ولكنْ بَقِي رَسْمٌ من العلمِ دارِسٌ وعمَّا قليلٍ سوف يَنْطَمِسُ الرَّسْمُ
فَآنَ لِعَيْنٍ أنْ تَسيْلَ دُموعُها وآن لِقَلْبٍ أنْ يُصَدِّعَهُ الهَمُّ
فإنَّ بِفَقْدِ العِلْمِ شَرًا وَفِتنةً وَتَضْيِيْعَ دِينٍ أمرُهُ واجبٌ حَتْمُ
[ ١ / ٥٩ ]
وما سَائِرُ الأعْمالِ إلا ضَلالةٌ إِذا لمْ يكنْ للعَامِلينَ بها عِلْمُ
وما الناسُ دَونَ العلمِ إلا بِظُلْمَةٍ مِن الجَهلِ لا مِصباحَ فيها ولا نَجْمُ
فَهل يُهْتَدَى إلاَّ بنجْمِ سَمَائِهِ إذا ما بَدَا مِنْ أُفْقِهِ ذَلِكَ النَّجْمُ
فَهَذَا أَوَانُ القبْضِ لِلْعِلْمِ فَلْينُحْ عليه الذي في الحُبِّ كَانَ لهُ سَهْمُ
فَلَيْسَ بِمُبْقِي العِلْمِ كَثْرةُ كُتْبِهِ فماذا تفيدُ الكتْبُ إنْ فُقِدَ الفَهْمُ؟
وما قَبْضُهُ إلا بِمَوْتِ وُعَاتِهِ فقبضُهُمُ قبضٌ لهُ وَبِهمْ يَنْمُو
فَجِدَّ وأدِّ الجَهْدَ فيهِ فإنّه لِصَاحِبِهِ فَخْرٌ وَذُخْرٌ به الغُنْمُ
فعارٌ على المَرْءِ الذي تَمَّ عَقْلُهُ وقد أمَّلَتْ فيهِ المُرُوْءةُ والحَزْمُ
إذا قِيْلَ: ماذا أوْجَبَ اللهُ يا فَتى؟ أجابَ بلا أدْرِي وأنَّى لِيَ العِلْمُ
وأقْبَحُ مِنْ ذَا لَوْ أَجَابَ سُؤالَه بِجَهْلٍ فإنّ الجَهْلَ مَوْدِدٌ وخْمُ
أَيَرْضَى بأنَّ الجَهْلَ مِنْ بَعْضِ وَصْفِهِ ولو قِيل يا ذا الجَهْلِ فارَقَهُ الحِلْمُ
[ ١ / ٦٠ ]
فَكَيفَ إذا مَا الْبَحْثُ مْنَ بَيْنِ أهْلِهِ جَرَى وهو بينَ القومِ لَيْسَ لهُ سَهْمُ
تَدُورُ بِهْمْ عَيْنَاهُ لَيْسَ بناطِقٍ فغيرُ حَرِيٍّ أنْ يُرَى فاضِلًا فَدْمُ
وما العِلمْ إلا كالحَيَاةِ إذا سَرَتْ بِجِسْمٍ حَيٍّ والمَيْتُ مَنْ فاتَهُ العِلْمُ
وكَمْ في كِتَابِ اللهِ مْنْ مِدْحةٍ لهُ يكادُ بها ذُو العِلْمِ فوقَ السُّهَى يَسْمُو
وكمْ خَبَرٍ في فَضْلِهِ صَحَّ مُسْنَدًَا عن المصطَفَى فاسْألْ بِهِ مَنْ لَهُ عِلْمُ
كَفَى شَرَفًا لِلعِلْمِ دَعْوَى الوَرَى لهُ جَمِيعًا وَيَنْفِي الجَهْلَ من قُبْحِهِ الفَدْمُ
فَلَسْتُ بِمُحْصٍ فَضْلَهُ إنْ ذكرْتُهُ فقدْ كَلَّ عنْ إحصائِهِ النثْرُ والنَّظْمُ
فيا رافِعَ الدُنْيا على العِلْمِ غَفْلَةً حَكَمْتَ فلم تُنْصِفْ وَلَمْ يُصِبِ الحُكْمُ
أترْفَعُ دنُيا لا تُسَاوي بأسْرِهَا جَنَاحَ بَعُوْضٍ عندَ ذِي العَرْشِ يا فَدْمُ
وَتُؤْثِرُ أَصْنَافَ الحُطَامِ على الذي بهِ العِزُّ في الدارَيْن والمُلْكُ والحُكْمُ
وَتَرغَبُ عن إِرْثِ النَّبِيِيْنَ كُلِّهِمْ وَتَرغَبُ في مِيْرَاثِ مَنْ شَأْنُهُ الظُّلْمُ
[ ١ / ٦١ ]
وَتَزْعُمُ جَهْلًا أنَّ بَيْعَكَ رابحٌ فَهيْهَاتَ لم تَرْبَحُ ولم يَصْدُقِ الزَّعْمُ
أَلَمْ تَعْتَبِرْ بالسابقينَ فحالُهُمْ دَليلٌ على أنَّ الأجَلَّ هُوَ العِلْمُ
فَكَمْ قَدْ مَضَى مِنْ مُتْرِفٍ مُتَكَبِّرٍ وَمِنْ مَلِك دَانَتْ لهُ العُرْبُ والعُجْمُ
فبادُوا فلمْ تَسمَعُ لَهُمْ قَطُّ ذاكِرًا وإنْ ذُكِرُوا يَوْمًا فَذِكْرُهُمُ الذَّمُّ
وكمْ عالِمٍ ذِي فاقَةٍ وَرَثاثةٍ ولكنَّهُ قدْ زَانَهُ الزُّهْدُ والعِلْمُ
حَيا ما حَيَا في طِيْبِ عَيْشٍ وَمُذْ قَضَى بَقِيْ ذكرُهْ في الناسِ إذْ فُقِدَ الجِسْمُ
فكُنْ طالِبًا لِلْعِلْمِ حَقَّ طِلابِهِ مَدَى العُمْرِ لا يُوْهِنكَ عنْ ذلكَ السَّأْمُ
وهاجِرْ لَهُ في أيِّ أرضٍ وَلَوْ نأتْ عَلَيْكَ فإعْمَالُ المَطِيِّ لهُ حَتْمُ
وأنْفِقْ جَمِيعَ العُمْرِ فيهِ فَمَنْ يَمُتْ له طالبًا نالَ الشهَّادَةَ لاهَضمُ
فإنْ نِلْتَهُ فَلْيَهْنِكَ العِلْمُ إنَّهُ هو الغَاية العَلْيَاءُ واللَّذَةُ الجِسْمُ
فللهِ كَمْ تَفْتَضُّ مِنْ بِكْرِ حِكْمَةٍ وَكَمْ دُرَّةٍ تُحْظَى بِهَا وَصْفُها اليُتْمُ
[ ١ / ٦٢ ]
وَكَمْ كاعِبٍ حَسْناءَ تكشِفُ خِدْرَهَا فَيُسْفِرُ عَنْ وَجْهٍ بهِ يَبْرأْ السُّقْمُ
فتِلْكَ التي تَهْوَى ظَفِرْتَ بِوَصْلِهَا لقد طالَ ما في حُبِّها نَحَلَ الجِسْمُ
فعانِقْ وَقَبِّلْ وارْتَشِفْ مِنْ رُضَابِها فعَدْلُك عن وَصْلِ الحَبْيبِ هو الظُلْمُ
فجالِسْ رُواةَ العِلْم واسْمَعْ كلامَهُمْ فكمْ كَلِمٍ مِنْهُمْ بهِ يَبْرأُ الكَلْمُ
وإن أَمَرُوا فاسْمَعْ لَهُمْ وأَطِعْ فهُمْ أُولوا الأمْرِ لا مَنْ شأْنُهُ الفَتْكُ والظُلْمُ
مَجَالِسُهُمْ مِثْلُ الرّياضِ أَنِيْقَةٌ لقد طَابَ مِنها اللَّونُ والرِّيُح والطَّعْمُ
أَتْعتَاضُ عن تِلْكَ الرِّيَاضِ وَطِيْبِها مَجالِسَ دُنيا حَشْوُهَا الزُّورُ والإِثْمُ
فما هِيَ إِلاَّ كَالمَزَابلِ مَوْضِعًا لِكُلِّ أذَىً لا يُستطاعُ له شَمُّ
فَدُرْ حَوْلَ قالَ اللهُ قالَ رسولُهُ وأصحابُه أيضًا فهَذَا هو العِلْمُ
وما العِلْمُ آراءُ الرِّجالِ وظنُّهُمْ ألمْ تَدرِ أنَّ الظنَّ مِنْ بَعْضِهِ الإِثْمُ
وَكُنْ تابِعًَا خَيْرَ القُرُونِ مُمَسِّكًا بآثارِهِمْ في الدِّينِ هذا هُوَ الحَزْمُ
[ ١ / ٦٣ ]
وَصَلِّ إلهَ العالَمينَ مُسَلِّمًا على مَنْ بِهِ للأنْبِيَاءِ جَرَى الخَتْمُ
كذا الآل والأَصْحَاب ما قال قائلٌ على العِلْمِ نَبْكِيْ إذْ قدِ انْدَرَسَ العِلْمُ
انْتَهَى
آخر: