قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: ١١]، فذكره فى معرض الامتنان، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٠] فجعلها نعمة، وطلب الشكر عليها، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨].
وفى الحديث أن النبى ﵌ قال: "طلب الحلال جهاد" (١) و"إن الله ليحب العبد المحترف" (٢) وفى أفراد البخارى أن النبى ﵌ قال: "ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبى الله داود كان يأكل من عمل يده".
وفى حديث آخر: "أن زكريا ﵇ كان نجارًا".
قال ابن عباس ﵄: كان آدم ﵇ حراثًا، ونوح نجارًا، وإدريس خياطًا، وإبراهيم ولوط زرًّاعين، وصالح تاجرًا، وداود زرادًا، وموسى وشعيب ومحمد صلوات الله عليهم رعاة.
وأما الآثار فروى أن لقمان الحكيم قال لابنه: يا بنى استعن بالكسب الحلال، فإنه ما افتقر أحد قط إلا أصابه ثلاث خصال: رقة فى دينه، وضعف فى عقله، وذهاب
_________________
(١) أخرجه القضاعي في "مسند الشهاب" عن ابن عباس، وأبو نعيم في "الحلية" عن ابن عمر، وفي سنده محمد بن مروان السدي الصغير، قال في "الميزان" تركوه، واتهم بالكذب، وأورد له من منكراته هذا الحديث.
(٢) رواه الطبراني وابن عدي من حديث ابن عمر، وضعفه، ورواه البيهقي وقال: تفرد به أبو الربيع عن عاصم وليسا بالقويين، وقال ابن الجوزي: حديث لا يصح، قال في "الميزان". أشعث بن سعيد أبو الربيع السمان البصري، قال أحمد: مضطرب الحديث، ليس بذاك، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال النسائي: لا يكتب حديثه، وقال الدارقطني: متروك، ثم أورد له من منكراته هذا الحديث.
[ ٨٢ ]
مروءته، وأعظم من هذه الخصال استخفاف الناس به.
وقيل لأحمد بن حنبل: ما تقول فى رجل جلس فى بيته أو مسجده وقال: لا أعمل شيئا حتى يأتيني رزقي؟ فقال أحمد: هذا رجل جهل العلم، أما سمع قول النبى ﵌: "إن الله جعل رزقي تحت ظل رمحى"، وقال حين ذكر الطير: "تغدو خماصًا وتروح بطانًا".
وكان أصحاب رسول الله ﵌، يَتّجرون فى البر والبحر، ويعملون فى نخلهم، والقدوة بهم.
وقال أبو سليمان الداراني: ليس العبادة عندنا أن تصف قدميك وغيرك يتعب لك، ولكن أبدأ برغيفيك فاحرزهما ثم تعبد، فان قيل: قال أبوالدرداء: زاولت التجارة والعبادة فلم يجتمعا، فاخترت العبادة؟ فالجواب: أنا لا نقول: إن التجارة لا تراد لذاتها، بلا للاستغناء عن الناس، وإغناء العائلة، وإفاضة الفضل على الإخوان، فأما إن كان المقصود نفس المال وجمعه، والتفاخر ونحو ذلك، فهو مذموم، وليكن العقد الذى به الاكتسابجامعًا لأمور أربعة: الصحة، والعدل، والإحسان، والشفقة على الدين.
الأمر الأول: فى الصحة، فان كان العقد بيعا، فله ثلاثة أركان: العاقد والمعقود عليه، واللفظ.
الركن الأول: أما العاقد، فينبغي للتاجر أن لا يعامل المجنون، لأنه غير مكلف، فلا يصح بيعه، ولا يعامل العبد إلا أن يعلم أنه مأذون له، وكذلك الصبى لا يعامل إلا أن يكون قد أذن له الأب أو الوصى، فيصير بمنزلة العبد المأذون له، وعند الشافعي لا تصح عقود الصبى، ومعاملة الأعمى عندنا صحيحة، يصح بيعه وشراؤه، وعند الشافعي لا تصح.
وأما الظَّلمة ومن أكثرُ مالِهِ حرامُ، فلا ينبغي أن يعامل إلا فى شئ يعرف أن عينه حلال.
الركن الثاني: المعقود عليه، وهو المال المقصود نقله، ولا يجوز بيع الكلب، لأنه نجس العين. فأما البغل والحمار فيجوز بيعهما، سواء قلنا: إنهما طاهران أو نجسان، ولا يجوز بيع الحشرات، ولا بيع العود والمزمار، والصور
[ ٨٣ ]
المصنوعة من الطين ونحوه، ولا يجوز بيع ما لا يقدر على تسليمه حِسًا ولا شرعًا، وأما الحِسُ فكالطير فى الهواء، والعبد الآبق ونحوهما، وأما الشرع فكالمرهون، وبيع الأم دون الولد الصغير، أو الولد دون الأم، فهذا ممنوع تسليمه شرعًا.
الركن الثالث: اللفظ، وهو الإيجاب والقبول، فان تقدم القبول للإيجاب لم يصح فى إحدى الروايتين، ويصح فى الأخرى، سواء كان بلفظ الماضي أو بلفظ الطلب، فان تبايعا بالمعاطاة، فظاهر كلام أحمد صحة البيع.
وقال القاضي أبو يعلى: لا يصح ذلك إلا فى الأشياء اليسيرة، وهذا أصلح الأقوال، أعنى أن تكون المعاطاة فى الأشياء المْحَقرة دون النفيسة، لجريان العادات بذلك، وينبغى من طريق الورع أن لا يترك الإيجاب والقبول ليخرج عن شبهة الخلاف، وقد شدد الله تعالى فى أمر الربا، فينبغي أن يحذر من الوقوع فيه، وهو قسمان: ربا الفضل، وربا النسيئة، فينبغي أن يعرف ذلك وما يجرى فيه الربا، ويحتاج أيضًا أن يعرف شروط السلم، والإجارة والمضاربة، والشركة، فان المكاسب لا تنفك عن هذه العقود المذكورة.