فمن حقوق المسلم: أن تسلم عليه إذا لقيته، وتجيبه إذا دعاك، وتشتمه إذا عطس، وتعوده إذا مرض، وتشهد جنازته إذا مات، وتبر قسمه، وتنصح له إذا استنصحك، وتحفظه بظهر الغيب إذا غاب، وتحب له ما تحب لنفسك، وتكره له ما تكره لنفسك. وجميع هذا منقول في الآثار.
ومنها: أن لا تؤذى أحدًا من المسلمين بقول ولا فعل، وأن تتواضع للمسلمين، فلا تتكبر عليهم، ولا تسمع بلاغات الناس بعضهم في بعض، ولا تبلغ بعضهم ما تسمع من بعض.
ومنها: أن لا تزيد في الهجرة على ثلاثة أيام لمن تعرفه، للحديث المشهور في ذلك.
وفى حديث آخر عن أبى هريرة ﵁ عن النبي ﵌ قال: "لا يحل لمؤمن أن يهجر مؤمنًا فوق ثلاثة أيام، فإذا مرت به ثلاثة أيام فلقيه فليسلم عليه، فإن رد ﵇، فقد اشتركا في الأجر، وأن لم يرد عليه فقد برئ المسلم من الهجرة".
واعلم: أن هذه الهجرة إنما هى فيما يتعلق بالدنيا، أما حق الدين، فإن هجران
[ ١٠٥ ]
أهل البدع والأهواء والمعاصى ينبغى أن تدوم، ما لم تظهر منهم التوبة والرجوع إلى الحق.
ومنها: أن يحسن إلى كل من يقدر أن يحسن إليه من المسلمين ما استطاع، وأن لا يدخل على أحد منهم إلا باذنه، ويستأذن ثلاثًا فإن لم يأذن انصرف.
ومنها: أن يخالق الناس بخلق حسن، وذلك أن يعامل كلًا منهم بحسب طريقته، فإنه متى لقى الجاهل بالعلم، واللاهى بالفقه، والغبى بالبيان، أذى وتأذى.
ومنها: أن يوقر المشايخ، ويرحم الصبيان، وأن يكون مع الخلق كافة طلق الوجه رقيقًا، وأن يفي لهم بالوعد، وينصف الناس من نفسه، ولا يأتى إليهم إلا ما يجب أن يؤتى إليه.
قال الحسن: أوحى الله إلى آدم ﵇ أربع كلمات، وقال: فيهن جماع الأمر لك ولولدك: واحدة لى، وواحدة لك، وواحدة بينى وبينك، وواحدة بينك وبين الخلق. فأما التى لى: فتعبدنى لا تشرك بى شيئًا. وأما التى لك: فعملك أجزيك به أفقر ما تكون إليه. وأما التى بينى وبينك: فعليك الدعاء وعلى الإجابة. وأما التى بينك وبين الناس: فتصحبهم بالذى تحب أن يصحبوك به.
ومنها زيادة توقير ذوي الهيئات.
ومنها: إصلاح ذات البين، وستر عورات المسلمين.
واعلم: أنه من تأمل ستر الله تعالى على العصاة في الدنيا اقتدى بلطفه، فإنه جعل الشهادة في الزنى أن يشهد أربعة من العدول أنهم شهدوا ذلك كالميل في المكحلة، وهذا لا يتفق، ومن هذا أثر كرمه في الدنيا يرجى منه ذلك في الآخرة.
ومنها: أن يتقى مواضع التهم، صيانة لقلوب الناس عن سوء الظن به، وألسنتهم عن غيبته.
ومنها أن يشفع لكل من له حاجة من المسلمين إلى من له عنده منزلة، ويسعى في قضاء حوائجهم.
ومنها: أن يبدأ بالسلام كل مسلم قبل أن يكلمه، ومن السنة المصافحة. فقد روى عن أنس ﵁، عن النبي ﵌ أنه قال: "ما من
[ ١٠٦ ]
مسلمين التقيا، فأخذ أحدهما بيد صاحبه، إلا كان حقًا على الله ﷿ أن يحضر
دعاءهما، وأن لا يفرق بين أيديهما حتى يغفر لهما".
وفى حديث آخر: "إذا صافح المؤمن المؤمن نزلت عليهما مائة رحمة، تسعة وتسعون لأبشهما وأحسنهما خلقًا" (١).
ولا بأس بتقبيل يد المعظم في الدين، ولا بأس بالمعانقة. وأما الخذي بالركاب لتوقير العلماء، فقد فعل ذلك ابن عباس بزيد بن ثابت ﵄، والقيام على سبيل الإكرام لأهل الفضل حسن، وأما الانحناء فمنهى عنه.
ومنها: أن يصون عرض أخيه المسلم ونفسه وماله عن ظلم الغير، ويناضل دونه وينصره.
ومنها: أنه إذا ابتلى بذي شر، فينبغى أن يجامله ويتقيه، لحديث عائشة ﵂.
وقال محمد بن الحنفية: ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بدًا، حتى يجعل الله ﷿ له فرجًا.
ومنها: أن يجتنب مخالطة الأغنياء، ويختلط بالمساكين، ويحسن إلى الأيتام.
ومنها: عيادة مرضاهم.
ومن آداب العائد: أن يضع يده على المريض، يسأله كيف هو، ويخفف الجلوس، ويظهر الرقة، ويدعو له بالعافية، ويغض البصر عن عورات المكان.
ويستحب للمريض أن يفعل ما أخرجه مسلم في أفراده، من حديث عثمان بن أبى العاص ﵁ أنه شكا إلى رسول الله ﵌ وجعًا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله ﵌: "ضع يدك على الذي يألمك
من جسدك وقل: بسم الله ثلاثًا، وقل سبع مرات: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما
أجد وأحاذر".
وجملة آداب المريض: حسن الصبر، وقلة الشكوى والتضجر، والفزع إلى
_________________
(١) قال الحافظ العراقي: رواه البراز في "مسنده" والخرائطي في "مكارم الأخلاق" والبيهقي في "الشعب" وفي إسناده نظر.
[ ١٠٧ ]
الدعاء، والتوكل على الله سبحانه.
ومنها: أن يشيع جنائزهم، ويزور قبورهم.
والمقصود من التشييع: قضاء حق المسلمين، والاعتبار.
قال الأعمش: كنا نحضر الجنائز، فلا ندرى من نعزى لحزن القوم كلهم.
والمقصود من زيارة القبور: الدعاء، والاعتبار، وترقيق القلب.
ومن آداب تشييع الجنائز: المشي، ولزوم الخشوع، وترك الحديث، وملاحظة الميت، والتفكير في الموت، والاستعداد له.
وأما حقوق الجار: فاعلم أن الجوار يقتضى حقًا وراء ما تقتضيه أخوة الإسلام فيستحق ما يستحقه كل مسلم وزيادة، وجاء في الحديث: "إن الجيران ثلاثة: جار له حق واحد. وجار له حقان: فالجار المسلم، له حق الإسلام، وحق الجوار. وأما الذي له حق واحد: فالجار المشرك" (١).
واعلم: انه ليس حق الجوار كف الأذى فقط، بل احتمال الأذى والرفق، وابتداء الخير، وأن يبدأ جاره بالسلام، ولا يطيل مهم الكلام، ويعوده في المرض، ويعزيه في المصيبة، ويهنئه في الفرح، ويصفح عن زلاته، ولا يطلع إلى داره، ولا يضايقه في وضع الخشب على جداره، ولا في صب الماء في ميزابه، ولا في طرح التراب في فنائه، ولا يتبعه النظر فيما يحمله إلى داره، ويستر ما ينكشف من عوراته، ولا يتسمع عليه كلامه، ويغض طرفه عن حرمه، ويلاحظ حوائج أهله إذا غاب.