أما المتعلم فينبغي له تقديم طهارة النفسعن رذائل الأخلاق ومذموم الصفات. إذ العلم عبادة القلب.
وينبغى له قطع العلائق الشاغلة، فان الفكرة متى توزعت قصرت عن إدراك الحقائق.
وقد كان السلف يؤثرون العلم على كل شىء، فروى عن الإمام أحمد ﵀ أنه لم يتزوج إلا بعد الأربعين.
وأهديت إلى أبى بكر الأنبارى جارية، فلما دخلت عليه تفكر فى استخراج مسألة فعزبت عنه، فقال: أخرجوها إلى النخاس، فقالت: هل من ذنب؟ قال: لا، إلا أن قلبي اشتغل بك، وما قدر مثلك أن يمنعني علمي.
وعلى المتعلم أن يلقى زمامه إلي المعلم اللقاء المريض زمامه إلي الطبيب، فيتواضع له، ويبالغ فى خدمته.
وقد كان ابن عباس ﵁ يأخذ بركاب زيد بن ثابت ﵁ ويقول: هكذا أمرنا أن نفعل بالعلماء.
_________________
(١) رواه الطبراني في "الأوسط" وابن عدي في "الكامل" والبيهقي في "شعب الإيمان" وهو ضعيف جدًا.
[ ٢١ ]
ومتى تكبر المتعلم أن يستفيد من غير موصوف بالتقدم فهو جاهل، لأن الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها، وليدع رأيه لرأى معلمه فان خطأ المعلم أنفع للمتعلم من صواب نفسه.
قال على ﵁: إن من حق العالم عليك أن تسلم على القوم عامة، وتخصه بالتحية، وأن تجلس أمامه، ولا تشير عنده بيدك، ولا تغمزن بعينك، ولا تكثر عليه السؤال، ولا تعينه فى الجواب، ولا تلح عليه إذا كسل، ولا تراجعه إذا امتنع، ولا تأخذ بثوبه إذا نهض، ولا تفشى له سرًا، ولا تغتابن عنده أحدًا، ولا تطلبن عثرته، وان زل قبلت معذرته، ولا تقولن له: سمعت فلانا يقول كذا، ولا أن فلانًا يقول خلافك. ولا تصفن عنده عالمًا، ولا تعرض من طول صحبته، ولا ترفع نفسك عن خدمته، وإذا عرضت له حاجة سبقت القوم إليها، فإنما هو بمنزلة النخلة تنتظر متى يسقط عليك منها شئ.
وينبغى أن يحترز الخائض فى العلم فى مبدأ الأمر من الإصغاء إلى اختلاف الناس، فإن ذلك يحير عقله ويفتر ذهنه.
وينبغى له أن يأخذ من كل شئ أحسنه. لأن العمر لا يتسع لجميع العلوم، ثم يصرف جُمَام قوته إلى أشرف العلوم، وهو العلم المتعلق بالآخرة، الذى به يكتسب اليقين الذى حصله
أبو بكر الصديق ﵁، حتى شهد له رسول الله ﵌ فقال: "ما سبقكم أبو بكر بكثرة صوم ولا صلاة، ولكن بشيء وقر فى صدره" (١) فهذه وظائف المتعلم.
وأما المعلم فعليه وظائف أيضًا:
من ذلك الشفقة على المتعلمين، وأن يجريهم مجرى بنيه، ولا يطلب على إفاضة العلم أجرًا، ولا يقصد به جزاءًا ولا شكرًا، بل يعلم لوجه الله تعالى، ولايرى لنفسه منة على المتعلمين، بل يرى الفضل لهم إذ هيؤوا قلوبهم للتقرب إلى الله تعالى بزارعة العلم فيها، فهم كالذي يعير الأرض لمن يزرع فيها
_________________
(١) خبر موضوع أورده ابن القيم ﵀ في "المنار المنيف" ص ١١٥ تحت قوله: ومما وضعه جهلة المنتسبين إلى السنة في فضائل الصديق ﵁. وقال: وهذا من كلام أبي بكر بن عياش، ونقله عنه ملا علي القاري في "الأسرار المرفوعة" ص ٤٧٦ وأقره. وجاء في "المقاصد الحسنة" للسخاوي وغيره من كتب الموضوعات أنه من قول بكر بن عبدالله المزني.
[ ٢٢ ]
فلا ينبغي أن يطلب المعلم الأجر إلا من الله تعالى. وقد كان السلف يمتنعون من قبول هدية المتعلم.
ومنها أن لا يدخر من نصح المتعلم شيئًا، وأن يزجره عن سوء الأخلاق بطريق التعريض مهما أمكن، لا على وجه التوبيخ، فإن التوبيخ يهتك حجاب الهيبة.
ومنها: أن ينظر فى فهم المتعلم ومقدار عقله، فلا يلقي إليه مالا يدركه فهمه ولا يحيط به عقله.
فقد روي عن النبى ﵌ أنه قال: "أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم" (١).
وقال علي ﵁: إن هاهنا علمًا لو وجدت له حملته.
وقال الشافعي ﵀:
أأنثر درًا بين سارحة النعم أأنظم منثورًا لراعية الغنم
ومن منح الجهال علمًا أضاعه ومن منع المستوجبين فقد ظلم
ومنها: أن يكون المعلم عاملًا بعلمه. ولا يكذب قوله فعله. قال الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرونَ النَّاسَ بِالبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُم وَأَنْتُم تَتْلُونَ الكَتابَ﴾ [البقرة: ٤٤]
وقال علي ﵁: قصم ظهري رجلان: عالم متهتك، وجاهل متنسك.