فافهَمْهُ واعْمَلْ بِهِ وادْعُ الأنام لَهُ واقْطعْ بِهِ العَيْشَ تَعْرِفْ لَذَّةَ العُمْرِ
وانْقُلْ رحالك عن مَغْنَاكَ مُرتَحلًا لِكَي تَفوزَ بنقِلِ العِلمِ والأَثَرِ
ولا تَقُلْ: عاقَني شُغْلٌ، فَلَيْسَ يُرى في التَّركِ لِلِعِلمِ مِنْ عُذرٍ لِمُعْتَذِرِ
وأَيُّ شُغْلٍ كَمِثْلِ العِلمِ تَطْلُبُه وَنَقْلِ ما قَدْ رَوَوْا عن سَيّدِ البَشَرِ؟
أَلْهَى عن العِلمِ أَقْوَامًا تَطَلُّبُهُمْ لَذَّاتِ دُنيا غَدَوا منها على غَرَرِ
وخَلّفُوا مالَه حَظٌّ ومَكْرُمَةٌ إلَى الَّتي هِي دَأْبُ الهُونِ والخَطَرِ
وأَيُّ فَخْرٍ بِدُنْيَاهُ لِمَنْ هَدَمَتْ مَعَائِبُ الجهلِ منه كُلَّ مُفْتَخَرِ؟!
لا تَفخَرَنّ بدنيا لا بَقَاء لَهَا وبالعَفافِ وكَسْب العِلمِ فافَتَخِرِ
يَفْنَى الرِجالُ وَيْبقَى عِلْمُهُمْ لَهُمُ ذِكْرًا يُجَدَّدُ في الآصالِ والبُكُرِ
ويَذهبُ الموتُ بالدنيا وصاحبها ولَيْسَ يَبْقَى لَهُ في الناسِ مِن أثَرِ
تَظُنُّ أنَّكَ في الدنيا أَخوُ كِبَرٍ وأنْتَ بالجهِل قد أصْبَحْتَ ذَا صِغَرِ
لَيْسَ الكَبيرُ عَظِيمُ القَدْر غَيْرَ فَتَى ما زَالَ بالعلمِ مَشْغُولًا مَدَى العُمُرِ
قَدْ زَاحَمَتْ رُكْبَتاهُ كُلَّ ذِي شَرَفٍ في العِلمِ والحِلْمِ لا في الفَخْرِ والبَطَر
فجالِسِ العُلماءَ المُقْتَدَى بِهِمُ تَسْتَجْلِبِ النفعَ أوْ تأَمَنْ مِنَ الضَّرَرِ
هُمْ سَادَةُ الناسِ حَقًّا والجُلُوسُ لَهُم زيادةٌ هكذا قدْ جَاءَ في الخَبرِ
والْمَرْءُ يُحْسَبُ مِن قَومٍ يُصَاحِبُهم فارْكَنْ إلَى كُلِّ صَافِي العِرْضِ عن كَدَرِ
فَمَنْ يُجَالِسْ كَرْيمًا نالَ مَكرُمَةً ولَمْ يَشِنْ عِرضَهُ شَيءٌ مِن الغِيرَ
كَصَاحِبِ العِطْرِ إنْ لَمْ تَستْفِدْ هِبَةً مِن عِطْرِهِ لَمْ تِخِبْ مِنْ ريحِهِ العَطِرِ
وَمَنْ يُجَالِسْ رَدِيءِ الطَّبْعِ يُرْدِ بِهِ ونالَه دَنَسٌ مِن عِرْضِهِ العَطِرِ
كَصَاحبِ الكِيرِ إن يَسْلَمْ مُجَالِسهُ مِن نَتْنِهِ لَمْ يُوَقَ الحَرْقَ بالشرَّرِ
وكُلُّ مَن لَيْسَ يَنْهِاهُ الحَياءُ ولا تَقوى فَخَفْ كُلَّ قُبْحٍ منه وانْتَظِرِ
[ ١ / ٦٥ ]
والناسُ أخلاقُهم شَتّى وأنْفُسُهم مِنْهم بَصِيرُ ومنهم مُخْطِيءُ النَّظَرِ
وأصْوبُ الناسِ رَأْيًا مَنْ تَصَرُّفُهُ فيما بِهِ شَرَفُ الأَلبابِ والفِكَرِ
واركَنْ إلى كُلِّ مَنْ في وُدّهِ شَرَفٌ مِن نابِهِ القَدْرِ بَيْنَ الناسِ مُشْتَهرِ
فالمَرْءُ يَشْرُفُ بالأخيارِ يَصْحَبُهُمْ وإنْ يَكُنْ قَبلُ شيئًا غَيْرَ مُعْتَبَرِ
إنَّ العَقيقَ لَيَسْمُو عندَ نَاظِرِهِ إذا بَدَا وهو مَنْظُومٌ مَعَ الدُّرَرِ
والمرءُ يَخْبُثُ بالأَشْرَارِ يألَفُهُمْ ولَوْ غَدَا حَسَنَ الأخَلاقِ والسِّيَرِ
فالماءُ صَفْوٌ طَهُورٌ في أَصَالِتهِ حَتَّى يُجَاوِرَه شَيْءٌ مِن الكَدَرِ
فكُنْ بِصَحْبِ رِسولِ الله مُقْتَدِيًا فإنهم لِلْهُدَى كالأَنْجُمِ الزُّهُرِ
وإن عَجَزْتَ عن الْحَدِّ الذي سَلَكُوا فكنْ عَنْ الحُبِّ فِيْهِم غَيْرَ مُقْتَصِرِ
والْحَقْ بقَوْمٍ إذا لاحَتْ وُجُوهُهُمُ رَأَيْتَهَا مِن سَنَا التوفِيقِ كالقَمَرِ
أضْحَوْا مِن السّنّة العَلْيَاءِ في سَنَنٍ سَهْلٍ وقامُوا بَحِفْظِ الدِينِ والأَثَرِ
أَجَلُّ شَيْءٍ لَدَيْهِمْ قال أخْبَرَنَا عن الرسولِ بما قد صَحّ مِن خَبَرِ
هَذي المَكَارمُ لاَ قَعْبَان مِن لَبَنٍ ولا التَّمَتُّعَ باللذات والأَشرِ
لاَ شَيءَ أحْسَنُ مِمَّا قَالَ خَالِقُنَا فاعْمَلْ بَمَا قَالَهُ في مُحْكَمِ السُّوَرِ
وبعده بالوَفا قَولُ الرَّسُول وما أجَلُّ مِن سَنَدٍ عن كُل مُشْتَهرِ
ومَجْلِسٍ بَيْنَ أهِلِ العِلمِ جَادَ بما حَلاَ مِنَ الدُرِّ أوْ حُلِّي مِنَ الدُّرَرِ
يومٌ يَمُرُّ وَلَمْ أرْوِ الحَدِيثَ بِهِ فَلَسْتُ أحْسِبُ ذاكَ اليومَ من عُمُرِي
فإنَّ في دَرْسِ إخْبَار الرسول لَنَا تَمَتُّعًا في رِيَاضِ الجنَّةِ الخُضُرِ
تَعَلُّلًا إذْ عَدِمْنَا طِيبَ رُؤيَتِهِ مَنْ فَاتَهُ العَيْنُ هَدَّ الشَوْقَ بالأَثر
كَأنَّهُ بَيْنَ ظَهرَيْنَا نُشَاهِدُهُ في مَجْلِسِ الدَّرْسِ بالآصالِ والبُكُرِ
زَيْنُ النُبوةِ عَيْنُ الرُّسْلِ خَاتِمُهُم بَعْثًا وأوّلُهُم في سَابِقِ القَدَرِ
صَلَّى عَليْه إلهُ العرشِ ثُمَّ عَلى أَشْياعِهِ ما جَرىَ طَلٌّ على زَهَرِ
مَعَ السلامِ دَوَامًا والرَضا أبَدًا عن صحَبِهِ الأكرَمينَ الأنْجُمِ الزُّهُرِ
[ ١ / ٦٦ ]
وعن عَبِيْدِكَ نَحْنُ المُذْنِبِيْنَ فَجُدْ بالأَمْنِ مِن كُلّ ما نَخْشاهُ مِن ضَرَرَ
وَتُبْ عَلَى الكُلِّ مِنَّا واعْطِنَا كَرَمًا دُنْيًا وأُخْرىَ جَمْيعَ السُؤْلِ والوَطَرِ
انْتَهَى
آخر: