وهَلْ يَتَمَنَّى المُحْكَمُ الرأي عِيْشَةً وقد حَانَ مِن دُهم المَنايا مَزارُهَا
وكَيفَ تَلذُّ العَينُ هَجْعَةَ سَاعَةٍ وقد طَالَ فِيمَا عَايَنَتْهُ اعْتِبَارُهَا
وكَيفَ تَقِرُّ النَّفْسُ فِي دَارِ نُقْلَةٍ قَد اسْتَيقَنَتْ أَنْ لَيْسَ فِيهَا قَرَارُهَا
وأَنّى لهَا في الأَرضِ خَاطِرُ فِكْرَة ولَمْ تَدْرِ بَعْدَ الموتِ أَيْنَ مَحَارُهَا
أَلَيْسَ لَهَا فِي السَّعْي لِلْفَوزِ شَاغِلٌ أَمَا في تَوَقِّيِهَا العَذابَ ازْدِجَارُهَا
فَخَابَتْ نُفُوسٌ قَادَهَا لَهُو سَاعَةٍ إِلَى حَرِّ نَارٍ لَيْسَ يَطْفَى أُوَارُهَا
لَهَا سَائِقٌ حَادِ حَثِيْثٌ مُبَادِرٌ إِلَى غَيْر ما أضْحَى إليهِ مَدَارُهَا
تُرادُ لِأَمْرٍ وَهْيَ تَطْلُبُ غَيرهُ وَتَقْصِد وَجْهًا فِي سِوَاهُ سِفَارُهَا
أَمُسْرِعَةٌ فِيمَا يَسُوءُ قِيامُهَا وَقَدْ أَيْقَنَتْ أنَّ العَذَابَ قُصَارُهَا
[ ١ / ١٦٤ ]
تُعَطِّلُ مَفُرُوْضًا وَتَعْنَى بِفَضْلَةٍ لَقَدْ شَفَّهَا طُغْيَانُها وَاغْترارُهَا
إِلَى مَا لهَا مِنْهُ البَلاءُ سُكُونُهَا وَعَمَّا لَهَا مِنْهُ النَّجَاحُ نِفَارُهَا
وتُعْرضُ عن رَبٍّ دَعَاهَا لِرُشْدِهَا وتَتَبعُ دُنْيًا جَدَّ عنها فِرَارُهَا
فيأَيُها المَغْرُوْرُ بادِرْ برَجْعَةٍ فِلِلَّهِ دَارٌ لَيْسَ تَخْمُدُ نَارُهَا
وَلا تَتَخيَّرْ فَانِيًا دُوْنَ خَالِدٍ دَلِيلٌ على مَحْضِ العُقولِ اخْتِيَارُهَا
أَتَعْلَمُ انَّ الحقَّ فِيْمَا تَركْتَهُ وتَسْلُكُ سُبْلًا لَيْسَ يَخْفَى عِوَارُهَا
وتَتْرُكُ بَيْضَاءَ المَنَاهِجَ ضِلَّةً لِبَهْمَاءَ يُؤْذِيْ الرِّجْلَ فيها عِثَارُهَا
تُسَرُّ بِلَهْوٍ مُعْقِبٍ بِنَدَامَةٍ إِذَا مَا انْقَضَى لَا يَنْقَضِيْ مُسْتَشَارُهَا
وتَفْنَى اللَّيالِي والمَسرَّاتُ كُلُّهَا وَتَبْقَى تِبعَاتُ الذُّنوبِ وَعَارُهَا
فَهَلْ أَنْتَ يَا مَغْبُونُ مُسْتَيْقِظٌ فَقَدْ تَبَّينَ مِن سِرّ الخُطُوب اسْتِتَارُهَا
فَعَجِّلْ إِلَى رِضْوانِ رَبِّكَ واجْتَنِبْ نَوَاهِيهُ إِذْ قَدْ تَجَلَّى مَنَارُهَا
تَجد مُرُوْر الدهر عَنْكَ بلَاعِب وتُغْرى بدُنيا سَاءَ فِيْكَ سِرَارُهَا
َفَكَمْ أُمَّةٍ قَدْ غَرَّهَا الدَّهْرُ قَبْلَنَا وَهَاتِيْكَ مِنْهَا مُقْفِرَاتٌ دِيَارُهَا
تَذَكَّرْ عَلَى مَا قَدْ مَضَى واعْتِبَرْ بِهِ فإِنَّ المُذَكِّيْ لِلْعُقُولِ اعْتِبَارُهَا
تَحَامَى ذُراهَا كُلَّ بَاغٍ وَطَالِبٍ وَكَانَ ضَمَانًا في الأَعَادِي انْتِصَارُهَا
تَوَافَتْ بِبَطْنِ الأَرضِ وَانْشَتَّ شَمْلُهَا وَعَادَ إِلَى ذِي مُلكةِ مُسْتَعَارُهَا
وَكَمْ رَاقُدٍ في غَفَلَةٍ عَن مُنْيَّةٍ مُشَمَّرَةٍ في القَصْدِ وَهْوَ سِعَارُهَا
وَمَظْلَمَةٍ قَدْ نَالَهَا مُتَسِلِّطٌ مُدِلٌ بِأَيْدٍ عِنْدَ ذِي العَرشِ ثَارُهَا
أَرَاكَ إِذَا حَاوَلْتَ دُنْيَاكَ سَاعِيًا على أَنَّهَا بَادٍ إِليْكَ ازْورَارُهَا
وَفي طَاعَةِ الرحمنِ يُقْعِدُكَ الوَنَى وتُبْدِيْ أَنَاةً لا يَصْحُّ اعْتِذَارُهَا
حاذر إِخْوَانًا سَتَفْنَى وَتَنْقَضِي وَتَنْسَى الَّتِي فَرْضٌ عَلَيْكَ حِذارُهَا
ما لي أَرَى مِنْكَ التَّبرُّمَ ظَاهِرًا مُبِيْنًا إِذَا الأَقْدَارُ حُلَّ اضْطِرَارَهُا
[ ١ / ١٦٥ ]
هُنَالكَ يَقُولُ المَرْءُ مَن لِي بَأَعْصُرٍ مَضَتْ كَانَ مِلْكًا في يَدَيَّ خِيَارُهَا
تَنَبَّهْ لِيَوْمٍ قَدْ أَظَلَّكَ وِرْدُهُ عَصِيْبٍ يُوافِي النَّفْسَ فِيْهِ احْتِضَارُهَا
تَبَرّأ فِيْهِ مِنْكَ كُلُّ مُخَالِطٍ وَإِنَّ مِنْ الآمَالِ فِيْهِ انْهِيَارُهَا
فَأُوْدِعْت في ظَلْما ضَنْكٍ مَقَرُّهَا يَلُوْحُ عَلَيْهَا لِلْعُيُونِ اغْبِرَارُهَا
تُنَادَى فَلا تَدرِي المُنادي مُفْردًا وقد حُطَّ عَن وَجْهِ الحَيَاةِ خِمَارُهَا
تُنَادَى إِلى يومٍ شَدِيْدٍ مُفَزّعٍ وَسَاعةِ حَشْرٍ لَيْسَ يَخْفَي اشْتَهَارُهَا
إِذَا حُشرتْ فيه الوُحُوشُ وَجُمّعَتْ صَحَائِفُنَا وانْثَالَ فِيْنَا انْتِثَارُهَا
وَزُيّنَتِ الجنَّاتُ فِيهِ وأُزْلفَتْ وأُذِكيَ مِن نَارِ الجحيمِ اسْتِعَارُهَا
وَكُوِّرتِ الشَّمْسُ المُنِيْرةُ بالضُّحَى وَأُسْرِعَ مِن زُهْرِ النُجُومِ انْكِدَارُهَا
لَقَدْ جَلَّ أَمْرٌ كَانَ مِنه انْتِظَامُهَا وَقَدْ عُطِّلَتْ مِن مَالِكِيْهَا عِشَارِهُا
فإِمَّا لِدَارٍ لَيْسَ يَفْنَى نَعِيْمُهَا وَإِمَّا لِدَارٍ لا يُفَكُّ إِسَارُهَا
بِحَضْرَةِ جَبّارٍ رَفِيْقٍ مُعَاقِبٍ فَتُحْصَى المَعَاصِي كُبْرُهَا وصِغَارُهَا
وَيَنْدَمُ يَوْمَ البَعْثِ جَانِي صِغَارهَا وَتُهْلِكَ أَهْليهَا هُنَاكَ كِبَارُهَا
سَتُغْبَطُ أَجْسَادٌ وَتَحْيَا نُفُوسُهَا إِذَا ما اسْتَوى إسْرَارُهَا وَجِهَارُهَا
إِذَا حَفَّهُمْ عَفْوُ الإِلهِ وفَضْلُهُ وَأَسْكَنَهُم دَارًا حَلَالًا عَقَارُهَا
يَفزُّ بَنُو الدنيا بِدُنُياهُم الَّتِي يُظُنُّ عَلَى أهل الحظوظِ اقْتِصَارُهَا
هِيَ الأُمُّ خَيرُ البرِّ فيها عقُوقُهَا وَلَيْسَ بِغَيْرِ البَذلِ يُحْمَى ذِمَارُهَا
فَمَا نَالَ مِنْهَا الحَظَّ إِلا مُهِيْنُهَا وَمَا الهَلَكُ إِلَّا قُرْبُها واعْتِمارُهَا
تَهَافَتَ فيها طَاِمعٌ بَعْدَ طَامِعٍ وقد بانَ لِلُّبِ الذَّكِيّ اخْتِبَارُهَا
تَطَامَنْ لِغَمْرٍ الحادِثاتِ ولا تَكُنْ لَهَا ذَا اعْتِمَارٍ يَجْتَنِبْكَ غِمَارُهَا
وَإِيَّاكَ اَنْ تَغْترَّ منها بما تَرَى فَقَدْ صَحَّ في العقل الجَلي عِيارُهَا
رَأَيْتُ مُلُوكَ الأرضِ يَبْغُونَ عُدَّةً وَلَذَّة نَفْسٍِ يُسْتَطابُ اجْتِرارُهَا
[ ١ / ١٦٦ ]
وَخَلَّوا طَرِيْقَ القَصْدِ في مُبْتَغَاهُمُ لِمُتْبِعَةِ الصِفار جَمٌ صِغَارُهَ
وإِن الَّتِي يَبغُون نَهْجَ بَقِيَّة مَكِيْن لِطُلاب الخَلاصِ اخْتِصَارُهَا
هَل العِزُّ إِلا هِمةٌ صَحَّ صَوْنُها إِذَا صَانَ هَمَّاتِ الرِجال انْكسَارُهَا
وهَلْ رَابحٌ إِلا امْرُؤٌ مُتَوكِّلٌ قَنُوعٌ غَنِيُّ النِّفْسِ بَادٍ وَقَارُهَا
ويَلْقَى وُلاةُ المُلْكِ خَوفًا وَفكرةً تَضِيْقُ بها ذَرْعًا وَيَفْنَى اصْطِبَارُهَا
عِيانًا نَرَى هَذا ولَكِن سَكْرَةً أَحَاطَتْ بِنَا مَا إِن يُفيْقُ خمَارُهَا
تَدَبَّرْ مَن البانِي عَلَى الأَرْضَ سَقْفَهَا وَفِي عِلْمِهِ مَعْمُورُهَا وَقفِارُهَا
ومَن يُمْسِكُ الأَجرامَ والأَرضَ أَمْرُهُ بِلا عَمَدٍ يُبْنَي عَلَيهِ قَرارُهَا
ومَن قدَّرَ التَّدبِيْرَ فِيهَا بحِكْمَةٍ فَصَحَّ لَدَيْهَا لَيْلُها ونَهارُهَا
ومنَ فَتقَ الأَمواهَ في صَفْحِ وَجْهِهَا فَمِنها يُغَذَّي حَبُها وثمِارُهَا
ومنَ صَيَّر الألوانَ في نَوْرِ نَبْتِها فأشرقَ فِيهَا وَرْدُهَا وَبَهَارُهَا
فَمِنْهنَّ مُخْضرٌّ يَرُوقُ بَصِيْصُهُ وَمِنْهنَّ مَا يَغْشَى اللِّحَاظَ احْمَرارُهَا
وَمَن حَفَرَ الأَنْهَارَ دُوْنَ تَكلُفِ فَثَارَ مِن الصُّمِّ الصِّلاب انْفِجَارُهَا
وَمَن رتَّبَ الشمسَ المنير ابْيِضَاضُهَا غُدوًّا وَيبْدُو بالعَشِيّ اصْفَرارُهَا
ومَن خَلقَ الأفلاكَ فامْتدَّ جَرْيُهَا وَأَحْكَمَهَا حتى اسْتَقَامَ مَدَارُهَا
وَمَن إِنْ أَلمتْ بِالعُقُولِ رَزِيَّةٌ فَلَيْسَ إِلَي حَيٍّ سِواهُ افْتِقَارُهَا
تَجِدْ كُلَّ هَذا رَاجِعٌ نَحْوَ خَالِقٍ لَهُ مُلْكُهَا مُنْقَادَةً وَائْتِمَارُهَا
أَبَانَ لَنَا الآيَاتِ فِي أَنْبِيَائِهِ فَأَمْكَنَ بَعْدَ العَجْز فيها اقْتِدَارُهَا
فَأَنْطَقَ أَفْواهًا بَأَلْفَاظِ حِكْمَةٍ وَمَا حَلها إِثْغَارُهَا وَاتِّغارُهَا
وأبرزَ مِن صُمٍّ الحِجَارةِ نَاقَةً وأَسْمَع في الحِين منها حُوَارُهَا
لِيُوقِنَ أَقوامٌ وَتكفُر عُصبةٌ أَتَاهَا بِأسْبَابِ الهَلاكِ قَدَارُهَا
وشَقَّ لِمُوسَى البَحْرَ دُونَ تَكَلُّف وَبَانَ مِن الأَمواجِ فِيه انْحِسَارُهَا
[ ١ / ١٦٧ ]
وسَلَّم مِن نَارِ الأَنوق خَلِيْلَهُ فَلَمْ يُؤذهِ إِحراقُهَا واعْتِرَارُهَا
ونَجَّىَ مِن الطُوفَانِ نُوحًا وقد هَدَتْ بِهِ أُمةٌ أَبْدَى الفُسُوقَ شِرارُهَا
وَمَكَّنَ دَاوُدًا بأَيْدٍِ وَابْنَهُ فَتَعْسِيرهَا مُلْقَى لَهُ وبِذَارُهَا
وذلَّلَ جبَّارَ البِلادِ بِأَمْرِهِ وَعَلَّمَ طَيْرًا فِي السَّمَاءِ حِوَارهَا
وَفَضَّلَ بِالقُرْآنِ أُمَّةَ أَحْمدٍ وَمَكَّنَ فِي أَقْصَى البِلادِ مُغَارُهَا
وَشَقَّ لَهُ بَدْرَ السَّمَاءِ وَخَصَّهُ بآياتٍ حَقٍّ لا يُخَلُ مُعَارُهَا
وَأَنْقَذَنَا مِن كُفْرٍ أَربابِنَا بِهِ وَقَدْ كَانَ مِن قُطْبٍ الهَلاكِ مَنارُهَا
فَمَا بَالُنا لا نَترُكُ الجهلَ ويْحَنَا لِنسْلَمَ مِن نارٍ تَرامَى شِرَارُهَا
انْتَهَى
آخر: