، فَإِذَا أَنَا بِقَوْمٍ مُعَلَّقِينَ بِعَرَاقِيبِهِمْ، مُشَقَّقَةٍ أَشْدَاقُهُمْ، تَسِيلُ أَشْدَاقُهُمْ دَمًا! قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُفْطِرُونَ قَبْلَ تَحِلَّةِ صَوْمِهِمْ». (^١)
• فَهَذَا الْحَدِيْثُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، لَا عَلَى مَنْ تَعَجَّلَ الْفِطْرَ بَعْدَ غُرُوبِهَا، قَالَ الْأَلْبَانِيُّ ﵀: «مِنْ شُؤْمِ الاعْتِمَادِ عَلَى الْمُؤَذِّنِيْنَ الَّذِيْنَ يُؤَذِّنُونَ عَلَى التَّوْقِيْتِ الْفَلَكِيِّ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ سَيُفْطِرُ قَبْلَ الْوَقْتِ، فَإِنَّ بَعْضَهُمْ يُؤَذِّنُ قَبْلَ الْوَقْتِ …». (^٢)
• وَيَتَبَيَّنُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِأَذَانِ الْمُؤَذِّنِ إِذَا كَانَ لَا يَتَحَرِّى الْوَقْتَ، وَإِنَّمَا الْعِبْرَةُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ، قَالَ الْعَلَامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: «فَالْمُعْتَبَرُ غُرُوبُ الشَّمْسِ، لَا الْأَذَانُ، لَا سِيَّمَا فِي الْوَقْتِ الْحَاضِرِ، حَيْثُ يَعْتَمِدُ النَّاسُ عَلَى التَّقْوِيْمِ!، ثُمَّ يَعْتَبِرُونَ التَّقْوِيمَ بِسَاعَاتِهِمْ، وَسَاعَاتُهُمْ قَدْ تَتَغَيَّرُ بِتَقْدِيْمٍ أَوْ تَأْخِيْرٍ، فَلَوْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَأَنْتَ تُشَاهِدُهَا، وَالنَّاسُ لَمْ يُؤَذِّنُوا بَعْدُ، فَلَكَ أَنْ تُفْطِرَ، وَلَوْ أَذَّنُوا وَأَنْتَ تُشَاهِدُهَا لَمْ تَغْرُبْ، فَلَيْسَ لَكَ أَنْ تُفْطِرَ. ا. هـ. (^٣)
_________________
(١) رواه النسائي في "الكبرى" (رَقْم: ٣٢٧٣)، وابن خزيمة (رَقْم: ١٩٨٦)، وابن حبان (رَقْم: ٧٤٩١)، والحاكم (رَقْم: ١٥٦٨) بإسناد صحيح، وهو في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ٤٨٤).
(٢) "الصحيحة" (ج ٧/ صـ: ١٦٧١).
(٣) "مجموع فتاواه ورسائله" (ج ٦/ صـ: ٤٣٤ - ٤٣٥).
[ ٧١ ]
• وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ بالتَّقَاوِيْمِ، وَلَا يُشْتَرَطُ سَمَاعُ الْأَذَانِ بَعْدَ تَحَقُّقِ غُرُوبِ الشَّمْسِ. (^١)
• وَمَنْ يُقَدِّمُ الفَجْرَ وَيُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ إِنَّمَا يَصْنَعُهُ احْتِيَاطًا للصَّوْمِ، زَعَمَ!، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَر ﵀: «مِنَ الْبِدَعِ الْمُنْكَرَةِ مَا أُحْدِثَ فِي هَذَا الزَّمَانِ مِنْ إِيقَاعِ الْأَذَانِ الثَّانِي قَبْلَ الْفَجْرِ، بِنَحْوِ ثُلُثِ سَاعَةٍ فِي رَمَضَانَ، وَإِطْفَاءِ الْمَصَابِيحِ الَّتِي جُعِلَتْ عَلَامَةً لِتَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ عَلَى مَنْ يُرِيدُ الصِّيَامَ؛ زَعْمًا مِمَّنْ أَحْدَثَهُ أَنَّهُ لِلِاحْتِيَاطِ فِي الْعِبَادَةِ! وَلَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ إِلَّا آحَادُ النَّاسِ، وَقَدْ جَرَّهُمْ ذَلِكَ إِلَى أَنْ صَارُوا لَا يُؤَذِّنُونَ إِلَّا بَعْدَ الْغُرُوبِ بِدَرَجَةٍ؛ لِتَمْكِينِ الْوَقْتِ زَعَمُوا! فَأَخَّرُوا الْفِطْرَ وَعَجَّلُوا السُّحُورَ، وَخَالَفُوا السُّنَّةَ؛ فَلِذَلِكَ قَلَّ عَنْهُمُ الْخَيْرُ، وَكَثُرَ فِيهِمُ الشَّرُّ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ». (^٢)
• وَكَذَا ذَكَرَ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀ كَمَا فِي "مَجْمُوعِ فَتَاوَاهُ وَرَسَائِلِهِ" (ج ١٩/ صـ: ٢٩١ - ٢٩٢) - أَنَّ وَضْعَ قِسْمٍ يُسَمَّى الْإِمْسَاكَ فِي بَعْضِ التَّقَاوِيْمِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، بِحَيْثُ يُجْعَلُ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ بِنَحْوِ عَشْرِ دَقَائِقَ، أَوْ رُبُعِ سَاعَةٍ، ذَكَرَ أَنَّهُ مِنَ الْبِدَعِ، وَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ مِنَ السُّنَّةِ، بَلِ السُّنَّةُ عَلَى خِلَافِهِ.
• وَمِنْ بَابِ الْفَائِدَةِ فَقَدْ جَاءَ فِي "فَتَاوَى اللَّجْنَةِ الدَّائِمَةِ" (الْمَجْمُوعَةِ الثَّانِيَةِ) (ج ٥/ صـ: ٢٣٨): أَنَّ وَضْعَ هَذِهِ التَّقَاوِيْمِ فِي الْمَسَاجِدِ لَا يَجُوزُ؛ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى صُوَرِ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ الْمُحَرَّمَةِ، وَلِكَوْنِهَا مِمَّا يَشْغَلُ الْمُصَلِّيْنَ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِمْ لِلنَّظَرِ فِيْهَا، وَالتَّأَمُّلِ فِي أَلْوَانِهَا وَأَشْكَالِهَا، مِمَّا يَتَنَافَى مَعَ الْمَقْصُودِ مِنَ الصَّلَاةِ وَهُوَ الْخُشُوعُ وَجَمْعُ الْقَلْبِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ تَعَالَى.
_________________
(١) "فتاوى اللجنة الدائمة" (المجموعة الأولى) (ج ١٠/ صـ: ٢٨٧).
(٢) "فتح الباري" (ج ٤/ صـ: ١٩٩)، وقد تُوُفِّيَ الحافظ ابن حجر ﵀ سنة ٨٥٢ هـ.
[ ٧٢ ]
• وَفِيْهَا أَيْضًا (ج ٥/ صـ: ٢٣٩): لَا يَجُوزُ تَعْلِيْقُ التَّقَاوِيْمِ وَالْإِمْسَاكِيَّاتِ الرَّمَضَانِيَّةِ الصَّادِرَةِ مِنْ بَعْضِ الْبُنُوكِ أَوِ الْمُؤَسَّسَاتِ التِّجَارِيَّةِ فِي الْمَسَاجِدِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مَحْذُورَاتٍ شَرْعِيَّةٍ؛ كَالدِّعَايَةِ لِلْمُعَامَلَاتِ الْمُحَرَّمَةِ، وَجَعْلِ بُيُوتِ اللهِ تَعَالَى مَحَلًّا لِنَشْرِ الْمُنتَجَاتِ التِّجَارِيَّةِ، وَالدِّعَايَةِ لَهَا، وَغَيْرِهَا مِنَ الْأُمُورِ الْمُنَافِيَةِ لِحُرْمَةِ الْمَسَاجِدِ، وَمُنَاقَضَتِهَا لِمَا بُنِيَتْ لَهُ، مِنَ الصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَتَعْلِيْمِ النَّاسِ الْخَيْرَ، وَحَثِّهِمْ عَلَيْهِ، وَتَحْذِيْرِهِمْ مِنَ الشَّرِّ، وَتَرْهِيْبِهِمْ مِنْهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ قَوْلِ اللهِ تَعَاَلَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢]. ا. هـ.
• [يَا قَوْمِ، أَلَا خَاطِبٌ فِي هَذَا الشَّهْرِ إِلَى الرَّحْمَنِ!، أَلَا رَاغِبٌ فِيْمَا أَعَدَّهُ اللهُ للطَّائِعِيْنَ فِي الْجِنَان!، أَلَا طَالِبٌ لِمَا أُخْبِرَ بِهِ مِنَ النَّعِيْمِ الْمُقِيْمِ!، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْعَيَانِ.
مَنْ يُرِدْ مُلْكَ الْجِنَانِ … فَلْيَدَعْ عَنْهُ التَّوَانِي
وَلْيَقُمْ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْـ … ـلِ إِلَى نُورِ الْقُرَآنِ
وَلْيَصُمْ للهِ صَوْمًا … إِنَّ هَذَا الْعَيْشَ فَانِي
إِنَّمَا الْعَيْشُ جِوَارَ الْـ … للهِ فِي دَارِ الْأَمَانِ] (^١)
• [لَوْ رَأَيْتَ أَرْبَابَ الْقُلُوبِ وَالأَسْرَارِ، وَقَدْ أَخَذُوا أُهْبَةَ التَّعَبُّدِ فِي الأَسْحَارِ، وَقَامُوا فِي مَقَامِ الْخَوْفِ عَلَى قَدَمِ الاعْتِذَارِ، ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧].
_________________
(١) "لطائف المعارف" (صـ: ١٥٩).
[ ٧٣ ]
• عَقَدُوا عَزْمَ الصِّيَامِ وَمَا جَاءَ النَّهَارُ، وَسَجَنُوا الْأَلْسِنَةَ فَلَيْسَ فِيْهِمْ مِهْذَارٌ، وَغَضُّوا أَبْصَارَهُمْ وَلَازِمٌ غَضُّ الأَبْصَارِ، فَانْظُرْ مَدْحَهُمْ إِلَى أَيْنَ انْتَهَى وَصَارَ، أَحْزَانُهُمْ أَحْزَانُ ثَكْلَى مَا لِهَذَا اصْطِبَارٌ، وَوُجُوهُهُمْ مِنَ الْخَوْفِ قَدْ عَلاهَا الصَّفَارُ، وَالْقَلَقُ قَدْ أَحَاطَ بِهِمْ وَدَارَ، ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٧].
• جَدُّوا فِي انطِلَاقِهِمْ إِلَى خَلَّاقِهِمْ، وَرَاضُوا أَنْفُسَهُمْ بِتَحْسِينِ أَخْلاقِهِمْ، فَإِذَا بِهِمْ قَدْ أَذَابَهُمْ كَرْبُ اشْتِيَاقِهِمْ، أَتَدْرِي مَا الَّذِي حَبَسَكَ عَنْ لَحَاقِهِمْ؟ حُبُّ الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ!.
أَيْقَظَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ هَذِهِ السِّنَةِ، وَرَزَقَنَا اتِّبَاعَ النُّفُوسِ الْمُحْسِنَةِ، وَآتَانَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَوَقَانَا عَذَابَ النَّارِ.] (^١)
وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ،
أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ.
* * *
_________________
(١) "التبصرة" (ج ١/ صـ: ١٣٩ - ١٤٠).
[ ٧٤ ]