اعلم: أن طلب الحلال فرض على كل مسلم، وقد ادعى كثير من الجهال عدم الحلال، وقالوا: لم يبق منه إلا الماء الفرات، والحشيش النبات، وماعدا ذلك فقد أفسدته المعاملات الفاسدة، فلما وقع لهم هذا، وعلموا أنه لا بد لهم من الأقوات توسعوا في الشبهة والحرام، وهذا من الجهل، وقلة العلم، فإن في "الصحيحين" من حديث النعمان بن بشير ﵁، أن النبى ﵌ قال:
[ ٨٦ ]
"الحلال بين، والحرام بين، وبينها أمور مشتبهات".
ولما كانت هذه الدعوى من هؤلاء الجهال بدعة قد عم ضررها، واستطار فى الدين شررها، وجب كشف الغطاء عن فسادها بالإرشاد إلى مدرك الفرق بين الحلال والشبهة.
ونحن نوضح ذلك في أقسام:
القسم الأول: في فضيلة طلب الحلال، وذم الحرام، ودرجات الحلال والحرام. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١]، والطيبات: الحلال، فأمر بذلك قبل العمل، وقال في ذم الحرام: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، إلى غير ذلك من الآيات.
وعن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: "يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا" وذكر الحديث إلى قوله: "ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء، يارب يارب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذى بالحرام، فأنى يستجاب لذلك" رواه مسلم. وروي في ذلك غير حديث.
وروى أن سعدًا سأل رسول الله ﵌ أن تستجاب دعوته، فقال له "أطب طعمتك تستجب دعوتك" (١).
وقد كان السلف ينظرون في الحلال ويدققون فيه، فأكل أبو بكر الصديق ﵁ شيئًا من شبهة ثم قاءه (٢).