• الْحَمْدُ للهِ الَّذِيْ أَجْزَلَ لِعِبَادِهِ الْعَطَايَا وَالْهِبَاتِ، وَوَفَّقَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ لِعَمَلِ الصَّالِحَاتِ، وَرَفَعَ لَهُمْ بِذَلِكَ الدَّرَجَاتِ، وَشَرَعَ لَهُمُ الْكَفَّارَاتِ؛ لِيَحُطَّ عَنْهُمْ بِهَا الْخَطَايَا وَالسَّيِّئَاتِ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ مَنَّ عَلَى عِبَادِهِ بِشَهْرِ رَمَضَانَ شَهْرِ الْخَيْرَاتِ، وَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِمَا أَوْدَعَ فِيْهِ مِنْ بَرَكَاتٍ وَنَفَحَاتٍ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَه، لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَكَامِلُ الصِّفَاتِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ آيَاتٍ مُحْكَمَاتٍ، وَأنقَذَ بِهِ مِنْ غَيَاهِبِ الظُّلُمَاتِ، وَأَيَّدَهُ بِالدَّلَائِلِ البَيِّنَاتِ، وَالْبَرَاهِيْنِ الْقَاطِعَاتِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الْغُرِّ السَّادَاتِ، ذَوِي الْمَنَاقِبِ وَالْمَكْرُمَاتِ، وَصَحْبِهِ أُولِي النُّفُوسِ الزَّاكِيَاتِ، وَالسَّبَاقِيْنَ إِلَى الْخَيْرَاتِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَان مَا دَامَتِ الْأَرْضُ وَالسَّمَاوَاتُ، أَمَّا بَعْدُ:
• فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَجْلِسِ السَّابِقِ أَنَّ الْجِمَاعَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُفَطِّرَاتِ، وَأَنَّ الْمُجَامِعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ، وَهَذِهِ أَهَمُّ أَحْكَامِ هَذِهِ الْكَفَّارَةِ:
أَوَّلًا: أَنَّ هَذِهِ الْكَفَّارَةَ لَيْسَتْ عَلَى التَّخْيِيْرِ، بَلْ عَلَى التَّرْتِيْبِ الْمَذْكُورِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، وَفِيْهِ: «هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟» قَالَ: لَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَّقَدَّمَ.
• فَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَنتَقِلَ إِلَى الصِّيَامِ إِلَّا إِذَا عَجَزَ عَنْ عِتْقِ الرَّقَبَةِ، أَوْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَلَا يُجْزِئُهُ الْعُدُولُ عَنِ الصِّيَامِ إِلَى الْإِطْعَامِ إِلَّا إذا عَجَزَ عَنِ الصِّيَامِ، وَبِهَذَا قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ. (^١)
_________________
(١) راجع: "فتح الباري" (رَقْم: ١٩٣٦)، و"المغني" (ج ٣/ صـ: ١٤٠ - ١٤١).
[ ١٠٥ ]
ثانيًا: يُشْتَرَطُ فِي الرَّقَبَةِ أَنْ تَكُونَ مُؤْمِنَةً؛ وَبِهَذَا قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهَا قُيِّدَتْ بِهَذَا الْوَصْفِ فِي كَفَّارَةِ قَتْلِ الْخَطَإ، قَال ﷿: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢].
• وَلِمُسْلِمٍ (رقم: ٥٣٧) عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ ﵁، قَالَ: كَانَتْ لِي جَارِيَةٌ تَرْعَى غَنَمًا لِي قِبَلَ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ، فَاطَّلَعْتُ ذَاتَ يَوْمٍ، فَإِذَا الذِّيْبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ، لَكِنِّي صَكَكْتُهَا صَكَّةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا أُعْتِقُهَا؟ قَالَ: «ائْتِنِي بِهَا»، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ لَهَا: «أَيْنَ اللهُ؟» قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ. قَالَ: «مَنْ أَنَا؟» قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ. قَالَ: «أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ». (^١)
• قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: «وَالْكَفَّارَةُ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ سَلِيمَةٍ مِنَ الْعُيُوبِ الَّتِي تَضُرُّ بِالْعَمَلِ إِضْرَارًا بَيِّنًا». (^٢)
ثالثًا: إِنْ شَرَعَ فِي الصَّوْمِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِعْتَاقِ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَيْهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْخُرُوجُ إلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْعِتْقَ فَيُجْزِئَهُ، وَيَكُونُ قَدْ فَعَلَ الْأَوْلى، عَلَى أَصَحِّ قَوْلَي أَهْلِ الْعِلْمِ. (^٣)
رَابعًا: يُشْتَرَطُ فِي صِّيَامِ الشَّهْرَيْنِ التَّتَابُعُ بِالْإِجْمَاعِ، نَقَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، مِنْهُمُ ابْنُ قُدَامَةَ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: أُجْمِعَ عَلَيْهِ فِي الْأَعْصَارِ الْمُتَأَخِّرَةِ، وَهُوَ اشْتِرَاطُ التَّتَابُعِ فِي صِيَامِ هَذَيْنِ الشَّهْرَيْنِ، وحُكِى عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى أَنَّهُ لَا يَشْتَرِطُهُ. ا. هـ. (^٤)
خَامِسًا: أَنَّ الْمَرَضَ الَّذِيْ لَا يُقْدَرُ مَعَهُ عَلَى الصَّوْمِ، وَالْإِغْمَاءَ وَالْجُنُونَ، وَالسَّفَرَ الَّذِيْ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَالْحَيْضَ وَالنِّفَاسَ أَعْذَارٌ شَرْعِيَّةٌ لَا تَقْطَعُ التَّتَابُعَ. (^٥)
_________________
(١) راجع: "المغني" (ج ٨/ صـ: ٢٢)، و"نيل الأوطار" (ج ٨/ صـ: ٢٨٩ - ٢٩٠).
(٢) "شرح مسلم" (ج ٧/ صـ: ٢٢٤).
(٣) "المغني" (ج ٣/ صـ: ١٤١).
(٤) "المغني" (ج ٣/ صـ: ١٤١)، و"شرح مسلم" (ج ٧/ صـ: ٢٢٨).
(٥) راجع: "المغني" (٨/ صـ: ٢٦ - ٢٨)، و"أضواء البيان" (٦/ صـ: ٢١٥ - ٢٢٤).
[ ١٠٦ ]
سَادِسًا: يُعْتَبَرُ عَدَدُ الْأَيَّامِ فِي صِيَامِ الشَّهْرَيْنِ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ:
• إِمَّا بِتَحَرِّيْ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ فِي الشَّهْرَيْنِ، بِحَيْثُ يَصُومُ شَهْرَيْنِ تَامَّيْنِ بِالْأَهِلَّةِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الشَّهْرَانِ سِتِّيْنَ يَوْمًا، أَوْ تِسْعَةً وَخَمْسِيْنَ يَوْمًا، أَوْ ثَمَانِيَةً وَخَمْسِيْنَ يَوْمًا.
• وَإِمَّا بِصِيَامِ سِتِّيْنَ يَوْمًا، إِنْ تَعَذَّرَ تَحَرِّي الْهِلَالِ، أَوْ صَامَ مِنْ وَسَطِ الشَّهْرِ أَوْ آخِرِهِ. (^١)
سَابعًا: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْعَدَدُ فِي الْإِطْعَامِ فِي الْكَفَّارَةِ الْوَاحِدَةِ سِتِّيْنَ مِسْكِيْنًا، مِنْ غَيْرِ تَكْرَارٍ، كُلُّ مِسْكِيْنٍ دُونَ الْآخَرِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيْثِ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَلَوْ أَنَّهُ أَطْعَمَ مِسْكِيْنًا وَاحِدًا سِتِّيْنَ مَرَّةً، لَمْ يُجْزِئْهُ. (^٢)
ثَامِنًا: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْقَدْرِ الَّذِيْ يُعْطَاهُ كُلُّ مِسْكِيْنٍ مِنَ الطَّعَامِ:
• فَقَالَت طَائِفَةٌ: يُعْطَي مُدًّا فِي جَمِيْعِ الْكَفَّارَاتِ، إِلَّا فِي كَفَّارَةِ الْأَذَى فِي الْحَجِّ، فَإِنَّهُ يَدْفَعُ إِلَيْهِ مُدَّيْنِ، مِنْ أَيِّ طَعَامِ النَّاسِ كَانَ، مِنَ الْبُرِّ، أَوِ الذُّرَةِ، أَوِ التَّمْرِ، أَوِ الزَّبِيْبِ، أَوْ غَيْرِهَا، وَدَلِيْلُ هَذَا الْقَوْلِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فِي قِصَّةِ الْمُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ، وَفِيْهِ: فَأُتِيَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، فَقَالَ: «تَصَدَّقْ بِهَذَا». وَقَدْ تَقَدَّمَ.
• والْعَرَقَ مِكْتَلٌ يَسَعُ خَمْسَةَ عَشْرَ صَاعًا عَلَى الْمَشْهُورِ. (^٣)
• وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: مِنَ الْبُرِّ مُدَّانِ، وَمِنْ غَيْرِهِ صَاعٌ، وَفِي هَذَا التَّفْرِيقِ نَظَرٌ؛ إِذْ لَا دَلِيْلَ عَلَيْهِ.
• وَقَالَ مَالِكٌ ﵀: مُدَّانِ مِنْ جَمِيْعِ الْأَنْوَاعِ.
_________________
(١) راجع: "المغني" (٧/ صـ: ٤٢٥)، و"الشرح الممتع" (٦/ صـ: ٤١٣ - ٤١٤).
(٢) "المغني" (٨/ صـ: ٢٩ - ٣٠)، و"الفتح" (٤/ صـ: ١٦٦)، و"نيل الأوطار" (٤/ صـ: ٢٥٥)، و"الأضواء" (٦/ صـ: ٢٢٥).
(٣) "المغني" (٨/ صـ: ٣١)، و"نيل الأوطار" (٦/ صـ: ٣١١ - ٣١٢).
[ ١٠٧ ]
• وَاخْتَارَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيةَ ﵀ أَنْ يُرَدَّ ذَلِكَ إلَى عُرْفِ النَّاسِ وَعَادَتِهِمْ؛ عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩].
• وَعَلَىْهِ فَإِنَّ الْمُدَّ مِنَ الْبُرِّ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، كَالْأَرُزِّ الَّذِي هُوَ غَالِبُ طَعَامِ كَثِيْرِ مِنَ النَّاسِ الْآنَ يَكْفِي لِإشْبَاعِ الْمِسْكِيْنِ الْوَاحِدِ وَيَزِيْدُ، عَلَى عُرْفِ النَّاسِ وَعَادَتِهِمْ؛ فَيُجْزِئُ بِلَا شَكٍّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (^١)
• وَلَا يُشْتَرَطُ تَمْلِيْكُ الْمَسَاكِيْنِ طَعَامَ الْكَفَّارَةِ، عَلَى الصَّحِيْحِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيْثَ فِيْهِ ذِكْرُ الْإِطْعَامِ. قَالَ الْعَلَامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: إِطْعَامُ سِتِّيْنَ مِسْكِيْنًا لَهُ صُوْرَتَانِ:
الأُولى: أَنْ يَصْنَعَ طَعَامًا، غَدَاءً أَوْ عَشَاءً، وَيَدْعُو الْمَسَاكِيْنَ إِلَيْهِ، فَيَأْكُلُوا، وَينصَرِفُوا.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يُعْطَي كُلُّ وَاحِدٍ طَعَامًا، وَيُصْلِحَهُ بِنَفْسِهِ، وَلَكِن مِمَّا يُؤْكَلُ عَادَةً. ا. هـ. (^٢)
• وَلَا يَلْزَمُهُ مَعَ الْإِطْعَامِ إِدَامٌ، بَلْ يُسْتَحَبُّ، عَلَى قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩].
• وَلَوْ جَعَلَ مَعَ الطَّعَامِ إِدَامًا فَهُوَ أَفْضَلُ، وَأَحْوَطُ، بِلَا شَكٍّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (^٣)
تَاسِعًا: لَا يُجْزِئُ إِلَّا أَنْ يُطْعِمَ مِسْكِيْنًا يَأْكُلُ الطَّعَامَ، صَغِيْرًا كَانَ أَمْ كَبِيرًا، فَلَوْ صَرَفَهَا إِلَى غَنِيٍّ لَمْ تُجْزِئْهُ.
• وَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَى قَرَابَةِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ؛ فَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ (رقم: ١٠٧٢) عَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ، إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ».
_________________
(١) "المغني" (ج ٨/ صـ: ٣٠ - ٣١)، و"المجموع" (ج ٦/ صـ: ٣٤٥)، و"مجموع الفتاوى" (ج ٢٦/ صـ: ١١٤، و٣٥/ صـ: ٣٥٢)، و"مسك الختام" (ج ٢/ صـ: ٤٩٥ - ٤٩٦).
(٢) "الشرح الممتع" (ج ١٣/ صـ: ٢٥٦).
(٣) راجع: "بداية المجتهد" (ج ٢/ صـ: ١٨٠)، و"المغني" (ج ٨/ صـ: ٣٣ - ٣٤).
[ ١٠٨ ]
• وَلَا يُجْزِئُ أَيْضًا إِخْرَاجُ الْقِيْمَةِ فِي الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّهَا تَعَيَّنَتْ فِي النُّصُوصِ طَعَامًا.
عَاشِرًا: أَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنْ هَذِهِ الْكَفَّارَةِ فَإِنَّهَا تَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ، وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ، عَلَى الصَّحِيْحِ؛ إِذْ لَا دَلِيْلَ عَلَى سُقُوطِهَا عَنْهُ، وَقِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الدُّيُونِ وَالْحُقُوقِ وَالْمُؤَاخَذَاتِ. (^١)
تَنبِيْهٌ: قَوْلُهُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لِلْمُجَامِعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ: «أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ»، فِيْهِ أَنَّهُ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ؛ لِيُنفِقَهُ عَلَى أَهْلِهِ؛ لِشِدَّةِ حَاجَتِهِمْ، وَتَبْقَى الْكَفَّارَةُ فِي ذِمَّتِهِ إِلَى مَيْسَرَةٍ.
• وَلَا دَلَالَةَ فِيْهِ عَلَى سُقُوطِ الْكَفَّارَةِ عَنْهُ.
• وَلَيْسَ فِيْهِ أَيْضًا أَنَّهَا كَفَّارَةٌ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهَا كَفَّارَةٌ فَقَدْ سَلَكَ مَسْلَكًا غَرِيْبًا، ضَعِيْفًا، كَمَا قَالَ الْعَلَامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀؛ وَذَلِكَ لِأَمْرَيْنِ:
أَوَّلًا: أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مَصْرِفًا لِكَفَّارَتِهِ، كَمَا لَا يَكُونُ مَصْرِفًا لِزَكَاتِهِ.
ثَانِيًا: أَنَّ الْكَفَّارَةَ إِطْعَامُ سِتِّيْنَ مِسْكِيْنًا، وَالَّذِي يَظْهَرُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَمْ يَكُنْ عِندَهُ سِتُّونَ شَخْصًا يَعُولُهُمْ، وَلَمْ يَسْأَلْهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عَنْ ذَلِكَ. (^٢)
• [يَا مُعْرِضًا عَنِ الْهُدَى لَا يَسْعَى فِي طَلَبِهِ، يَا مَشْغُولًا بِلَهْوُهِ مَفْتُونًا بِلَعِبِهِ، يَا مَنْ قَدْ صَاحَ بِهِ الْمَوْتُ عِنْدَ أَخْذِ صَاحِبِهِ، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣].
• جُزْ عَلَى قَبْرِ الصَّدِيقِ، وَتَلَمَّحْ آثَارَ الرَّفِيقِ، يُخْبِرْكَ عَنْ حُسْنِهِ الأَنِيقِ، أَنَّهُ اسْتُلِبَ بِكَفِّ التَّمْزِيقِ!، هَذَا لَحْدُهُ وَأَنْتَ غَدًا بِهِ!، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣].
• كَمْ نُهِيَ عَنِ الْخَطَايَا وَمَا انْتَهَى، وَكَمْ زَجَرَتْهُ الدُّنْيَا وَهُوَ يَسْعَى لَهَا، هَذَا رُكْنُهُ الْقَوِيمُ قَدْ وَهَى، وَهَا أَنْتَ فِي سَلَبِهِ، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣].
_________________
(١) "شرح النووي على مسلم" (ج ٧/ صـ: ٢٢٥)، و"فتح الباري" (ج ٤/ صـ: ١٧١ - ١٧٢).
(٢) "الشرح الممتع" (ج ٦/ صـ: ٤١٨ - ٤١٩). • وفي المجلس الثامن والعشرين مسائل لها تعلق بما ها هنا، كتقدير المد، وضابط المسكين، فراجعها.
[ ١٠٩ ]
• أَيْنَ مَنْ عَتَا وَظَلَمَ، وَلَقِيَ النَّاسُ مِنْهُ الأَلَمَ، اقْتَطَعَهُ الرَّدَى اقْتِطَاعَ الْجَلَمِ، فَمَا نَفَعَهُ مَا جَمَعَهُ، لَا وَاللَّهِ وَلَمْ يَدْفَعْ عَنْهُ عِزُّ مَنْصِبِهِ، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣].
• بَاتَ فِي لَحْدِهِ أَسِيرًا، لَا يَمْلِكُ مِنَ الدُّنْيَا نَقِيرًا، بَلْ عَادَ بِوِزْرِ ذَنْبِهِ عَقِيرًا، وَأَصْبَحَ مِنْ مَالِهِ فَقِيرًا، عَلَى عِزِّ نَسَبِهِ وَكَثْرَةِ نَشَبِهِ، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣].
• اللَّذَّاتُ تَفْنَى عَنْ قَلِيلٍ وَتَمُرُّ، وَآخِرُ الْهَوَى الْحُلْوِ مُرٌّ، وَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا شَيْءٌ يَسُرُّ إِلَّا يَغُرُّ وَيَضُّرُ، ثُمَّ يَخْلُو ذُو الزَّلَلِ بِمُكْتَسَبِهِ، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣].
• الْكِتَابُ يَحْوِي حَتَّى النَّظْرَة، وَالْحِسَابُ يَأْتِي عَلَى الذَّرَّةِ، وَخَاتِمَةُ كَأْسِ اللَّذَّاتِ مُرَّةٌ، وَالأَمْرُ جَلِيٌّ لِلْفُهُومِ مَا يَشْتَبِهُ، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣].
• تَقُومُ فِي حَشْرِكَ ذَلِيلًا، وَتَبْكِي عَلَى الذُّنُوبِ طَوِيلًا، وَتَحْمِلُ عَلَى ظَهْرِكَ وِزْرًا ثَقِيلًا، وَالْوَيْلُ لِلْعَاصِي مِنْ قَبِيحِ مُنْقَلَبِهِ، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣].
• يُجْمَعُ النَّاسُ فِي صَعِيدٍ، وَيَنْقَسِمُونَ إِلَى شَقِيٍّ وَسَعِيدٍ، فَقَوْمٌ قَدْ حَلَّ بِهِمُ الْوَعِيدُ، وَقَوْمٌ قِيَامَتُهُمْ نُزْهَةٌ وَعِيدٌ، وَكُلُّ عَامِلٍ يَغْتَرِفُ مِنْ مَشْرَبِهِ، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣].
• إِنَّمَا يَقَعُ الْجَزَاءُ عَلَى أَعْمَالِكَ، وَإِنَّمَا تَلْقَى غَدًا غِبَّ أَفْعَالِكَ، وَقَدْ قَصَدْنَا إِصْلاحَ حَالِكَ، فَإِنْ كُنْتَ مُتَيَقِّظًا فَاعْمَلْ لِذَلِكَ، وَإِنْ كُنْتَ نَائِمًا فَانْتَبِهْ، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾.] (^١)
• [فَاللَّهَ اللهَ مَعْشَرَ الْمُذْنِبِيْنَ مِثْلِي، لَا تُضَيِّعُوا أَيَّامَكُمْ بِالْقَبَائِح، وَلَا تُهْمِلُوا أَعْمَارَكُمْ فِي الذُّنُوب وَالْفَضَائِحِ؛ فَإِنْ جَمِيعَ أَعْمَالِكُمْ قَدْ أُحْصِيَتْ عَلَيْكُمْ فِي الصَّحَائِفِ وَالصَّحَائِحِ، وَسَتَقْرَؤُونَهَا بَين يَدي مَوْلَاكُمْ وَتَشْهَدُ عَلَيْكُم الْجَوَارِح بِالْقَبِيْحِ وَالْحَسَنِ مِنْ أَعَمَالِكُمْ.
_________________
(١) "التبصرة" (ج ١/ صـ: ١٥٢ - ١٥٣).
[ ١١٠ ]
سَوف تَأْتِي عَلَيْك سَاعَةُ خَوْفٍ … حِين تُعْطى صَحَائِفَ الْأَعْمَالِ
وَكَأَنِّي أَرَى فَضَائِحَ قَوْمٍ … قَدْ تَجَلَّى لِكَشْفِهَا ذُو الْجلَال
لَيْتَ شِعْرِي إِذَا قَرَأْتُ كِتَابِي … بِيَمِيْنِي أُعْطَاهُ أَمْ بِشِمَالِي] (^١)
اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا مُنْكَرَاتِ الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأَهْوَاءِ وَالْأَدْوَاءِ، وَأَعِذْنَا مِنْ جَهْدِ البَلَاءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ القَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ، وَارْزُقْنَا الْهُدَى وَالتُّقَى، وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى، وآتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ،
أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ.
* * *
_________________
(١) "بستان الواعظين" (صـ: ١١٩).
[ ١١١ ]