الورد الأول: إذا غربت الشمس إلى وقت العشاء، فإذا غربت صلى المغرب واشتغل بإحياء ما بين العشاءين، فقد روى أنس ﵁ في قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦]. أن هذه الآية نزلت في أصحاب رسول الله ﵌، كانوا يصلون بين المغرب والعشاء.
وعن أبى هريرة، قال: قال رسول الله ﵌: "من صلى بعد المغرب ست ركعات ولم يتكلم فيما بينهن بسوء، عدلن له بعبادة اثنتي عشرة سنة". رواه الترمذى (١).
الورد الثانى: من غيبوبة الشفق الأحمر إلى وقت النوم، يستحب أن يصلى بين الأذانين ما أمكنه، وليكن في قراءته: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ [السجدة: ١ - ٢] و﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [تبارك: ١]. فقد كان رسول الله ﵌ لا ينام حتى يقرأهما.
وفى حديث آخر، عن ابن مسعود ﵁، أن رسول الله ﵌ قال: "من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة" (٢).
الورد الثالث: الوتر قبل النوم، إلا من كان عادته القيام بالليل، فإن تأخيره في حقه أفضل، قالت عائشة ﵂ من كل الليل قد أوتر رسول الله ﵌، من أول الليل، وأوسطه، وآخره، فانتهى وتره إلى السحر. متفق عليه، ثم ليقل بعد الوتر: "سبحان الملك القدوس" ثلاث مرات.
الورد الرابع: النوم، وإنما عددناه من الأوراد، لأنه إذا روعيت آدابه وحسن
_________________
(١) رقم (٤٣٥) وقال. هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث زيد بن حباب عن عمر بن أبي خثعم، وسمعت محمد ابن اسماعيل البخاري يقول: عمر بن عبد الله ابن أبي خثعم منكر الحديث وضعفه جدًا.
(٢) أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" وفي سنده أبو شجاع، قال الذهبي في "الميزان": نكرة لا يعرف، ثم أورد هذا الخبر من حديثه عن ابن مسعود، قال ابن الجوزي في "العلل" قال أحمد: هذا حديث منكر، وقال الزيلعي تبعًا لجمع: هو معلول من وجوه، أحدها: الانقطاع كما بينه الدارقطني وغيره، الثاني نكارة متنه، كما ذكره أحمد، الثالث: ضعف رواته كما قال ابن الجوزيَ، الرابع: اضطرابه وقد أجمع على ضعفه أحمد، وأبو حاتم، وابنه، والدارقطني، والبيهقي وغيرهم.
[ ٦١ ]
المقصود به احتسب عبادة. وقد قال معاذ ﵁: إني لأحتسب في نومتى كما أحتسب في قومتى.
فمن أداب النوم: أن ينام على طهارة، لما روت عائشة ﵂، أن رسول الله ﵌ كان إذا أراد أن ينام يتوضأ وضوءه للصلاة.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: إن الأرواح يعرج بها في منامها إلى السماء فتؤمر بالسجود عند العرش، فما كان منها طاهرًا سجد عند العرش، وما كان ليس بطاهر سجد بعيدًا عن العرش.
ومن آدابه أن يتوب قبل نومه، لأنه ينبغي لمن طهر ظاهره أن يطهر باطنه، لأنه ربما مات في نومه.
ومنها: أن يزيل كل غش في قلبه لمسلم، ولا ينوى ظلمه، ولا يعزم على خطيئة إذا استيقظ.
ومنها: أن لا يبيت من له شئ يوصى به إلا ووصيته مكتوبة عنده، لأن في "الصحيحين" من حديث ابن عمر ﵄ عن النبى ﵌ أنه قال: "ما حق امرئ مسلم له شئ يوصى فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده".
وينبغى له أيضا أن لا يبالغ فت تمهيد الفراش متنعمًا بذلك، فإنه يزيد في النوم، فإن النبى ﵌ ثنى له فراشة فقال: "منعتني وطأته صلاتي الليلة". وينبغى أن لا ينام حتى يغلبه النوم، فقد كان السلف لا ينامون إلا غلبة.
ومن آدابه أن يستقبل القبلة وأن يدعو بما ورد في الأحاديث في ذلك، أن ينام على جنبه الأيمن، فمما جاء في ذلك ما روى أبو هريرة ﵁، عن النبى ﵌ أنه قال: "إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفضه بداخلة إزارة، فإنه لا يدرى ما حدث بعده". فإذا وضع جنبه فليقل: "باسمك ربى وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت
[ ٦٢ ]
نفسي فاغفر لها، وإن أرسلتها فاحفظها (١) بما تحفظ به عبادك الصالحين" أخرجاه في "الصحيحين".
وفى "الصحيحين" أيضًا، من حديث عائشة، أن النبى ﵌ كان إذا آوى إلى فراشه كل ليلة، جمع كفيه ثم نفخ فيهما وقرأ فيهما: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ثم مسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات.
وفيهما من حديث البراء بن عازب ﵁، أن رسول الله ﵌ قال: "إذا أتيت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن ثم قل: اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك آذى أرسلت، فإنك إن مت ليلتك مت على الفطرة، وإن أصبحت أصبت خيرًا".
وعن على ﵁، أن رسول الله ﵌ قال له ولفاطمة: "إذا أخذتما مضاجعكما أو أويتما إلى فراشكما، فسبحا الله ثلاثًا وثلاثين، واحمداه ثلاثًا وثلاثين، وكبراه أربعًا وثلاثين، فهو خير لكما من خادم" متفق عليه.
وحديث أبى هريرة في حفظ زكاة رمضان مشهور، وفيه أن شيطانًا قال له: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربه شيطان. فأخبر رسول الله ﵌ فقال: "أما إنه قد صدقك وهو كذوب".
وفي أفراد مسلم أن النبى ﵌ كان إذا أوى إلى فراشه قال: "الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا، وكفانا وآوانا، فكم ممن لا كافى له ولا مأوى".
فإن استيقظ للتهجد، فليدع بدعاء رسول الله ﵌: "اللهم ربنا لك الحمد، أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاءك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد حق،
_________________
(١) هذه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾.
[ ٦٣ ]
والساعة حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لى ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت" وفى رواية: "وما أنت أعلم به منى، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت" متفق عليه.
وليجتهد أن يكون آخر كلامه عند النوم ذكر الله تعالى، وأول ما يجرى على لسانه عند التيقظ ذكر الله تعالى، فهاتان علامتان على الإيمان.
الورد الخامس من أوراد الليل: يدخل بمضي النصف الأول إلى أن يبقى من الليل سدسه، وذلك وقت شريف. قال أبو ذر ﵁: سألت رسول الله ﵌: أي صلاة الليل أفضل؟ فقال: "نصف الليل أو جوف الليل، وقليل فاعله (١) "
وروى أن داود ﵇ قال: يا رب، أية ساعة أقوم لك؟ فأوحى الله تعالى إليه: يا داود لا تقم أول الليل ولا آخرة، ولكن قم في شطر الليل حتى تخلو بى وأخلو بك، وارفع إلىَّ حوائجك.
فإذا قام إلى التهجد، قرأ العشر آيات من آخر سورة ﴿آل عمران﴾، كما روى في "الصحيحين" أن النبى ﵌ فعل ذلك، وليدع بما سبق من دعائه ﵌ عند قيامه من الليل، ثم يستفتح صلاته بركعتين خفيفتين، لما روى أبو هريرة ﵁، عن النبى ﵌ أنه قال: " إذا قام أحدكم يصلى بالليل، فليبدأ بركعتين خفيفتين " رواه مسلم، ثم يصلى مثنى مثنى، وأكثر ما روى عن النبى ﵌ أنه كان يصلى من الليل ثلاث عشرة ركعة مع الوتر، وأقلهن سبع.
الورد السادس من الليل: السدس الأخير وهو وقت السحر، قال الله تعالى: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨].
_________________
(١) أخرجه حميد بن زنجويه، ومحمد بن نصر المروزي في "قيام الليل" ص ٣٥، وفي سنده أبو مسلم الجذمي لم يوثقه غير ابن حبان، لكن يتقوى بما روى الجماعة إلا البخاري من حديث أبي هريرة قال: سئل رسول الله ﷺ أي الصلاة أفضل؟ قال. "الصلاة في جوف الليل" وبما روى الترمذي (٣٥٧٤) وغيره من حديث عمرو بن عبسة أنه سمع النبي ﷺ يقول. "أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله تعالى فى تلك الساعة فكن" وسنده حسن، وصححه الترمذي وابن خزيمة.
[ ٦٤ ]
وفى الحديث: إن قراءة الرجل آخر الليل محضورة.
وجاء طاووس إلى رجل وقت السحر فقالوا: هو نائم، فقال: ما كنت أرى أن أحدًا ينام وقت السحر.
فإذا فرغ المريد من صلاة السحر، فليستغفر الله ﷿. وروى عن ابن عمر ﵄ أنه كان يفعل ذلك.