• الْحَمْدُ للهِ الرَّؤُوفِ الرَّفِيْقِ، وَالْهَادِي إِلَى سَوَاءِ الطَّرِيْقِ، مَا ضَلَّ وَلَا شَقِيَ مَنْ تَمَسَّكَ بِحَبْلِهِ الْوَثِيْقِ، وَلَا تَخَلَّفَ عَنِ الْفِقْهِ فِي دِيْنِهِ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِنصَافِ وَالتَّحْقِيْقِ وَالنَّظَرِ الدَّقِيْقِ، وَأشْهَدُ أَنْ لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلِيُّ التَّوْفِيْقِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خَيْرُ مَنْ وَحَّدَ وَصَلَّى وَزَكَّى وَصَامَ وَحَجَّ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيْقِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ خَيْرِ زُمْرَةٍ وَفَرِيْقِ، فَحَرِيٌّ بِالْفَضْلِ مَنْ تَبِعَهُمْ بِإْحْسَانٍ وَخَلِيْقٌ، أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ الْأَصْنَافَ الَّتِي تَجِبُ فِيْهَا الزَّكَاةُ عَشَرَةٌ، تِسْعَةٌ مِنْهَا بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، وَهِيَ:
° السَّائِمَةُ مِنْ بَهِيْمَةِ الْأَنْعَامِ، وَهِيَ: ١. الْإِبِلُ. ٢. وَالْبَقَرُ. ٣. وَالْغَنَمُ.
° وَمِنَ الْخَارِجِ مِنَ الْأَرْضِ: ٤. الْبُرُّ. ٥. وَالشَّعِيْرُ. ٦. وَالتَّمْرُ. ٧. وَالزَّبِيْبُ.
° وَالنَّقْدَانِ: ٨. الذَّهَبُ. ٩. وَالْفِضَّةُ. وَمَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا مِنَ الْعُمُلَاتِ الْوَرَقِيَّةِ النَّقْدِيَّةِ.
وَقَدْ نَظَمْتُ هَذِهِ التِّسْعَةَ بِقَوْلِي:
الْبُرُّ وَالشَّعِيْرُ وَالزَّبيبُ … وَالتَّمْرُ وَالْأَنْعَامُ يَا لَبِيْبُ
وَذَهَبٌ وَفِضَّةٌ تَلِيْهَا … قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى الزَّكَاةِ فِيْهَا
° وَالْعَاشِرَةُ: عُرُوضُ التِّجَارَةِ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ أَدِلَّتِهِ.
• فَأَمَّا الْإِبِلُ فَوَرَدَ تَفْصِيْلُهَا فِيْمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ١٤٥٤) عَنْ أَنَسٍ ﵁، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁، كَتَبَ لَهُ هَذَا الكِتَابَ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى البَحْرَيْنِ: بسم الله الرحمن الرحيم، هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَالَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ، فَمَنْ سُئِلَهَا مِنَ المُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا، فَلْيُعْطِهَا وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلَا يُعْطِ: «فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ، فَمَا دُونَهَا
[ ٢٩٢ ]
مِنَ الغَنَمِ مِنْ كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الجَمَلِ، فَإِذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّينَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ يَعْنِي سِتًّا وَسَبْعِينَ إِلَى تِسْعِينَ فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الجَمَلِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا أَرْبَعٌ مِنَ الإِبِلِ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا مِنَ الإِبِلِ فَفِيهَا شَاةٌ».
• وَفِي رِوَايَةٍ (رَقْم: ١٤٥٣): «مَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةُ الجَذَعَةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ، وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الحِقَّةُ، وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الحِقَّةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ الحِقَّةُ، وَعِنْدَهُ الجَذَعَةُ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الجَذَعَةُ، وَيُعْطِيهِ المُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الحِقَّةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ إِلَّا بِنْتُ لَبُونٍ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ بِنْتُ لَبُونٍ وَيُعْطِي شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُونٍ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الحِقَّةُ وَيُعْطِيهِ المُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُونٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ بِنْتُ مَخَاضٍ وَيُعْطِي مَعَهَا عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ».
• وَبِنتُ مَخَاضٍ مِنَ الْإِبِلِ هِيَ: الَّتِي أَكْمَلَتِ السَّنَةَ الْأُولَى وَدَخَلَتْ فِي الثَّانِيَةِ.
• وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ (رَقْم: ١٥٦٧): «فَإِنْ لَّمْ يَكُنْ فِيهَا بِنتُ مَخَاضٍ، فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ».
• وَابْنُ لَبُونٍ وَبِنتُ لَبُونٍ هُمَا: مَا أَكْمَلَ السَّنَةَ الثَّانِيَةَ وَدَخَلَ فِي الثَّالِثَةِ.
• وَالْحِقَّةُ: مَا أَكْمَلَتِ السَّنَةَ الثَّالِثَةَ وَدَخَلَتْ فِي الرَّابِعَةِ.
• وَالْجَذَعَةُ: مَا أَكْمَلَتِ السَّنَةَ الرَّابِعَةَ وَدَخَلَتْ فِي الْخَامِسَةِ.
• وَأَمَّا الْبَقَرُ فَفِي حَدِيْثِ مُعَاذٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لَمَّا وَجَّهَهُ
[ ٢٩٣ ]
إِلَى الْيَمَنِ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْبَقَرِ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا، أَوْ تَبِيعَةً، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ، وَلَهُ شَوَاهِدُ. (^١)
• وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيْثُ. (^٢)
• وَالتَّبِيْعُ وَالتَّبِيْعَةُ مِنَ الْبَقَرِ: مَا أَكْمَلَ السَّنَةَ وَدَخَلَ فِي الثَّانِيَةِ.
• وَالْمُسِنَّةُ: مَا أَكْمَلَتِ السَّنَتَيْنِ وَدَخَلَتْ فِي الثَّالِثَةِ.
• وَفِي حُكْمِ الْبَقَرِ: الْجَوَامِيْسُ، فَإِنَّهَا نَوْعُ مِنَ الْبَقَرِ، وَهِيَ أَعْظَمُهَا، وَأَكْثَرُهَا أَلْبَانًا.
• وَأَمَّا الْغَنَمُ، فَفِي حَدِيْثِ أَنَسٍ أَيْضًا، عِنْدَ الْبُخَارِيِّ (رَقْم: ١٤٥٤)، وَفِيْهِ: «وَفِي صَدَقَةِ الغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ: شَاةٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إِلَى مِائَتَيْنِ شَاتَانِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إِلَى ثَلَاثِ مِائَةٍ، فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِ مِائَةٍ، فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً وَاحِدَةً، فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا».
• وَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِي بَهِيْمَةِ الْأَنْعَامِ بِأَمْرَيْنِ اثْنَيْنِ: بُلُوغِ النِّصَابِ الْمَذْكُورِ، وَحَوَلَانِ الْحَوْلِ، أَيْ: بِمُرُورِ سَنَةٍ كَامِلَةٍ، فَهِيَ تَتَكَرَّرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ إِذَا بَلَغَتِ النِّصَابَ، وَلَمْ تَنقُصْ عَنْهُ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ.
_________________
(١) "مسند أحمد" (رَقْم: ٢٢٠١٣، و٢٢٠٣٧، و٢٢٠٨٤، و٢٢١٢٩)، و"سنن أبي داود" (رَقْم: ١٥٧٦)، و"سنن الترمذي" (رَقْم: ٦٢٣)، و"سنن النسائي" (رَقْم: ٢٤٥٠، و٢٤٥١، و٢٤٥٢)، و"سنن ابن ماجه" (رَقْم: ١٨٠٣). ويشهد له ما في الكتاب المشهور من النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لعمرو بن حزم، حين بعثه إلى اليمن، صححه الحاكم (رَقْم: ١٤٤٧)، وغيره، وكذا حديث ابن عباس ﵄، أخرجه الدارقطنى (رَقْم: ١٩٠٤، و١٩٢٨)، ومن طريقه البيهقى في "الكبرى" (رَقْم: ٧٢٩٣)، وثالث من حديث ابن مسعود ﵁، أخرجه أحمد (رَقْم: ٣٩٠٥)، والترمذي (رَقْم: ٦٢٢)، وابن ماجه (رَقْم: ١٨٠٤)، وراجع: "الإرواء" (رَقْم: ٧٩٥).
(٢) "الاستذكار" (ج ٣/ صـ: ١٨٨).
[ ٢٩٤ ]
• وَأَمَّا الزَّكَاةُ فِي الْبُرِّ، وَالشَّعِيْرِ، وَالتَّمْرِ، وَالزَّبِيْبِ؛ فَلِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي مُوسَى، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵄ حِينَ بَعَثَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: «لَا تَأْخُذُوا الصَّدَقَةَ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ: الشَّعِيرِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالزَّبِيبِ، وَالتَّمْرِ». (^١)
• وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ (رَقْم: ٢١٩٨٩) بِإِسْنَادٍ صَحِيْحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ إِلَى مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، قَالَ: عِنْدَنَا كِتَابُ مُعَاذٍ، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أَنَّهُ إِنَّمَا أَخَذَ الصَّدَقَةَ مِنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ».
• وَمُوسَى هَذَا لَمْ يُدْرِكْ مُعَاذًا، لَكِنَّهَا وِجَادَةٌ صَحِيْحَةٌ، وَهِيَ حُجَّةٌ. (^٢)
• وَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِي هَذِهِ الْأَصْنَافِ الْأَرْبَعَةِ بِبُلُوغِهَا النِّصَابَ، وَهُوَ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ؛ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيْثِ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وَلَيْسَ فِيْمَا دُونَ خَمْسِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ». (^٣)
• وَالْأَوْسُقُ جَمْعُ وَسْقٍ، وَالْوَسْقُ: سِتُّونَ صَاعًا، فَتَكُونُ الْخَمْسَةُ الْأَوْسُقُ ثَلَاثَمِائَةِ صَاعٍ، وَقُدِّرَ الصَّاعُ النَّبَوِيُّ كَيْلًا بِمِلْءِ خَمْسِ عُلَبٍ مِنَ الْأَنَانَاسِ الْمَعْرُوفَةِ مَمْسُوحَةً؛ فَتَكُونُ الثَّلَاثُمِائَةِ صَاعٍ: مِلْءَ أَلْفٍ وَخَمْسَمِائَةِ عُلْبَةِ أَنَانَاسٍ كَيْلًا.
• وَأَمَّا بِالْوَزْنِ فَإِنَّ الصَّاعَ عَلَى أَقَلِّ تَقْدِيْرِ: كِيْلُوْهَانِ وَأَرْبَعُونَ جِرَامًا، فَتَكُونُ الْخَمْسَةُ الْأَوْسُقُ: سِتَّمِائَةٍ وَاثْنَي عَشَرَ كِيْلُو جِرَامٍ، وَعَلَى أَحْوَطِ تَقْدِيْرٍ: ثَلَاثَةُ كِيْلُوْهَاتٍ، فَتَكُونُ الْخَمْسَةُ الْأَوْسُقُ: تِسْعَمِائَةِ كِيْلُو جِرَامٍ.
• وَيُعْتَبَرُ هَذَا النِّصَابُ بَعْدَ تَصْفِيَةِ الْحَبِّ، وَجَفَافِ الثِّمَارِ.
_________________
(١) رواه الدارقطني (رَقْم: ١٩٢١)، والبيهقي (رَقْم: ٧٤٥١)، وصححه الحاكم (رَقْم: ١٤٥٩)، والألباني في "الصحيحة" (رَقْم: ٨٧٩).
(٢) راجع: "الإرواء" (ج ٣/ صـ: ٢٧٧)، و"تحقيق المسند" (ج ٣٦/ صـ: ٣١٤ - ٣١٦).
(٣) البخاري (رَقْم: ١٤٠٥، و١٤٨٤)، ومسلم (رَقْم: ٩٧٩).
[ ٢٩٥ ]
• فَإِذَا بَلَغَ صِنفٌ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ هَذَا النِّصَابَ فِي غَلَّةٍ فَفِيْهِ: الْعُشْرُ إِنْ كَانَ يُسْقَى بِمَاءِ السَّمَاءِ، أَوِ الْعُيُونِ، أَوْ نِصْفُ الْعُشْرِ إِنْ كَانَ يُسْقَي بِالنَّضْحِ، أَوْ هَذِهِ الْمَضَخَّاتِ الْحَدِيْثَةِ؛ لِحَدِيْثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ١٤٨٣)، وَنَحْوُهُ لِمُسْلِمٍ (رَقْم: ٩٨١) مِنْ حَدِيْثِ جَابِرٍ ﵁.
• فَإِنْ كَانَ يُسْقَى بِالطَّرِيْقَتَيْنِ مَعًا فَفِيْهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي "الْمُغْنِي" (ج ٣/ صـ: ١٠): «وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا».
• وَأَمَّا مَا عَدَا هَذِهِ الْأَصْنَافَ الْأَرْبَعَةَ فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَصَدَّقَ يَوْمَ حَصَادِهِ بِمَا جَادَتْ بِهِ نَفْسُهُ وَسَمَحَتْ بِهِ؛ لِقَوْلِهِ ﷿: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وَقَوْلِه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
• وَلِمُسْلِمٍ (رَقْم: ٢٩٨٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ، فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ، فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الْمَاءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ الْمَاءَ، فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاتِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: فُلَانٌ - لِلِاسْمِ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ - فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ، لِمَ تَسْأَلُنِي عَنِ اسْمِي؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، لِاسْمِكَ، فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا؟ قَالَ: أَمَّا إِذْ قُلْتَ هَذَا، فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثًا، وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَهُ».
• وَأَمَّا الْقَاتُ الَّذِي ابْتُلِيَ بِزِرَاعَتِهِ وَتَعَاطِيْهِ كَثِيْرٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَزَكَاتُهُ: قَلْعُهُ، وَنَسْأَلُ اللهَ ﷿ أَنْ يُغْنِيَ أَهْلَ الْيَمَنِ وَسَائِرَ الْمُسْلِمِيْنَ مِنْ فَضْلِهِ، وَأَنْ يَكْفِيَهُمْ بِالْحَلَالِ الطَّيِّبِ.
[ ٢٩٦ ]
• وَأَمَّا زَكَاةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَمَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا مِنَ الْعُمُلَاتِ الْوَرَقِيَّةِ، فَهَذِهِ أَهَمُّ أَحْكَامِهَا:
• الأَوَّلُ: أَنَّ الْعِبْرَةَ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيْهَا أَمْرَانِ اثْنَانِ: بُلُوغُ النِّصَابِ، وَحَوَلَانُ الْحَوْلِ، (أَيْ: مُرُورُ سَنَةٍ كَامِلَةٍ)، بِحَيْثُ لَا تَنقُصْ عَنْهُ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ، كَمَا هُوَ الشَّأْنُ فِي زَكَاةِ بَهِيْمَةِ الْأَنْعَامِ.
• فَمَتَى تَوَفَّرَ هَذَانِ الْأَمْرَانِ وَجَبَ إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ فِيْهَا فِي أَيِّ وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِ السَّنَةِ، وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيْرُ ذَلِكَ إِلَّا لِعُذْرٍ.
• لَكِن مَنْ أَرَادَ تَقْدِيْمَ إِخْرَاجِهَا قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ؛ كَمَنْ يَحْرِصُ عَلَى مُوَافَقَةِ فَضْلِ رَمَضَانَ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ (^١)، وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ النَّاسِ عَلَى إِخْرَاجِهَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ؛ حِرْصًا عَلَى مُوَافَقَةِ فَضْلِ الزَّمَانِ.
• قَالَ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: لَوْ عَجَّلَ الزَّكَاةَ لِعَامٍ مُعَيَّنٍ ثُمَّ نَقَصَ النِّصَابُ بَعْدَ التَّعْجِيْلِ وَقَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ تَطَوُّعًا، وَلَا يُجْزِئُهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَعْوَامِ؛ لِأَنَّهُ نَوَاهُ لِذَلِكَ الْعَامِ.
• وَلَوْ عَجَّلَ الزَّكَاةَ ثُمَّ زَادَ النِّصَابُ فَإِنَّهُ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الزِّيَادَةِ أَيْضًا. ا. هـ. (^٢)
• وَأَمَّا تَعْجِيْلُهَا قَبْلَ مِلْكِ النِّصَابِ فَلَا يَجُوزُ، وَنَقَلَ ابْنُ قُدَامَةَ وَالنَّوَوِيُّ عَدَمَ الْخِلَافِ فِيْهِ. (^٣)
• الثَّانِي: نِصَابُ الذَّهَبِ بْالْجِرَامَاتِ: خَمْسَةٌ وَثَمَانُونَ جِرَامًا (٨٥)، فَإِنْ بَلَغَ هَذَا الْقَدْرَ وَحَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ فَفِيْهِ رُبُعُ الْعُشْرِ (٢،٥%).
_________________
(١) راجع: "التمهيد" (ج ٤/ صـ: ٥٩ - ٦٠)، و"شرح النووي على مسلم" (ج ٧/ صـ: ٥٧)، و"نيل الأوطار" (ج ٤/ صـ: ١٧٩).
(٢) "الشرح الممتع" (ج ٦/ صـ: ٢١٨).
(٣) "المغني" (ج ٢/ صـ: ٤٧١)، و"المجموع" (ج ٦/ صـ: ١٤٦).
[ ٢٩٧ ]
• وَنِصَابُ الْفِضَّةِ بِالْجِرَامَاتِ: خَمْسَةٌ وَتِسْعُونَ وَخَمْسُمِائَة جِرَام (٥٩٥)، فَإِذَا بَلَغَتِ الْفِضَّةُ هَذَا النِّصَابَ وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ وَجَبَ فِيْهَا رُبُعُ الْعُشْرِ (٢،٥%).
• وَأَصْلُ ذَلِكَ: أَنَّ نِصَابَ الذَّهَبِ بِالدَّنَانِيْرِ: عِشْرُونَ دِيْنَارًا، وَنِصَابَ الْفِضَّةِ مِائَتَا دِرْهَمٍ.
• فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)
• وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، فِي كِتَابِ أَبي بَكْرٍ ﵁ لَهُ، وَالَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ: «وَفِي الرِّقَةِ: رُبُعُ العُشْرِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ إِلَّا تِسْعِينَ وَمِائَةً، فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ١٤٥٤)، وَالرِّقَةُ - بِكَسْرِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْقَافِ -: الْفِضَّةُ الْخَالِصَةُ، سَوَاءٌ كَانَتْ مَضْرُوبَةً أَوْ غَيْرَ مَضْرُوبَةٍ، قَالَهُ الْحَافِظُ فِي "الْفَتْحِ" (ج ٣/ صـ: ٣٢١).
• وَعَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، وَالْحَارِثِ الْأَعْوَرِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قَالَ: «وَلَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ - يَعْنِي - فِي الذَّهَبِ - حَتَّى يَكُونَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا، فَإِذَا كَانَ لَكَ عِشْرُونَ دِينَارًا، وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، فَفِيهَا نِصْفُ دِينَارٍ، فَمَا زَادَ، فَبِحِسَابِ ذَلِكَ». قَالَ: فَلَا أَدْرِي أَعَلِيٌّ يَقُولُ: فَبِحِسَابِ ذَلِكَ، أَوْ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (رَقْم: ١٥٧٣)، وَرَجَّحَ جَمْعٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَقْفَهُ، وَلَهُ شَوَاهِدُ يَصِحُّ بِهَا، ذَكَرَهَا الْأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي "الْإِرْوَاءِ" (رَقْم: ٨١٣).
• وَيَبْلُغُ وَزْنُ الدِّيْنَارِ الْإِسْلَامِيِّ - وَهُوَ الْمِثْقَالُ - بِالْجِرَامَاتِ: أَرْبَعَةَ جِرَامَاتٍ وَرُبُعَ الْجِرَامِ (٤.٢٥)، فَتَكُونُ الْعِشْرُونَ دِيْنَارًا: خَمْسَةً وَثَمَانِيْنَ جِرَامًا.
• وَالدِّرْهَمُ سَبْعَةُ أَعْشَارِ الْمِثْقَالِ، أَيْ: (٠.٧ × ٤،٢٥)، فَيَكُونُ: (٢.٩٧٥ جِرَام)، وَتَكُونُ الْمِائَتَا دِرْهَمٍ بِالْجِرَامَاتِ: خَمْسَمِائَةٍ وَخَمْسَةً وَتِسْعِيْنَ جِرَامًا (٥٩٥).
_________________
(١) البخاري (رَقْم: ١٤٠٥، و١٤٤٧، و١٤٥٩، و١٤٨٤)، ومسلم (رَقْم: ٩٧٩).
[ ٢٩٨ ]
• وَأَمَّا نِصَابُ الْعُمُلَاتِ الْوَرَقِيَّةِ وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ فَعَلَى الْأَقَلِّ مِنْ نِصَابَيِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ؛ لِأَنَّهُ الْأَحْوَطُ، وَالْأَحَظُّ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِيْنِ. (^١)
• وَالْأَقَلُّ مِنْ نِصَابِهِمَا فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ هُوَ: نِصَابُ الْفِضَّةِ، فَيُضْرَبُ أَقَلُّ سِعْرٍ لِلْجِرَامِ مِنَ الْفِضَّةِ فِي الْأَسْوَاقِ فِي نِصَابِ الْفِضَّةِ بِالْجِرَامَاتِ، وَيَكُونُ نَاتِجُ الضَّرْبِ هُوَ نِصَابَ الْعُمُلَاتِ الْوَرَقِيَّةِ وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ.
• فَإِذَا بَلَغَتِ الْعُمُلَاتُ الْوَرَقِيَّةُ هَذَا النِّصَابَ وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ وَلَمْ تَنقُصْ عَنْهُ فِي مُدَّتِهِ فَفِيْهَا رُبُعُ الْعُشْرِ (٢،٥%).
الثَّالِثُ: أَنَّ الزَّكَاةَ وَاجِبَةٌ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ نُقُودًا، أَوْ تِبْرًا، أَوْ حُلِيًّا مُعَدًّا لِلُّبْسِ، أَوْ لِلْإِعَارَةِ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ؛ فِي قَبْضَتِهِ، أَوْ فِي ذِمَمِ النَّاسِ؛ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيْهِمَا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيْلٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤ - ٣٥].
• وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (رَقْم: ٩٨٧).
• وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو ﵄، أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وَمَعَهَا ابْنَةٌ لَهَا، وَفِي يَدِ ابْنَتِهَا مَسَكَتَانِ غَلِيظَتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ لَهَا:
_________________
(١) راجع: "مجموع فتاوى ابن باز" (ج ١٤/ صـ: ١٢٥)، و"اللجنة الدائمة" (م. الأولى) (ج ٩/ صـ: ٢٥٧).
[ ٢٩٩ ]
«أَتُعْطِينَ زَكَاةَ هَذَا؟». قَالَتْ: لَا. قَالَ: «أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللَّهُ بِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ؟». قَالَ: فَخَلَعَتْهُمَا، فَأَلْقَتْهُمَا إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وَقَالَتْ: هُمَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (رَقْم: ١٥٦٣)، وَالنَّسَائِيُّ (رَقْم: ٢٤٧٩).
• وَرَوَاهُ أَحْمَدُ (رَقْم: ٦٦٦٧، و٦٩٠١)، وَالتِّرْمِذِيُّ (رَقْم: ٦٣٧) دُونَ ذِكْرِ الْخَلْعِ.
وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: «فَأَدِّيَا زَكَاتَهُ».
وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ: «فَأَدِّيَا حَقَّ هَذَا الَّذِي فِي أَيْدِيكُمَا». (^١)
• وَأَمَّا حَدِيْثُ: «لَيْسَ فِى الْحُلِىِّ زَكَاةٌ»، فَبَاطِلٌ، كَمَا بَيَّنَهُ الْإِمَامُ الْأَلْبَانِيُّ فِي "الْإِرْوَاءِ" (رَقْم: ٨١٧).
• وَأَمَّا عُرُوضُ التِّجَارَةِ فَعَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيْهَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
• وَأَكْثَرُ أَمْوَالِ الْأُمَّةِ فِي أَيْدِي التُّجَّارِ، وَكَثِيْرٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَعْرُوضَةٌ لِلتِّجَارَةِ.
• وَقَالَ ﷿: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣].
• قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ﵀ فِي "الِاسْتِذْكَارِ (ج ٣/ صـ: ١٧٠): «وَلَمْ يَخُصَّ مَالًا مِنْ مَالٍ».
• وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْفَوْزَانُ: «وَعُرُوضُ التِّجَارَةِ هِيَ أَغْلَبُ الْأَمْوَالِ؛ فَكَانَتْ أَوْلَى بِدُخُولِهَا فِي عُمُومِ الْآيَاتِ». (^٢)
_________________
(١) ومن طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وإسناده حسن. وصححه ابن القطان، كما فى "نصب الراية" (ج ٢/ صـ: ٣٧٠)، وقال الحافظ في "بلوغ المرام" (رَقْم: ٦٢٠): «وإسناده قوي»، وحسن إسناده الألباني ﵀ في "صحيح أبي داود" (رَقْم: ١٣٩٦).
(٢) "الملخص الفقهي" (صـ: ٣٤٦).
[ ٣٠٠ ]
• وَفِي الْبَابِ أَحَادِيْثُ يَعْضُدُهَا مَا ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ. (^١)
• قَالَ الشَّيْخُ الْفَوْزَانُ: وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ شُرُوطٌ:
• الشَّرْطُ الأَوَّلُ: أَنْ يَمْلِكَهَا بِفِعْلِهِ؛ كَالْبَيْعِ، وَقَبُولِ الْهِبَةِ، وَالْوَصِيَّةِ وَالْإِجَارَةِ.
• الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَمْلِكَهَا بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ؛ بِأَنْ يَقْصِدَ التَّكَسُّبَ بِهَا؛ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ؛ وَالتِّجَارَةُ عَمَلٌ؛ فَوَجَبَ اقْتِرَانُ النِّيَّةِ بِهِ، كَسَائِرِ الْأَعْمَالِ.
• الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ تَبْلُغَ قِيْمَتُهَا نِصَابًا مِنْ أَحَدِ النَّقْدِيْنِ.
• الشَّرْطُ الرَّابِعُ: تَمَامُ الْحَوْلِ عَلَيْهَا.
• قَالَ: وَكَيْفِيَّةُ إِخْرَاجِ زَكَاةِ الْعُرُوضِ: أَنَّها تُقَوَّمُ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ: الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ، وَيُرَاعَى فِي ذَلِكَ الْأَحَظُّ لِلْفُقَرَاءِ، فَإِذَا قُوِّمَتْ وَبَلَغَتْ قِيْمَتُهَا نِصَابًا بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ؛ أَخْرَجَ رُبُعَ الْعُشْرِ مِنْ قِيْمَتِهَا، وَلَا يُعْتَبَرُ مَا اشْتُرِيَتْ بِهِ، بَلْ يُعْتَبَرُ مَا تُسَاوِي عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ عَيْنُ الْعَدْلِ بِالنِّسْبَةِ للتَّاجِرِ وَبِالنِّسْبَةِ لِأَهْلِ الزَّكَاةِ.
• وَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ الِاسْتِقْصَاءُ وَالتَّدْقِيْقُ وَمُحَاسَبَةُ نَفْسِهِ فِي إِخْرَاجِ زَكَاةِ الْعُرُوضِ؛ كَمُحَاسَبَةِ الشَّرِيْكِ الشَّحِيْحِ لِشَرِيْكِهِ؛ بِأَنْ يُحْصِيَ جَمِيْعَ مَا عِندَهُ مِنْ عُرُوضِ التِّجَارَةِ بِأَنْوَاعِهَا، وَيُقَوِّمَهَا تَقْوِيْمًا عَادِلًا؛ فَصَاحِبُ الْبَقَّالَةِ - مَثَلًا - يُحْصِي جَمِيْعَ مَا فِي بَقَّالَتِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَعْرُوضَاتِ لِلْبَيْعِ مِنَ الْمُعَلَّبَاتِ وَأَصْنَافِ الْبَضَائِعِ، وَصَاحِبُ الْآلِيَّاتِ وَقِطَعِ الْغِيَارِ وَالْمَكَائِنِ وَالسَّيَّارَاتِ الْمَعْرُوضَةِ لِلْبَيْعِ يُحْصِيْهَا وَيُقَوِّمُهَا، وَصَاحِبُ الْأَرْاضِي وَالْعِمَارَاتِ الْمَعْرُوضَةِ لِلْبَيْعِ يُقَوِّمُهَا بِمَا تُسَاوِي؛ أَمَّا الْعِمَارَاتُ وَالْبُيُوتُ
_________________
(١) أثر ابن عمر أخرجه عبد الرزاق (رَقْم: ٧١٠٣): عن ابن جريج، قال: أخبرني موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر قال: «كان فيما كان من مال في رقيق، أو في دوابّ، أو بَزٍّ يُدَارُ لتجارةٍ: الزكاةُ كُلَّ عام». • وإسناده صحيح. وراجع: "الاستذكار" (ج ٣/ صـ: ١٦٨ - ١٧٢)، و"المغني" (ج ٣/ صـ: ٥٨).
[ ٣٠١ ]
وَالسَّيَّارَاتُ الْمُعَدَّةُ لِلْإِيْجَارِ؛ فَلَا زَكَاةَ فِي ذَوَاتِهَا، وَإِنَّمَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيْمَا تَحَصَّلَ عَليْهِ صَاحِبُهَا مِنْ إِيْجَارِهَا إِذَا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، وَالْبُيُوتُ الْمُعَدَّةُ لِلسُّكْنَى وَالسَّيَّارَاتُ الْمُعَدَّةُ لِلرُّكُوبِ وَالْحَاجَةِ لَا زَكَاةَ فِيْهَا، وَكَذَلِكَ أَثَاثُ الْمَنزِلِ وَأَثَاثُ الدُّكَّانِ وَآلَاتُ التَّاجِرِ؛ كَالْأَذْرُعِ، وَالْمَكَاييْلِ، وَالْمَوَازِيْنِ، وَقَوَارِيْرِ الْعَطَّارِ، كُلُّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَا زَكَاةَ فِيْهَا؛ لِأَنَّها لَا تُبَاعُ للتِّجَارَةِ. ا. هـ. (^١)
• وَقَوْلُهُ: «وَلَا يُعْتَبَرُ مَا اشْتُرِيَتْ بِهِ، بَلْ يُعْتَبَرُ مَا تُسَاوِي عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ»، يَعْنِي: أَنَّ الْعِبْرَةَ بِسِعْرِ الْعُرُوضِ حَالَ وُجُوْبِ الزَّكَاةِ فِيْهَا، سَوَاءٌ أَزَادَ عَلَى سِعْرِ شِرَاءِهَا السَّابِقِ أَمْ نَقَصَ عَنْهُ، وَيَعْتَبِرُ التَّاجِرُ بِسِعْرِهَا الْحَالِيِّ فِي السُّوْقِ شِرَاءً عَلَيْهِ، لَا بِالسِّعْرِ الَّذِيْ يَبِيْعُهَا بِهِ، فَتَنَبَّهْ!.
وَهَذَا أَيْضًا مَعْنَى مَا جَاءَ فِي "فَتَاوَى اللَّجْنَةِ الدَّائِمَةِ" (الْمَجْمُوعَةِ الثَّانِيَةِ) (ج ٨/ صـ: ٨٤) (رَقْم: ١٩٧٢٢): وَكَيْفِيَّةُ إِخْرَاجِ زَكَاتِهَا: أَنْ تُقَوَّمَ بِمَا تُسَاوِيْ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ عَلَى ثَمَنِهَا الَّذِيْ اشْتُرِيَتْ بِهِ، وَيُخْرَجُ رُبُعُ الْعُشْرِ مِنْ الْقِيْمَةِ الْمُقَدَّرَةِ. ا. هـ.
• وَفِي إِجْزَاءِ إِخْرَاجِ الْقِيْمَةِ فِي شَيْءٍ مِنَ الزَّكَوَاتِ خِلَافٌ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى عَدَمِ الْإِجْزَاءِ، إِلَّا مَا اسْتُثْنِيَ بِالنَّصِّ، وَهُوَ الْجُبْرَانُ فِي الْإِبِلِ، بِشَاتَيْنِ إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا.
• وَقَيَّدَ بَعْضُهُمُ الْإِجْزَاءَ بِالضَّرُورَةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أحْمَدَ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ، وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ مِنْ صُوَرِ الضَّرُورَةِ: مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ شَاةٌ فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ فَفَقَدَ الشَّاةَ وَلَمْ يُمْكِنْهُ تَحْصِيلُهَا فَإِنَّهُ يُخْرِجُ قِيمَتَهَا دَرَاهِمَ وَيُجْزِئُهُ، وكَمَنْ لَزِمَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ فَلَمْ يَجِدْهَا وَلَا ابْنَ لَبُونٍ، لَا فِي مَالِهِ وَلَا بِالثَّمَنِ، فَإِنَّهُ يَعْدِلُ إِلَى الْقِيمَةِ. (^٢)
_________________
(١) "الملخص الفقهي" (ج ١/ صـ: ٣٤٨).
(٢) "المجموع شرح المهذب" (ج ٥/ صـ: ٤٣١).
[ ٣٠٢ ]
• وَزَادَ بَعْضُهُمُ تَقْيِيْدَهُ بِالْمَصْلَحَةِ وَالْحَاجَةِ، وَهُوَ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيةَ ﵀، إِلَّا أَنَّهُ يَنبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ زَكَاةُ الْفِطْرِ.
• وَقَدْ مَثَّلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀ لِلْحَاجَةِ أَوِ الْمَصْلَحَةِ بِـ: أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ بُسْتَانِهِ أَوْ زَرْعَهُ بِدَرَاهِمَ، فَهُنَا إخْرَاجُ عُشْرِ الدَّرَاهِمِ يُجْزِئُهُ، وَلَا يُكَلَّفُ أَنْ يَشْتَرِيَ ثَمَرًا أَوْ حِنْطَةً إذا كَانَ قَدْ سَاوَى الْفُقَرَاءَ بِنَفْسِهِ، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ.
• قَالَ: وَمِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَحِقُّونَ لِلزَّكَاةِ طَلَبُوا مِنْهُ إعْطَاءَ الْقِيمَةِ؛ لِكَوْنِهَا أَنْفَعَ، فَيُعْطِيهِمْ إيَّاهَا، أَوْ يَرَى السَّاعِي أَنَّ أَخْذَهَا أَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ. ا. هـ. (^١)
• تَنبِيْهٌ: عُرُوضُ التِّجَارَةِ وَالْعُمُلَاتُ الْوَرَقِيَّةُ يُضَمُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فِي تَكْمِيْلِ النِّصَابِ، وَتُضَمُّ أَيْضًا إِلَى الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ، وَأَمَّا الذَّهَبُ فَلَا يُضَمُّ إِلَى الْفِضَّةِ فِي تَكْمِيْلِ النِّصَابِ؛ لِأَنَّهُمَا جِنسَانِ مُخْتَلِفَانِ، وَلَا يُضَمُّ مَا تَجِبُ فِيْهِ الزَّكَاةُ مِنَ الذَّهَبِ بَعْضُهِ إِلَى بَعْضٍ إِذَا كَانَ الَّذِي تَجِبُ فِيْهِ الزَّكَاةُ لِشَخْصَيْنِ فَأَكْثَرَ، كَامْرَأَةٍ وَبَنَاتِهَا، بَلْ تُعْتَبَرُ زَكَاةُ كُلِّ شَخْصٍ عَلَى حِدَةٍ مُنفَصِلًا عَنْ مَالِ الْآخَرِ، إِلَّا إِنْ كَانَ الْمَالِكُ لَهُ وَاحِدًا، يَتَصَرَّفُ بِهِ حَيْثُ شَاءَ، فَيَضُمُّ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ. (^٢)
• إِخْوَانِي، إِنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ عَلَى وَشَكِ أَنْ يَنسَلِخَ، فَاغْتَنِمُوا مَا بَقِيَ مِنْ أَيَّامِهِ وَلَيَالِيْهِ.
الْعُمْرُ أَقْصَرُ مُدَّةً … مَنْ أَنْ يُضَيَّعَ فِي الْحِسَابْ
فَاغْتَنِمُوا سَاعَاتِهِ … فَمُرُورُهُ مَرُّ السَّحَابْ
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" (ج ٢٥/ صـ: ٨٣).
(٢) راجع: "المغني" (ج ٣/ صـ: ٣٦)، و"مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين" (ج ١٨/ صـ: ١٤١).
[ ٣٠٣ ]
• [هَذَا شَهْرُ التَّيَقُّظِ، هَذَا أَوَانُ التَّحَفُّظِ، إِخْوَانِي بَيْنَ أَيْدِيكُمْ سَفَرٌ، وَالأَعْمَارُ فِيهَا قِصَرٌ، وَكُلُّنَا وَاللَّهِ عَلَى خَطَرٍ، فَاعْرِفُوا قَدْرَ مَنْ قَدَرَ، وَتَذَكَّرُوا كَيْفَ عَصَمَ وَسَتَرَ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ قُمْتُمْ عَلَى جَارِحَةِ الْبَصَرِ، وَسَجَدْتُمْ شُكْرًا عَلَى الإِبَرِ مَا وَفَّيْتُمْ بِشُكْرِ نَعِيمٍ مُحْتَقَرٍ، أَمَا طَوَى الْقَبِيحَ وَالْجَمِيلَ نَشَرَ؟ أَمَا بَعْضُ نِعَمِهِ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ؟
أُقَضِّي الدَّهْرَ مِنْ فِطْرٍ وَصَوْمٍ … وَآخُذُ بُلْغَةً يَوْمًا بِيَوْمِ
وَأَعْلَمُ أَنَّ غَايَتِيَ الْمَنَايَا … فَصَبْرًا تِلْكَ غَايَةُ كُلِّ قَوْمِ
فَإِنْ تَقِفِ الْحَوَادِثُ دُونَ نَفْسِي … فَمَا يَتْرُكْنَ إِشْمَامِي وَرَوْمِي
• كُمْ مُؤَمِّلٍ إِدْرَاكَ شَهْرٍ مَا أَدْرَكَهُ، فَاجَأَهُ الْمَوْتُ، فَأَهْلَكَهُ، كَمْ نَاظِرٍ إِلَى يَوْمِ صَوْمِهِ بِعَيْنِ الأَمَلِ، طَمَسَهَا بِالْمَمَاتِ كَفُّ الأَجَلِ، كَمْ طَامِعٍ أَنْ يَلْقَاهُ بَيْنَ أَتْرَابِهِ، أَلْقَاهُ الْمَوْتُ فِي عُقْرِ تُرَابِهِ.] (^١)
﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠].
وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ
* * *
_________________
(١) "التبصرة" (ج ٢/ صـ: ٧٧).
[ ٣٠٤ ]