أما بعد: فإني رأيتك أيها المريد الصادق، والعازم الجازم، قد وطنت نفسك على التخلي عن فضول الدنيا الشاغلة، وعزمت على الانقطاع إلى الأخرة، علمًا منك أن مخالطة الخلق توجب التخليط، وإهمال المحاسبة للنفس أصل التفريط، وأن العمر إن لم يستدرك أدركه الفوت، وأن مراحل الأنفاس تسرع بالراكب إلى منزل الموت.
فنظرت أي أنيس من الكتب تستصحبه في خلوتك، وتستنطقه في حال صمتك، فإذا
_________________
(١) هذه الخطبة موجودة في نسخة (أ)، وفي نسخة (ب) بدلًا عنها الخطة المدرجة هنا وهي هذه بعد البسملة: "الحمد لله منبه الراقدين في غفلاتهم بمزعجات الايقاظ، ومنزه التائبين من هفواتهم بملاطفات الوعاظ، ومحدث العارفين في خلواتهم بأحلى الكلمات والألفاظ، ومحذر الزاهدين بأشرف شهواتهم تأدبًا حتى فرقوا عن الظاهرين اللحاظ، وقاموا إلى محاربة النفوس قيام الليث لحرب المغتاظ، وحفظوا ما استحفظوا فحفظوا وإنما الحفظ للحفاظ. أحمده حمدًا كثيرًا فائت العدد دائم الألفاظ، وأصلي وأسلم على نبيه محمد الذي أعجز الفصحاء بما جاء به قساقيس يوم عكاظ، وعلى آله وأصحابه أهل اليقين والتقى والاستيقاظ، صلاة أتقي بها يوم البعث حر لظى والشواظ، نارًا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ. قال مؤلفه عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي ﵀: سميت كتابي هذا: "منهاج القاصدين ومفيد الصادقين". وأسأل الله تعالى أن ينفعنا به ومن قرأه، أو سمعه، أو نظر فيه، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن يختم لنا بخير ويوفقنا لما يرضيه من القول والعمل والنية، وأن يسامحنا في تقصيرنا وتفريطنا ولا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا إلى أحد من خلقه، فإنه حسبنا ونعم الوكيل.
[ ١٠ ]
أنت تؤثر كتاب "إحياء علوم الدين" وتزعم انفراده في جنسه، ونفاسته في نفسه.
فاعلم أن في كتاب "الإحياء" آفات لا يعلمها إلا العلماء. وأقلها الأحاديث الباطلة الموضوعة والموقوفة، وقد جعلها مرفوعة، وإنما نقلها كما اقتراها لا أنه افتراها، ولا ينبغي التعبد بحديث موضوع، والاغترار بلفظ مصنوع.
وكيف أرتضي لك أن تصلي صلوات الأيام ولياليها، وليس فيها كلمة قالها رسول الله ﵌.
وكيف أوثر أن يطرق سمعك من كلام المتصوفة الذي جمعه (١) وندب إلى العمل به مالا حاصل له من الكلام في الفناء، والبقاء، والأمر بشدة الجوع، والخروج إلى السياحة في غير حاجة، والدخول في الفلاة بغير زاد، إلى غير ذلك مما قد كشفت عن عواره (٢) في كتابي المسمى بـ "تلبيس إبليس (٣) "
وسأكتب لك كتابًا يخلو عن مفاسده، ولا يخل بفوائده، أغتمد فيه من النقول الأصح والأشهر، ومن المعنى الأثبت والأجود، وأحذف ما يصلح حذفه، وأزيد ما يصلح أن يزاد.
ثم قال بعد ذلك [ابن الجوزي]: وإذ قد صح عزمك على العزلة لاستيفاء حق الحق من النفس، والأخذ على يدها، فليكن وكيلك عليها العلم، وكن باحثًا عن دقائق هواها لعلك تسلم، واحذر سبيل أحد رجلين:
عالم عرف الجدال في الفقه واقتنع برئاسته، أو نال القضاء فسعى في حفظ منزلته، أو زخرف الوعظ فضيق أعين شبكته.
أو زاهد يتقلب برأيه الفاسد في جهالته، ويتقرب بتقبيل يده واعتقاد بركته، ويعمل بهواه دون شرع الله وسنته.
فهذان عادلان عن منهاج الصواب، مقتنعان بقشور الأعمال عن خالص اللباب، خادعان للمبتدئين بلامع السراب، وطريقهما بمعزل عن سنن السلف الصالح الذي هو جادة الاستقامة وطريق السلامة.
_________________
(١) أي صاحب الإحياء.
(٢) العوار بالفتح: العيب وقد يضم.
(٣) طبع مكتبة دار البيان بدمشق بتحقيق الاستاذ خير الدين وانلي.
[ ١١ ]
وسأدرج لك في هذا الكتاب إن شاء الله من أخبارهم ما يدل على آثارهم.
وكتابنا هذا يحتاج إليه المنتهي، كما يفتقر إليه المبتدي، لأن فيه أسرار العبادات، والتحذير من آفات المعاملات. وقد جعله المصنف أربعة أرباع:
الأول: ربع العبادات.
والثاني: ربع العادات.
والثالث: ربع المهلكات.
والرابع: ربع المنجيات.
وكل واحدة من هذه الأقسام الأربعة يشتمل على كتب، وأبواب، وفصول، فمن أقسام الربع الأول:
[ ١٢ ]