وَقَدَّرَ أَرْزَاقًا لَهُمْ وَمَعَايِشًا وَدَبَّرَهُم في كُلِّ طَوْرٍ وَنَشْأَةِ
أَحَاطَ بِهِمْ عِلْمًا وَأَحْصَى عَدِيْدَهُم وَصَرَّفَهُم عَن حِكْمَةٍ وَالمشِيْئَةِ
ولله بين المُؤْمِنِيْنَ وَمِنْهُم بِكُلِّ زَمَانٍ كَمْ مُنِيْبٍ وَمُخْبِتِ
وَكَمْ سَالِكٍ كَمْ نَاسِكٍ مُتَعَبِّدٍ وَكَمْ مُخْلِصٍ في غَيْبِهِ والشَّهَادَةِ
وَكَمْ صَابِرٍ كَمْ صَادِقٍ مُتَبَتِلٍ إلى الله عَنْ قَصْدٍ صَحِيْحٍ وَنِيَّةِ
وَكَمْ قَانِتٍ أَوَّاب في غَسَقِ الدُّجَى مِنَ الَخْوفِ مَحْشُوُ الفُؤَادِ وَمُهْجَةِ
يُنَاجِي بِآيَاتِ القُرْآنِ إِلَهَهُ بِصَوْتٍ حَزِيْنٍ مَعْ بُكَاءٍ وَخَشْيَةِ
وَكَمْ ضَامِرِ الأَحْشَاءِ يَطْوِي نَهَارَهُ بِحَرِ هجَيْرٍ مَا تَهَنَّا بِشَرْبَةِ
وَكَمْ مُقْبِلٍ في لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ عَلَى طَاعَةِ المَوْلَى بِجِدٍّ وَهِمَّةِ
[ ١ / ٢٠٩ ]
وَكَمْ زَاهِدٍ في هَذِهِ الدَّارِ مُعْرِضٍ وَمُقْتَصِرٍ منها عَلَى حَدِ بُلْغَةِ
تَزَيَّنَتِ الدُّنْيَا لَهُ وَتَزَخْرَفَتْ فَغَضَّ وَلَمْ يَغْتَرَّ مِنْهَا بِزِيْنَةِ
وَكَمْ عَالِمٍ بِالشَّرْعِ لله عَامِل بِمُوجَبِهِ في حَالِ عُسْرٍ وَيُسْرَةِ
وَكَمْ آمرٍ بِالرُّشْدِ نَاهٍ عَنْ الرَّدَى سَرِيْعٍ إلى الخَيْرَاتِ مِنْ غَيْرِ فَتْرَةِ
فإِنْ شِئْتَ أَنْ تَحْيَا سَعِيْدًا مُوَفَّقًا وَتُحْظَى بِفَوزٍ عِنْدَ نَشْرِ الصَّحِيْفَةِ
فَحَافِظْ عَلَى المَفْرُوْضِ مِنْ كُلِّ طَاعَةٍ وَأَكْثِرْ مِنَ النَّفْلِ المُفِيْدِ لِقُرْبَةِ
بِكُنْتُ لَه سَمْعًا إِلى آخِرِ النَّبَا عَنِ الله في نَصِّ الرَّسُولِ المُثَبتِ
وكُنْ في طَعَام ٍوالمَنَامِ وَخِلْطَةٍ وَنُطْقٍ عَلَى حَدِّ اقْتِصَارٍ وَقِلَّةِ
وَجَالِسْ كِتَابَ اللهِ وَاحْلُلْ بِسَوْحِهِ وَدُمْ ذَاكٍرًا فَالذِّكْرُ نُوْرُ السَّرِيْرَةِ
عَلَيْكَ بِهِ في كُلِّ حِيْنٍ وَحَالَةٍ وَبِالفِكْرِ إِنَّ الفِكْر كُحْلُ البَصِيْرَةِ
[ ١ / ٢١٠ ]
وَكُنْ أَبَدًا في رَغْبَةٍ وَتَضَرُعٍ إِلى اللهِ عَن صِدْقِ افْتِقَارٍ وَفَاقَةِ
وَوَصْفِ اضْطِرَارٍ وَانْكِسَارٍ وَذِلَةٍ وَقَلْبٍ طَفُوْحٍ بالظُنُوْنِ الجَمِيْلَةِ
وَبَعْدُ فَإِنَّ الحَقَّ أَفْضَلُ مَسْلَكٍ سَلَكْتَ وَتَقْوَى الله خَيْرُ بِضَاعَةِ
وَمَن ضَيَّعَ التَّقْوى وَأَهْمَلَ أَمْرِهَا تَغَشَتْهُ في العُقْبَى فُنُونُ النَّدَامَةِ
وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا قُصَارَى مُرَادِهِ فَقَدْ بَاءَ بِالخُسْرَانِ يَومَ القِيَامَةِ
وَمَنْ لَمْ يَكُنْ في طَاعَةِ الله شُغْلُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ لا يَفُوزُ بِبُغْيَةِ
وَمَنْ أَكْثَر العِصْيَانِ مِن غَيْرِ تَوبةٍ فَذَاكَ طَرِيْحٌ في فَيَافِي الغِوَايَةِ
بَعِيْدٌ مِنَ الخَيْرَاتِ حَلَّ بِه البَلا وَوَاجَهَهُ الخُذْلانُ من كُلِّ وِجْهَةِ
عَجِبْتُ لِمَنْ يُوْصِي سِوَاهُ وَإِنَّهُ لأَجَدْرُ مِنْهُ بِاتْبَاعِ الوَصِيَّةِ
يَقُولُ بِلا فِعْلٍ وَيَعْلَمُ عَامِلًا عَلَى ضِدِّ عِلْمٍ يَا لَهَا مِن خُسَارَةِ
[ ١ / ٢١١ ]
عُلُومٌ كَأَمْثَالِ الجِبَالِ تَلاطَمَتْ وَأَعْمَالُهُ في جَنْبِهَا مِثلُ قَطْرَةِ
وَقَدْ أَنْفَقَ الأَيَّامَ في غَيْرِ طَائِلٍ كَمِثْلِ اللَّيَالِي إِذَا تَقَضَّتْ وَوَلَّتِ
عَلَى السَّوْفِ والتَّسْوِيْفِ شَرُّ مُصَاحِبٍ وَقَوْلِ عَسَى عَنْ فَتْرَةِ وَبَطَالَةِ
تَنَكَّبَ عَجْزًا عَنْ طَرِيْقِ عَزِيْمَةٍ وَمَالَ لِتَأوِيْلٍ ضَعِيْفٍ وَرُخْصَةِ
يَهِمُّ بِلا جِدِّ وَلَيْسَ بِنَاهِضٍ عَلى قَدَم التَشْمِيْرِ مِنْ فَرْطِ غَفْلَةِ
وَقَدْ سَارَ أَهْلُ العَزْمِ وَهُوَ مُخَلَّفٌ وَقَدْ ظَفِرُوا بِالقُربِ مِنْ خَيْرِ حَضْرَةِ
وَقَدْ أَدْرَكُوا المَطْلُوبَ وَهْو مُقَيَّدٌ بِقَيْدِ الأَمَانِي وَالحُظُوظِ الخَسِيْسَةِ
وَلَمْ يَنْتَهِزْ مِن فَائِتِ العُمْرِ فُرْصَةً وَلَم يَغْتَنِمْ حَالَي فَرَاغٍ وَصِحَّةِ
وَلَمْ يَخْشَ أَنْ يَفْجَاهُ مَوتٌ مُجَهِّزٌ فَإِنَّ مَجِيءَ المَوْتِ غَيْرُ مُؤَقِّتِ
وَلَمْ يَتَأَهَّبْ لِلرُّجُوْعِ لِرَبِّهِ وَلَمْ يَتَزَوَّدْ لِلْطَّرِيْقِ البَعِيْدَةِ
[ ١ / ٢١٢ ]
وَبَينَ يَدَيْهِ المَوْتُ وَالقَبْرُ وَالبَلَى وَبَعْثٌ ومِيْزَانٌ وَأَخْذُ الصَّحِيْفَةِ
وَجَسْرٌ عَلَى مَتْن الجَحِيْمِ وَمَوْقِفٌ طَوِيْلٌ وَأَحْوَالُ الحِسَابِ المَهُوْلَةِ
وَلكنَّهُ يرجُو الذِي عَمَّ جُوْدُهُ وَإِحْسَانُهُ وَالفَضْلُ كُلَّ الخَلِيْقَةِ
إلهٌ رَحِيمٌ مُحْسِنٌ مُتَجَاوِزٌ إِليهِ رُجُوعِي في رَخَائِي وَشِدَّتِي
غِيَاثِي إِذَا ضَاقَتْ عَلَيَّ مَذَاهِبِي وَمِنْهُ أرَجِّى كَشْفَ ضَرِّي وَمِحْنَتِي
فَيَاربُّ ثَبِتْنَا عَلَى الحَقِ وَالهُدَى وَيَا رَبَّنَا اقْبِضْنَا عَلَى خَيْرِ مِلَّةِ
وَعُمَّ أُصُولًا وَالفُرُوعَ بِرَحْمَةٍ وَأَهْلًا وَأَصْحَابًا وَكُلَّ قَرَابَةِ
انْتَهَى
آخر: