• الْحَمْدُ للهِ الَّذِيْ أَبْدَعَ الْأَشْيَاءَ بِقُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ، وَهَدَى إِلَىْهِ مَنْ أَنَابَ بِتَوْفِيْقِهِ وَعِصْمَتِهِ، أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، فَسَوَاءٌ عِندَهُ السِّرُّ وَالْجَهْرُ، وَقَهَرَ كُلَّ شَيْءٍ عِزَّةً وَحُكْمًا، وَلَهُ كَمَالُ الْقُدْرَةِ وَالْقَهْرِ، أَحْمَدُهُ ﷾ فَضَّلَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ عَلَى سَائِرِ لَيَالِي الدَّهْرِ، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٢ - ٣]، فَيَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ وَإِيَّاكَ وَالبَهْرَ، وَشَمِّرْ عَنْ سَاعِدِ الْجِدِّ، فَمَنْ خَطَبَ الْحَسْنَاءَ لَمْ يُغْلِهِ الْمَهْرُ، وَدُونَكَ السَّبْقَ، فَخُذْ بِأَزِمَّتِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، مُقِرًّا بِهِ غَيْرَ جَاحِدٍ بِنِعْمَتِهِ، وَعَائِذًا بِهِ مِنْ فُجَاءَةِ نِقْمَتِهِ، فَتِلْكَ لَعَمْرُو اللهِ قَاصِمَةُ الظَّهْرِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الَّذِيْ بَلَغَ مِنَ الْفَضْلِ أَعْلَى قِمَّتِهِ، وَفَاقَ كُلَّ مَخْلُوقٍ بِعَزْمِهِ وَهِمَّتِهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ خَيْرِ أُمَّتِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ مَا جَرَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ نَهْرٌ، وَتَفَتَّقَتْ بَرَاعِمُ الزَّهْرِ، أَمَّا بَعْدُ:
• فَقَد تَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ فَضَائِلِ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ: أَنَّ فِيْهَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَسَنَذْكُرُ في هذا المَجْلِسِ - إِنْ شَاءَ اللهُ - مَا يَخُصُّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ مِنْ فَضَائِلَ وَأَحْكَامٍ، فَنَقُولُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيْقُ:
أوَّلًا: سُمِّيَتْ لَيْلةَ الْقَدْرِ؛ لِسَبَبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: عِظَمُ قَدْرِهَا وَبَرَكَتِهَا؛ ولهذا قال ﷿: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾؛ تَعْظِيْمًا لِشَأْنِهَا.
وَالْآخَرُ: أَنَّ اللهَ ﷿ يُقَدِّرُ فِيْهَا مَا يَكُونُ فِي السَّنَةِ مِنَ الْأَرْزَاقِ وَالْآجَالِ وَغَيْرِهَا، قَالَ ﷿: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الدخان: ٤].
• قَالَ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀: أَيْ: فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ يُفْصَلُ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى الْكَتَبَةِ أَمْرُ السَّنَةِ، وَمَا يَكُونُ فِيهَا مِنَ الْآجَالِ وَالْأَرْزَاقِ، وَمَا يَكُونُ فِيهَا إِلَى آخِرِهَا. وَهَكَذَا
[ ٢٢٠ ]
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي مَالِكٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالضَّحَّاكِ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ.
• وَقَوْلُهُ: ﴿حَكِيمٍ﴾، أَيْ: مُحْكَمٌ، لَا يُبَدَّلُ، وَلَا يُغَيَّرُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ أَيْ: جَمِيعُ مَا يَكُونُ وَيُقَدِّرُهُ اللَّهُ تَعَالَى وَمَا يُوحِيهِ فَبِأَمْرِهِ وَإِذْنِهِ وَعِلْمِهِ. ا. هـ.
ثَانِيًا: أَنَّ اللهَ ﷿ أَنْزَلَ فِيْهَا الْقُرْآنَ، قَالَ ﷾: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥].
• وَقَالَ ﷿: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣].
• وَقَالَ ﷿: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١].
• وَمَعْنَى هَذِهِ الْآيَاتِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي فَضَائِلِ شَهْرِ رَمَضَانَ: أَنَّ اللهَ ﷿ أَنْزِلَ الْقُرْآنَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنْهُ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى بَيْتِ الْعِزَّةِ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا جُمْلَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ كَانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ مُفَرَّقًا حَسَبَ الْوَقَائِعِ وَالْأَحْدَاثِ، فِي ثَلَاثٍ وَعِشْرِيْنَ سَنَةً.
• وَقِيْلَ: كَانَ ابْتِدَاءُ نُزُولِ الْقُرْآنِ فِيْهَا.
ثَالِثًا: أَنَّهَا خَيْرُ لَيَالِي السَّنَةِ وَالدَّهْرِ، وَهِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرِ، قَالَ ﷿: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٢ - ٣].
• وَمَعْنَى هَذَا: أَنَّهَا فِي فَضْلِهَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيْهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وَأَنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ فِيْهَا أَفْضَلُ مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيْهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ.
• وَكَفَى بِهَذَا مَنقَبَةً لِلَيْلَةِ الْقَدْرِ؛ فَإِنَّ أَلْفَ شَهْرٍ يَعْدِلُ ثَلَاثَةً وَثَمَانِيْنَ عَامًا ونيِّفًا!، وَلَا يَبْلُغُ هَذَا الْعُمُرَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا الْقَلِيْلُ؛ فَقَدْ قَالَ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ، وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (رَقْم: ٣٥٥٠)، وَابْنُ مَاجَهْ (رَقْم: ٤٢٣٦) مِنْ حَدِيْثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁. (^١)
_________________
(١) قال الترمذي: «حديث حسن غريب، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة ﵁». • وصححه ابن حبان (رَقْم: ٢٩٨٠)، والحاكم (رَقْم: ٣٥٩٨)، وقال: «على شرط مسلم»، ووافقه الذهبي، وذكره الألباني في "الصحيحة" (رَقْم: ٧٥٧)، والوادعي في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ١٢٨٥).
[ ٢٢١ ]
• ثُمَّ لَوْ بَلَغَ هَذَا الْعُمُرَ، فَإِنَّهُ لَا يَصْفُو لَهُ مِنْهُ فِي الْعِبَادَةِ إِلَّا الْقَلِيْلُ؛ فَثُلُثُ عُمُرِهِ أَوْ أَكْثَرُ يَذْهَبُ فِي النَّوْمِ! وَنِسْبَةٌ مِنْهُ تَذْهَبُ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَقَضَاءِ الْحَاجَةِ وَالاشْتِغَالِ بِالْمُبَاحَاتِ، نَاهِيْكَ عَنِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُقْضَى فِي الْغَفَلَاتِ، وَالْمَكْرُوهَاتِ، بَلْ وَفِي الْأُمُورِ الْمُحَرَّمَاتِ! نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ وَالْبَرَكَةَ فِي أَعْمَارِنَا.
• فَتَأَمَّلْ أَخِي الْمُسْلِمُ هَذَا الْأَمْرَ حَقَّ التَّأَمُّلِ؛ فَإِنَّهُ سَيَقُودُكَ إِلَى مَعْرِفَةِ قَدْرِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَيَشْحَذُ هِمَّتَكَ إِلَى اغْتِنَامِ لَيَالِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَعَدَمِ التَّفْرِيْطِ فِي أَوْقَاتِهَا.
فَائِدَةٌ: سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيةَ ﵀ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَلَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ بِالنَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ أَفْضَلُ فِي حَقِّ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وَلَيْلَةَ الْقَدْرِ أَفْضَلُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأُمَّةِ، فَحَظُّ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الَّذِي اخْتَصَّ بِهِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ مِنْهَا أَكْمَلُ مِنْ حَظِّهِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَحَظُّ الْأُمَّةِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ أَكْمَلُ مِنْ حَظِّهِمْ مِنْ لَيْلَةِ الْمِعْرَاجِ، وَإِنْ كَانَ لَهُمْ فِيهَا أَعْظَمُ حَظٍّ، لَكِنَّ الْفَضْلَ وَالشَّرَفَ وَالرُّتْبَةَ الْعُلْيَا إنَّمَا حَصَلَتْ فِيهَا لِمَنْ أُسْرِيَ بِهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. (^١)
رَابِعًا: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَنَزَّلُ فِيْهَا، كَمَا قَالَ ﷾: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر: ٤].
• وَأَمَّا الرُّوحُ فَهُوَ جِبْرِيْلُ ﵇، عَلَى الْقَوْلِ الْأَشْهَرِ، الَّذِيْ عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، وَعَطْفُهُ عَلَى الْمَلَائِكَةِ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ؛ لِلتَّنبِيْهِ عَلَى فَضْلِ الْخَاصِّ وَشَرَفِهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ جِبْرِيْلَ ﵇ أَشْرَفُ الْمَلَائِكَةِ، وَمُقَدَّمُهُمْ.
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" (ج ٢٥/ صـ: ٢٨٦).
[ ٢٢٢ ]
خَامِسًا: أَنَّهَا سَلَامٌ كُلُّهَا، كَمَا قَالَ ﷿: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥].
• وَمَعْنَى: ﴿سَلَامٌ﴾: سَالِمَةٌ، أَيْ: مِنَ الشُّرُورِ وَالْآفَاتِ، لَا يَسْتَطِيعُ الشَّيْطَانُ أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا سُوءًا وَلَا أَذًى، هَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَهُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ فِي تَفْسِيْرِ الْآيَةِ.
• وَقَوْلُهُ ﷿: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ انتِهَائَهَا يَكُونُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، بِخِلَافِ مَا يَعْتَقِدُهُ بَعْضُ الْعَامَّةِ أَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ اللَّيْلَةِ!، أَوْ مُجَرَّدُ لَحْظَةٍ فِيْهَا!.
سَادِسًا: أَنَّ قِيَامَهَا أَفْضَلُ مِنْ قِيَامِ مَا سِوَاهَا مِنْ لَيَالِي السَّنَةِ؛ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». (^١)
• وَقِيَامُهَا هُوَ: إِحْيَاؤُهَا بِالتَّهَجِّدِ فِيْهَا وَالصَّلَاةِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَذِكْرِ اللهِ ﷿.
• وَقَوْلُهُ: «إِيْمَانًا»، أَيْ: بِاللَّهِ، وَرِضًا بِمَشْرُوعِيَّةِ الْقِيَامِ.
• وَقَوْلُهُ: «وَاحْتِسَابًا»، أي: لِلْأَجْرِ عِنْدَ اللهِ ﷿.
• وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَيُوَافِقْهَا إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ».
• وَتَتَحَصَّلُ مُوَافَقَتُهَا بِقِيَامِهَا، وَلَا يُشْتَرَطُ العِلْمُ بِهَا، عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ لِأَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: «فَيُوَافِقْهَا»، زِيَادَةُ بَيَانٍ، وَإِلَّا فَالْجَزَاءُ مُرَتَّبٌ عَلَى قِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ. (^٢)
سَابِعًا: لَيْلَةُ الْقَدْرِ بَاقِيَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَمْ تُرْفَعْ، وَهِيَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِيْنَ أَنَّهَا فِي الْأَوْتَارِ مِنْهَا، وَهِيَ تَتَنَقَّلُ، فَتَارَةً تَكُونُ إِحْدَى وَعِشْرِيْنَ، وَتَارَةً ثَلَاثًا وَعِشْرِيْنَ وَتَارَةً خَمْسًا وَعِشْرِيْنَ، وَتَارَةً سَبْعًا وَعِشْرِيْنَ، وَهِيَ أَرْجَى لَيَالِيْهَا، وَتَارَةً تِسْعًا وَعِشْرِيْنَ.
_________________
(١) رواه البخاري (رَقْم: ٣٥، و١٩٠١، و٢٠١٤)، ومسلم (رَقْم: ٧٦٠).
(٢) راجع: "الفتح" (ج ١/ صـ: ٩٢، و٤/ صـ: ٢٦٧)، و"الشرح الممتع" (ج ٦/ صـ: ٦٩٦).
[ ٢٢٣ ]
• فَعن أَبِي سَعِيْدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ كُلِّ وِتْر». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ٢٠١٦)، وَمُسْلِمٌ (رَقْم: ١١٦٧).
• وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قَالَ: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي الوِتْرِ، مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ٢٠١٧).
• وَرَوَى أَيْضًا (رَقْم: ٤٩، و٢٠٢٣، و٦٠٤٩) عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁، قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لِيُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقَالَ: «خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ، وَالسَّابِعَةِ، وَالخَامِسَةِ».
• وَقَوْلُهُ: «فَرُفِعَتْ»، أَيْ: رُفِعَ تَعْيِيْنُهَا تِلْكَ السَّنَةَ، وَالدَّلِيْلُ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تُرْفَعْ: قَوْلُهُ فِي الْحَدِيْثِ نَفْسِهِ: «فَالْتَمِسُوهَا».
• وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أُرُوا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي المَنَامِ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ». (^١)
وَرَوَى أَحْمَدُ (رَقْم: ٢١٤٩) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ رَجُلًا، أَتَى النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ عَلِيلٌ، يَشُقُّ عَلَيَّ الْقِيَامُ، فَأْمُرْنِي بِلَيْلَةٍ لَعَلَّ اللَّهَ يُوَفِّقُنِي فِيهَا لِلَيْلَةِ الْقَدْرِ. قَالَ: «عَلَيْكَ بِالسَّابِعَةِ». (^٢)
_________________
(١) البخاري (رَقْم: ٢٠١٥)، ومسلم (رَقْم: ١١٦٥).
(٢) وذكره الضياء في "المختارة" (ج ١٢/ صـ: ٢٣٦ - ٢٣٧) (رَقْم: ٢٦٢، و٢٦٣، و٢٦٤)، والوادعي في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ٦٦٣).
[ ٢٢٤ ]
وَرَوَى أَحْمَدُ (رَقْم: ٤٨٠٨) أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «مَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ»، وَقَالَ: «تَحَرَّوْهَا لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ»، يَعْنِي: لَيْلَةَ الْقَدْرِ. (^١)
• وَذَهَبَت طَائِفَةٌ مِنَ الْمُحَقِّقِيْنَ إِلَى أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ فِي الْأَشْفَاعِ أَيْضًا، مِنْهُمْ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيةَ، وَالْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ -رحمهما الله-.
• قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّة ﵀: وَتَكُونُ فِي الْوِتْرِ مِنْهَا، لَكِنَّ الْوِتْرَ يَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْمَاضِي، فَتُطْلَبُ لَيْلَةَ إحْدَى وَعِشْرِينَ، وَلَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، وَلَيْلَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، وَلَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَلَيْلَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ، وَيَكُونُ بِاعْتِبَارِ مَا بَقِيَ.
• ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الْتَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ لَيْلَةَ القَدْرِ، فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى، فِي سَابِعَةٍ تَبْقَى، فِي خَامِسَةٍ تَبْقَى». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ٢٠٢١) مِنِ حَدِيْثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄.
• وَفِي رِوَايَةٍ (رَقْم: ٢٠٢٢): «هِيَ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ، هِيَ فِي تِسْعٍ يَمْضِيْنَ، أَوْ فِي سَبْعٍ يَبْقَيْنَ». يَعْنِي لَيْلَةَ القَدْر. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: «التَمِسُوا فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ».
• قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀: فَعَلَى هَذَا إذَا كَانَ الشَّهْرُ ثَلَاثِينَ يَكُونُ ذَلِكَ لَيَالِيَ الْأَشْفَاعِ، وَتَكُونُ الِاثْنَيْنِ وَالْعِشْرِينَ تَاسِعَةً تَبْقَى، وَلَيْلَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ سَابِعَةً تَبْقَى. قَالَ: وَإِنْ كَانَ الشَّهْرُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ كَانَ التَّارِيخُ بِالْبَاقِي، كَالتَّارِيخِ الْمَاضِي، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ هَكَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَحَرَّاهَا الْمُؤْمِنُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ جَمِيعِهِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «تَحَرَّوْهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ» (^٢).
_________________
(١) وهو في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ٧٤٨).
(٢) البخاري (رَقْم: ٢٠٢٠)، ومسلم (رَقْم: ١١٦٩) من حديث عائشة ﵂.
[ ٢٢٥ ]
قَالَ ﵀: وَتَكُونُ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ أَكْثَرَ، وَأَكْثَرُ مَا تَكُونُ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، كَمَا كَانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يَحْلِفُ: إَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ. ا. هـ. (^١)
• وَمَا ذَكَرَهُ هَذَا الْإِمَامُ الْجِهْبِذُ وَاحْتَجَّ لَهُ بِالْأَثَرِ وَالنَّظَرِ هُوَ الصَّحِيْحُ؛ فَإِنَّ عَلَامَاتِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ قَدْ تَتَّفِقُ فِي بَعْضِ السِّنِيْنَ فِي إِحْدَى لَيَالِي الْأَشْفَاعِ، دُونَ الْأَوْتَار، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
•وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: «وَقَدْ تَكُونُ فِي الْأَشْفَاعِ، وَهِيَ فِي الْأَوْتَارِ أَقْرَبُ مِنَ الْأَشْفَاعِ». (^٢)
ثَامِنًا: لِلَيْلَةِ الْقَدْرِ عَلامَاتٌ، تُعْرَفُ بِهَا، فَمِنْ عَلَامَاتِهَا:
١. أن الشَّمْسَ تَطْلُعُ فِي صَبِيْحَةِ يَوْمِهَا بَيْضَاءَ لَا شُعَاعَ لَهَا، فَرَوَى مُسْلِمٍ (رَقْم: ٧٦٢) عن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: «وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، إِنَّهَا لَفِي رَمَضَانَ - يَحْلِفُ مَا يَسْتَثْنِي - وَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَيُّ لَيْلَةٍ هِيَ، هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بِقِيَامِهَا، هِيَ لَيْلَةُ صَبِيحَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَأَمَارَتُهَا أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِهَا بَيْضَاءَ لَا شُعَاعَ لَهَا».
٢. وَمِنْهَا: أَنَّهَا سَاكِنَةٌ، صَافِيَةٌ، مُعْتَدِلَةُ الْجَوِّ، لَا حَارَّةٌ وَلَا بَارِدَةٌ، فَأَخْرَجَ أَحْمَدُ (رَقْم: ٢٢٧٦٥) مِنْ حَدِيْثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «إِنَّ أَمَارَةَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ أَنَّهَا صَافِيَةٌ، بَلْجَةٌ، كَأَنَّ فِيهَا قَمَرًا سَاطِعًا، سَاكِنَةٌ، سَاجِيَةٌ، لَا بَرْدَ فِيهَا، ولَا حَرَّ، وَلَا يَحِلُّ لِكَوْكَبٍ أَنْ يُرْمَى بِهِ فِيهَا حَتَّى تُصْبِحَ».
• وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيْثِ جَابِرٍ ﵁، مَرْفُوْعًا، بِلَفْظِ: «إِنِّي كُنْتُ أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، ثُمَّ نُسِّيتُهَا، وَهِيَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، وَهِيَ طَلْقَةٌ، بَلْجَةٌ، لَا حَارَّةٌ وَلَا بَارِدَةٌ، كَأَنَّ
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" (ج ٢٥/ صـ: ٢٨٤ - ٢٨٥).
(٢) "مجموع فتاواه ورسائله" (ج ١٤/ صـ: ٢٢٧ - ٢٣٠، و٢٠/ صـ: ٣٤٦، و٢٣/ صـ: ٤٤٥).
[ ٢٢٦ ]
فِيهَا قَمَرًا يَفْضَحُ كَوَاكِبَهَا، لَا يَخْرُجُ شَيْطَانُهَا حَتَّى يَخْرُجَ فَجْرُهَا». رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (رَقْم: ٢١٩٠)، وَابْنُ حِبَّانَ (رَقْم: ٣٦٨٨). (^١)
• وَمَعْنَى: (طَلْقَةٌ)، أَيْ: لَا حَرَّ فِيْهَا وَلَا بَرْدَ، وَقَدْ جَاءَ تَفْسِيْرُهَا كَذَلِكَ فِي حَدِيْثٍ رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (رَقْم: ٢١٩٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَرْفُوعًا.
• و(بَلْجَةٌ): أَيْ: مُشْرقَةٌ.
٣. وَمِنْهَا: أَنَّها رُبَّما كَانَتْ أَحْيَانًا مُمْطِرَةً: فَعَنْ أَبِي سَعِيْدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «إِنِّي أُرِيتُهَا لَيْلَةَ وِتْرٍ، وَإِنِّي أَسْجُدُ صَبِيحَتَهَا فِي طِينٍ وَمَاءٍ».
• قَالَ أَبُو سَعِيْدٍ: فَأَصْبَحَ مِنْ لَيْلَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَقَدْ قَامَ إِلَى الصُّبْحِ، فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ، فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ، فَأَبْصَرْتُ الطِّينَ وَالْمَاءَ، فَخَرَجَ حِينَ فَرَغَ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَجَبِينُهُ وَرَوْثَةُ أَنْفِهِ فِيهِمَا الطِّينُ وَالْمَاءُ، وَإِذَا هِيَ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)
٤. وَمِنْهَا: أَنَّهَا قَدْ تُّرَى فِي الْمَنَامِ، كَمَا فِي حَدِيْثَيِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ وَأَبِي سَعِيْدٍ، الْآنِفَين.
٥. وَمِنْهَا - عَلَى مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ -: حُصُولُ الطُّمَأْنِيْنَةِ فِيْهَا، وَاللَّذَّةِ فِي الْقِيَامِ وَالنَّشَاطِ لَهُ.
• وَلَا دَلِيْلَ يَنُصُّ عَلَى هَذِهِ الْأَخِيْرَةِ، لَكِن يُسْتَدَلُّ لَهَا بِكَثْرَةِ نُزُولِ الْمَلَائِكَةِ فِيْهَا، وَالْمَلَائِكَةُ - كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ - تَتَنَزَّلُ بِالسَّكِيْنَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
تَاسِعًا: رَوَى أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ القَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي».
_________________
(١) راجع: "الضعيفة" (رَقْم: ٤٤٠٤)، و"تحقيق المسند" (ج ٣٧/ صـ: ٤٢٥ - ٤٢٦).
(٢) البخاري (رَقْم: ٨١٣، و٢٠١٦، و٢٠١٨، و٢٠٢٧، و٢٠٣٦، و٢٠٤٠)، ومسلم (رَقْم: ١١٦٧)، وهذا لفظه.
[ ٢٢٧ ]
• وَرَوَاهُ أَيْضًا ابْنُ مَاجَهْ، بِلَفْظِ: أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ مَا أَدْعُو؟، فَذَكَرَتِ الْحَدِيْثَ. (^١)
_________________
(١) "المسند" (رَقْم: ٢٥٣٨٤، و٢٥٤٩٥، و٢٥٤٩٧، و٢٥٥٠٥، و٢٥٧٤١، و٢٦٢١٥)، و"سنن الترمذي" (رَقْم: ٣٥١٣)، و"سنن ابن ماجه" (رَقْم: ٣٨٥٠) من طريق عبد الله بن بريدة، عن عائشة ﵂، به. • قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح». • وأقره المنذري في "الترغيب والترهيب" (رَقْم: ٥١٤١)، والنووي في "الأذكار" (صـ: ١٩١)، وابن دقيق العيد في "الإلمام" (رَقْم: ٧٠٠)، والألباني في "الصحيحة" (رَقْم: ٣٣٣٧). • وقد أُعِلَّ هذا الحديثُ بِما لا يقدح في صحته - إن شاء الله -، أعل بالانقطاع؛ لكون الدارقطني ذكر بعد أن أخرج حديثًا في كتاب النكاح من سننه (رَقْم: ٣٥٥٧) أن عبد الله بن بريدة لم يسمع من عائشة، وكذا قال البيهقي بعد إخراجه حديثًا في "الكبرى" (رَقْم: ١٣٦٧٦). • وذكر العلامة الوادعي ﵀ هذا الحديث في "أحاديث معلة ظاهرها الصحة" (رَقْم: ٤٩٣). • وقد أجاب الألباني ﵀ عن هذه العلة بقوله: «النفي المذكور لا يوجد ما يؤيده، بل هو مخالف لما استقر عليه الأمر في علم المصطلح أن المعاصرة كافية لإثبات الاتصال بشرط السلامة من التدليس، وعبد الله بن بريدة لم يُرْمَ بشيء من التدليس، وقد صح سماعه من أبيه، وغيره، وتوفي أبوه سنة (٦٣ هـ)، بل ثبت أنه دخل مع أبيه على معاوية، ومعاوية مات سنة (٦٠ هـ)، وعائشة ماتت سنة (٥٧ هـ)، فقد عاصرها يقينًا؛ ولذلك أخرج له الشيخان روايته عن بعض الصحابة ممن شاركها في سنة وفاتها أو قاربها، مثل عبد الله بن مغفل، وقريب منه سمرة بن جندب مات سنة (٥٨ هـ)، بل وذكروه فيمن روى عن عبد الله بن مسعود المتوفى سنة (٣٢ هـ)، ولم يُعِلُّوها بالانقطاع، ولعله- لما ذكرت- لم يعرج الحافظ المزي على ذكر القول المذكور، إشارة إلى توهينه، وكذلك الحافظ الذهبي في "تاريخه"، ونحا نحوهما الحافظ العلائي في "جامع التحصيل" (صـ: ٢٠٧)، فلم يذكره بالإرسال إلا بروايته عن عمر، وهذا ظاهر جدًّا؛ لأنه ولد لثلاث خلون من خلافة عمر. ا. هـ. • وأخرجه النسائي في "الكبرى" (رَقْم: ١٠٦٤٧)، والحاكم (رَقْم: ١٩٤٢)، من طريق سليمان بن بريدة، عن عائشة ﵂، به، وقال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين!»، ووافقه الذهبي!، وأقره المنذري أيضًا!، مع أن سليمان بن بريدة ليس من رجال البخاري. • وقد صح عند ابن أبي شيبة (رَقْم: ٢٩٧٩٧)، والبيهقي في "الشُّعَب" (رَقْم: ٣٧٠٢) عن عائشة ﵂، من قولها: «لو عرفتُ أي ليلة ليلة القدر ما سألتُ الله فيها إلا العافية». • قال الألباني ﵀: «ومن الظاهر أنها لا تقول ذلك إلا بتوقيف، والله أعلم». • تنبيه: زيادة: (كريم) في الحديث، بعد قوله: «عَفُوٌّ»! لا أصل لها، كما نبه عليه الألباني ﵀.
[ ٢٢٨ ]
عَاشِرًا: قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرِ ﵀: «قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْحِكْمَةُ فِي إِخْفَاءِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ؛ لِيَحْصُلَ الِاجْتِهَادُ فِي الْتِمَاسِهَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ عُيِّنَتْ لَهَا لَيْلَةٌ لَاقْتُصِرَ عَلَيْهَا» (^١)
• وَقَالَ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: وَقَدْ أَخْفَاهَا اللهُ ﷿ عَلَى عِبَادِهِ لِحِكْمَتَيْنِ عَظِيْمَتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَتَبَيَّنَ الْجَادُّ فِي طَلَبِهَا، الَّذِي يَجْتَهِدُ فِي كُلِّ اللَّيَالِي لَعَلَّهُ يُدْرِكُهَا، أَوْ يُصِيْبُهَا، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ لَيْلَةً مُعَيَّنَةً لَمْ يَجِدَّ النَّاسُ إِلَّا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَقَطْ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَزْدَادَ النَّاسُ عَمَلًا صَالِحًا يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إِلَى رَبِّهِمْ، وَيَنتَفِعُونَ بِهِ. (^٢)
• [إِخْوَانِي: لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةٌ يُفْتَحُ فِيهَا الْبَابُ، وَيُقَرَّبُ فِيهَا الأَحْبَابُ، وَيُسْمَعُ الْخِطَابُ، وَيُرَدُّ الْجَوَابُ، وَيُسْنَى لِلْعَامِلِينَ عَظِيمُ الأَجْرِ، ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥].
• يَسْعَدُ بِهَا الْمُوَاصِلُ، وَيَتَوَفَّرُ فِيهَا الْحَاصِلُ، وَيُقْبَلُ فِيهَا الْمُعَامِلُ، فَيَا رِبْحَ الْمُعَامِلِ فِي الْتَّجْرِ، ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥].
• لَيْلَةٌ تُتَلَقَّى فِيهَا الْوُفُودُ، وَيَحْصُلُ لَهُمُ الْمَقْصُودُ، بِالْقَبُولِ وَالْفَوْزِ وَالسُّعُودِ، أَتُرَى مَا يُؤْلِمُكَ أَيُّهَا الْمَطْرُودُ هَذَا الْهَجْرُ؟!، ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥].
• أَخْلَصُوا وَمَا أَخْلَصْتَ قَصْدَكَ، وَبَلَغُوا الْمُرَادَ وَمَا بَلَغْتَ أَشُدَّكَ، وَكُلَّمَا جِئْتَ بِلَا نِيَّةٍ رَدَّكَ، أَفَمَا يُؤَثِّرُ عِنْدَكَ شَدِيدُ هَذَا الزَّجْرِ؟! ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥].
_________________
(١) "فتح الباري" (ج ٤/ صـ: ٢٦٦).
(٢) "مجموع فتاواه ورسائله" (ج ١٤/ صـ: ٢٣٠).
[ ٢٢٩ ]
• أَيْقِظْ نَفْسَكَ لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا، وَانْتَظِرْ مَا سَيَأْتِي عَنْ قَلِيلٍ إِلَيْهَا، وَأَسْمِعْهَا الْمَوَاعِظَ فَقَدْ حَضَرَتْ لَدَيْهَا، وَاقْبَلْ نُصْحِي وَخُذْ عَلَيْهَا ضَرْبَ الْحَجْرِ، ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥].
• هَذِهِ أَوْقَاتٌ يَرْبَحُ فِيهَا مَنْ فَهِمَ وَدَرَى، وَيَصِلُ إِلَى مُرَادِهِ كُلُّ مَنْ جَدَّ وَسَرَى، وَيُفَكُّ فِيهَا الْعَانِي وَتُطْلَقُ الأَسْرَى، تَقَدَّمَ الْقَوْمُ وَأَنْتَ رَاجِعٌ إِلَى وَرَا!، أَوَلَيْسَ كُلُّ هَذَا قَدْ جَرَى وَكَأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ!، ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥].] (^١)
أَيْنَ مَنْ يَحْذَرُ الْعَذَاب وَيَخْشَى … أَنْ يُصَلَّي الْجَحِيمَ مَأْوَى اللِّئَامِ
أَيْن من يَشْتَهِي الْتِذَاذًا بِحُورٍ … فِي جِنَانِ الْخُلُودِ بَيْنَ الْخِيَامِ
الْتَمِسْ فِيْهِ لَيْلَةَ الْقَدْرِ وَاتْرُكْ … الْتِمَاسًا لَهَا لَذِيْذَ الْمَنَامِ
وَاجْتَهِدْ فِي عبَادَةِ اللهِ وَاسْأَلْ … فَضْلَهُ عِنْدَ غَفْلَةِ النُّوَّامِ
يَا لَهَا خَيْبَةٍ لِمَنْ خَابَ فِيْهِ … عَنْ بُلُوغ الْمُنَى بِدَارِ السَّلَام
يَا لَهَا حَسْرَةٍ لِمَنْ كَانَ فِيْهِ … سَاتِرًا شَرَّهُ بِثَوْبِ الظَّلَام
يَا إِلَهَ الْجَمِيع أَنْتَ بِحَالِي … عَالِمٌ فَاهْدِنِي سَبِيْلَ الْقَوَامِ
وَأَمِتْنِي عَلَى اعْتِقَادٍ جَمِيْلِ … وَاتِّبَاعٍ لِمِلَّةِ الْإِسْلَام (^٢)
اللَّهُمَّ وَفِّقَنَا لِقِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَبَارِكْ لَنَا فِي أَعْمَارِنَا وَجُهُودِنَا
وَأَوْقَاتِنَا، إِنَّكَ قَرِيْبٌ مُجِيْبٌ.
وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ
* * *
_________________
(١) "التبصرة" (ج ٢/ صـ: ١٠٤).
(٢) "بستان الواعظين" (صـ: ٢١٤) لابن الجوزي ﵀.
[ ٢٣٠ ]