ومن أقسام السفر أن يكون مباحًا، كسفر التفرج والتنزه، فأما السياحة في الأرض لا لمقصود، ولا إلى مكان معروف، فإنه منهى عنه.
فقد روينا من حديث طاووس أن النبي ﵌ قال: "لا رهبانية، ولا تبتل، ولا سياحة في الإسلام" (١).
_________________
(١) أخرج الدارمي ٢/ ١٣٣ من حديث سعد بن أبي وقاص قال: لما كان من أمر عثمان بن مظعون الذي كان ممن ترك النساء بعث، إليه رسول الله ﷺ: فقال: "يا عثمان إني لم أومر بالرهبانية " وسنده قوي، وأخرج أحمد ٦/ ٢٢٦ من طريق عروة قال: دخلت امرأة عثمان بن مظعون على عائشة وهي باذة الهيئة، فسألتها: ما شأنك، فقالت: زوجي يقوم الليل، ويصوم النهار، فدخل النبي ﷺ، فذكرت عائشة ذلك له، فلقى رسول الله ﷺ عثمان، فقال: "يا عثمان إن الرهبانية لم تكتب علينا، أفما لك فيّ أسوة " ورجاله ثقات. وأخرج البخاري: ٩/ ١٠١، ومسلم (١٤٠٢) من حديث سعد بن أبي وقاص أنه: "رد رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل ولو أذن له لاختصينا" وقد ذم الله أهل الكتاب لابتداعهم الرهبانية، وأخبر أنه لم يشرعها لهم وإنما التزموها من تلقاء أنفسهم، قاصدين بذلك رضوان الله، لكنهم لم يقوموا بما التزموه حق القيام، فقال سبحانه ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ قال ابن كثير: وهذا ذم لهم من وجهين، أحدهما، الابتداع في دين الله مما لم يأمر به الله، والثاني: في عدم قيامهم بما التزموه مما زعموا أنه قربة تقربهم إلى الله ﷿. ولما قال أحد الثلاثة الذين أتوا بيوت النبي ﷺ، يسألونه عن عبادته: وقال: إني لا أتزوج النساء، غضب رسول الله ﷺ وقال: "والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" أخرجه البخاري في "صحيحه".
[ ١٢٠ ]
وقال الإمام أحمد بن حنبل: ما السياحة من الإسلام في شئ ولا من فعل النبيين ولا الصالحين. ولأن السفر يشتت القلب، فلا ينبغى للمريد أن يسافر إلا في طلب علم أو مشاهدة شيخ يقتدى به في سيرته.
وللسفر آداب معروفة مذكورة في مناسك الحج وغيرها.
من ذلك أن يبدأ برد المظالم، وقضاء الديون، وإعداد النفقة لمن تلزمه نفقته، ورد الودائع.
ومنها: أن يختار رفيقًا صالحًا، ويودع الأهل والأصدقاء.
ومنها: أن يصلي صلاة الاستخارة، وأن يكون يوم الخميس بكرة.
ومنها: أن لا يمشى منفردًا، وأن يكون أكثر سيره بالليل، ولا يهمل الأذكار والدعية إذا وصل منزلًا أو علا نشزًا أو هبط واديًا.
ومنها: أن يستصحب معه ما فيه مصلحته، كالسواك، والمشط، والمرآة، والمكحلة، ونحو ذلك.