وقد ورد في الحديث أن النبي ﵌ كان يقول: "يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، يا مصرف القلوب اصرف قلبنا إلى طاعتك".
وفى حديث آخر: "مثل القلب كمثل ريشة بأرض فلاة تقلبها الرياح" (١).
واعلم: أن القلوب في الثبات على الخير والشر والتردد بينهما ثلاثة:
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (٨٨) من حديث أبي موسى الأشعري، وفي سنده يزيد الرقاشي وهو ضعيف، وأخرجه البغوي في "شرح السنة" (٨٧) وسنده صحيح، رواه أحمد ٤/ ٤٠٨ بسندين صحيحين ولفظ الأول "مثل القلب كمثل ريشة معلقة في أصل شجرة يقلبها الريح ظهرًا لبطن" ولفظ الثاني "إن هذا القلب كريشة بفلاة من الأرض تفيئها الريح ظهرًا لبطن".
[ ١٥٠ ]
القلب الأول: قلب عَمُرَّ بالتقوى، وزكى بالرياضة، وطهر عن خبائث الأخلاق، فتتفرج فيه خواطر الخير من خزائن الغيب، فيمده الملك بالهدى.
القلب الثاني: قلب مخذول، مشحون بالهوى، مندس بالخبائث، ملوث بالأخلاق الذميمة، فيقوى فيه سلطان الشيطان لاتساع مكانه، ويضعف سلطان الإيمان، ويمتلئ القلب بدخان الهوى، فيعدم النور، ويصير كالعين الممتلئة بالدخان، لا يمكنها النظر، ولا يؤثر عنده زجر ولا وعظ.
والقلب الثالث: قلب يبتدئ فيه خاطر الهوى، فيدعوه إلى الشر، فيلحقه خاطر الإيمان فيدعوه إلى الخير.
مثاله، أن يحمل الشيطان حملة على العقل، ويقوى داعي الهوى ويقول: أما ترى فلانًا وفلانًا كيف يطلقون أنفسهم في هواها، حتى يعد جماعة من العلماء، فتميل النفس إلى الشيطان، فيحمل الملك حملة على الشيطان، ويقول: هل هلك إلا من نسى العاقبة، فلا تغتر بغفلة الناس عن أنفسهم، أرأيت لو وقفوا في الصيف في الشمس ولك بيت بارد، أكنت توافقهم أم تطلب المصلحة؟ أفتخالفهم في حر الشمس، ولا تخالفهم فيما يؤول إلى النار؟ فتميل النفس إلى قول الملك، ويقع التردد بين الجندين، إلى أن يغلب على القلب ما هو أولى به، فمن خلق للخير يسر له، ومن خلق للشر يسر له: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه.