﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] ينفتِحْ لك بابٌ عظيمٌ من معرفة الرّبِّ ﵎ إن (^١) لم يُغلِقْه عنك التّعطيل والتّجهُّم.
وصفاتُ العدل، والقبض والبسط، والخفض والرّفع، والإعطاء (^٢) والمنع، والإعزاز والإذلال، والقهر والحكم، ونحوها= أخصُّ باسم المَلِك. وخَصَّه بيوم الدِّين ــ وهو الجزاء بالعدل ــ لتفرُّده بالحكم فيه وحده، ولأنّه اليوم الحقُّ، وما قبله كساعةٍ، ولأنّه الغاية، وأيّام الدُّنيا مراحل إليه.
فصل
وتأمَّلْ ارتباطَ الخلق والأمر بهذه الأسماء الثّلاثة ــ وهي "الله"، و"الرَّبُّ"، و"الرَّحمن" ــ كيف نشأ عنها الخلق، والأمر، والثّواب، والعقاب! وكيف جَمَعت الخلقَ وفرَقَتهم! فلها الجمع والفرق.
فاسم "الرّبِّ" له الجمعُ الجامعُ لجميع المخلوقات. فهو ربُّ كلِّ شيءٍ وخالقه، والقادر عليه، لا يخرج شيءٌ عن ربوبيّته. وكلُّ من في السّماوات والأرض عبد له، في قبضته (^٣)، وتحت قهره. فاجتمعوا بصفة الرُّبوبيّة. وافترقوا بصفة الإلهيّة، فألِهَه (^٤) وحدَه السُّعداءُ، وأقرُّوا له طوعًا بأنّه الله الذي لا إله إلّا هو، الذي لا ينبغي العبادة والتّوكُّل والرّجاء والخوف والحَسْب (^٥)
_________________
(١) "إن" من ع وحدها.
(٢) ما عدا الأصل: "والعطاء".
(٣) ش: "وفي قبضته".
(٤) هكذا مضبوطًا في ق، م، ش، ع.
(٥) ج: "الحب"، وكذا في ش ولعله مغيَّر. وكذا في النسخ المطبوعة، وهو تصحيف.
[ ١ / ٥٢ ]
والإنابة والإخبات والخشية والتّذلُّل والخضوع إلّا له.
وهاهنا افترق النّاس، وصاروا فريقين: فريقًا مشركين في السّعير، وفريقًا موحِّدين في الجنّة. فافترقوا بصفة إلهيته (^١)، فهي التي فرَّقتهم، كما أنّ الرُّبوبيّة هي التي جمعتهم.
فالدِّين والشّرع والأمر والنّهي: مظهره وقيامه من صفة الإلهيّة. والخلق والإيجاد والتّدبير والفعل من صفة الرُّبوبيّة. والجزاء بالثّواب والعقاب والجنّة والنّار من صفة المُلك. فهو ملك يوم الدِّين، فأمَرهم بإلهيَّته، وأعانهم ووفّقهم وهداهم وأضلّهم بربوبيّته، وأثابهم وعاقبهم بمُلكه وعدله. وكلُّ واحد من هذه الأمور لا ينفكُّ عن الآخَرَين.
وأمّا الرّحمة، فهي التّعلُّق والسَّبب الذي بين الله وبين عباده. فالتّألُّه منهم له، والرُّبوبيّة منه لهم، والرّحمة سببٌ واصلٌ بينه وبين عباده، بها أرسل إليهم رسلَه، وأنزل عليهم كتبَه، وبها هداهم، وبها أسكنهم دار ثوابه، وبها رزقهم وعافاهم وأنعم عليهم. فبينهم وبينه سببُ العبوديّة، وبينه وبينهم (^٢) سببُ الرّحمة.
واقترانُ ربوبيّته برحمته كاقتران استوائه على عرشه برحمته. فـ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] مطابقٌ لقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٢ - ٣]، فإنّ شمول الرُّبوبيّة وسعتها بحيث لا يخرج شيءٌ
_________________
(١) رسمها في الأصل: "الهيه". وهو أقرب إلى ما أثبته من ج. وفي م، ش، ع: "الإلهية".
(٢) ما عدا الأصل، ع: "وبينهم وبينه"، وكذا كان في الأصل ولكن وضعت على الكلمتين علامة التقديم والتأخير عند القراءة على المؤلف.
[ ١ / ٥٣ ]
عنها اقتضى (^١) شمول الرّحمة وسعتها، فوسع كلَّ شيءٍ بربوبيته ورحمته، مع أنّ في كونه ربًّا للعالمين ما يدلُّ على علوِّه على خلقه وكونه فوق كلِّ شيءٍ، كما يأتي بيانه عن قربٍ (^٢) إن شاء الله تعالى.
فصل
وفي (^٣) ذكر هذه (^٤) الأسماء بعد الحمد، وإيقاع الحمد على مضمونها ومقتضاها= ما يدلُّ على أنّه محمودٌ في إلهيّته، محمودٌ في ربوبيّته، محمودٌ في رحمانيّته، محمودٌ في ملكه؛ وأنّه إلهٌ محمودٌ، ربٌّ (^٥) محمودٌ، ورحمنُ محمودٌ، وملِكٌ محمودٌ. فله بذلك جميع أقسام الكمال: كمالٌ من هذا الاسم بمفرده، وكمالٌ من الآخر بمفرده، وكمالٌ من اقتران أحدهما بالآخر.
مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٦]، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء: ٢٦]، ﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ٧]. فالغنى صفة كمالٍ، والحمدُ صفة كمالٍ، واقترانُ غناه بحمده كمالٌ أيضًا. وعلمُه كمالٌ، وحكمتُه كمالٌ، واقترانُ العلم بالحكمة كمالٌ أيضًا. وقدرتُه كمالٌ، واقترانُ القدرة بالمغفرة كمالٌ.
_________________
(١) م، ش: "اختص"، ولعل مثله كان في الأصل ثم أصلح.
(٢) لم يرد "عن قرب" في ع.
(٣) ع: "في" دون الواو قبلها.
(٤) م: "وقد ذكر في هذه"، وفي هامشها أشير إلى أن في نسخة كما أثبت.
(٥) كذا "ربٌّ" دون الواو قبله في الأصل وغيره.
[ ١ / ٥٤ ]