القرآن، يقرُن بين الضَّلال والشَّقاء (^١)، وبين الهدى والفلاح. فالثّاني كقوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥]، وقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]. والأوّل كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧]، وقوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٧].
وقد جمع سبحانه بين الأمور الأربعة في قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣] فهذا الهدى والسّعادة، ثمّ قال (^٢): ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٦] فذكر الضّلال والشَّقاء. فالهدى والسّعادة متلازمان، والضّلال والشّقاء متلازمان.
فصل
وذكر الصِّراط المستقيم مفردًا معرَّفًا تعريفين: تعريفًا باللّام، وتعريفًا بالإضافة؛ وذلك يفيد تعيينه واختصاصه وأنّه صراطٌ واحدٌ. وأمّا طرق أهل الغضب والضّلال فإنّه سبحانه يجمعها ولا يفردها، كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. فوحَّد لفظ (^٣) صراطه وسبيله، وجمَعَ السُّبل المخالفة له.
_________________
(١) ش: "والشقاوة".
(٢) "فهذا قال" ساقط من ش.
(٣) ش: "لفظة".
[ ١ / ٢١ ]
وقال ابن مسعودٍ - ﵁ -: خطَّ لنا رسولُ الله - ﷺ - خطًّا، وقال: "هذا سبيل الله". ثمّ خطَّ خطوطًا عن يمينه وعن يساره، وقال: "هذه سُبلٌ، على كلِّ سبيلٍ شيطانٌ يدعو إليه". ثمّ قرأ قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] (^١).
وهذا لأنَّ الطَّريق المُوصِل إلى الله واحد (^٢)، وهو ما بعث به رسلَه وأنزل به كتبَه، لا يُوصَل إليه إلّا من هذا (^٣) الطّريق. ولو أتى النّاسُ من كلِّ طريقٍ، أو استفتحوا من كلِّ بابٍ، فالطُّرق عليهم مسدودةٌ، والأبواب في وجوههم مغلقةٌ إلّا هذا الطّريقَ الواحدَ، فإنّه متّصلٌ بالله تعالى، موصِلٌ إلى الله تعالى.
قال تعالى: ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١]. قال الحسن - ﵁ -: معناه: صراطٌ إليّ مستقيمٌ (^٤). وهذا يحتمل أمرين: أحدهما أن يكون أراد به أنّه من باب إقامة الأدوات بعضِها مقامَ بعضٍ، فقامت أداة "على" مقام "إلى". والثّاني: أنّه أراد التّفسير على المعنى، وهو الأشبه بطريق
_________________
(١) أخرجه أحمد (٤١٤٢، ٤٤٣٧) والدارمي (٢٠٨) والنسائي في "الكبرى" (١١١٠٩) وابن حبان (٦، ٧) والحاكم (٢/ ٢٣٩، ٣١٨) وغيرهم بإسناد حسن. وانظر: "طريق الهجرتين" (١/ ٣٨٣).
(٢) ع: "واحدة".
(٣) ع: "هذه".
(٤) أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٧٠).
[ ١ / ٢٢ ]
السّلف، أي صراطٌ يُوصِل (^١) إليّ. وقال مجاهد - ﵁ -: الحقُّ يرجع إلى الله، وعليه طريقه، لا يعرِّج على شيءٍ (^٢). وهذا مثل قول الحسن وأبين منه، وهو من أصحِّ ما قيل في الآية. وقيل: "على" فيه للوجوب، أي عليَّ بيانه وتعريفه والدِّلالة عليه. والقولان نظير القولين في آية النّحل ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [الآية: ٩]، والصّحيح فيها كالصّحيح في آية الحِجْر: أنّ السّبيل القاصد ــ وهو: المستقيم المعتدل ــ يرجع إلى الله، ويُوصِل إليه. قال طفيلٌ الغَنَويُّ (^٣):
مضوا سلفًا قصدُ السَّبيل عليهِمُ وصرفُ المنايا بالرِّجال تقَلَّبُ
أي ممرُّنا (^٤) عليهم، وإليهم وصولنا. وقال الآخر:
فهنَّ المنايا أيُّ وادٍ سلكتُه (^٥) عليها طريقي أو عليَّ طريقُها (^٦)
_________________
(١) هذا في ل. ومثله كان في ق ــ فيما يظهر ــ ثم أصلحه بعضهم: "مُوصِل" كما في النسخ الأخرى.
(٢) أخرجه الطبري (١٤/ ٧٠).
(٣) يرثي فرسان قومه، من قصيدة في "ديوانه" (ص ٤٠) و"الوحشيات" (ص ١٢٦). والبيت في "المعاني الكبير" (٣/ ١٢١٣) و"تهذيب اللغة" (١٢/ ٤٣١) و"البسيط" للواحدي (٦/ ٤٠٨).
(٤) هكذا في ل، ع. ويبدو أن في ق مثله، ولكنه غيِّر إلى "مررنا" كما في النسخ الأخرى. وفي ش غيِّر "مررنا" إلى "مرورنا"، فإن معنى البيت عليه.
(٥) ع: "سلكنَه".
(٦) أنشده شيخ الإسلام. "مجموع الفتاوى" (١٥/ ٢١٤). وقد أنشده المؤلف في "بدائع الفوائد" (١/ ٢٠٩) أيضًا، وذكر أنه قرَّر هذا المعنى وبيَّن شواهده من القرآن في كتابه "التحفة المكِّيَّة".
[ ١ / ٢٣ ]
فإن قيل: لو أريد هذا المعنى لكان الأليق به أداة "إلى" التي هي للانتهاء، لا أداة "على" التي هي للوجوب. ألا ترى أنّه لمّا أراد الوصول قال: ﴿(٢٤) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا﴾ (^١) [الغاشية: ٢٥ - ٢٦]، وقال: ﴿إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ [يونس: ٧٠]، ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨]؛ وقال لمّا أراد الوجوب: ﴿(٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا﴾ [الغاشية: ٢٦]، ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧]، ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] ونظائر ذلك؟
قيل: في ذكر أداة "على" سرٌّ لطيفٌ، وهو الإشعار بكون السّالك على هذا الصِّراط على هدًى وحقٍّ مع وصوله إلى الله تعالى؛ فغايتُه الوصول إلى الله، وهو في حال استقامته على هدًى (^٢) وعلى حقٍّ؛ كما قال في حقِّ المؤمنين: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥]. وقال لرسوله - ﷺ -: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩]. والله ﷿ هو الحقُّ، وسراطه (^٣) حقٌّ، ودينه حقٌّ، فمن استقام على صراطه فهو على الحقِّ والهدى. وكان (^٤) في دلالة أداة "على" على هذا المعنى ما ليس في أداة "إلى" (^٥) فتأمّله، فإنّه سرٌّ بديعٌ.
_________________
(١) لم ترد الآية الثانية هنا في ع، وذلك أنسب. وفيها بعد الآية الأولى: "ثم قال".
(٢) العبارة: "وحقٍّ مع وصوله على هدًى" ساقطة من ع لانتقال النظر.
(٣) كذا في ق، ل بالسين هنا وبالصاد فيما يأتي. وفي غيرهما بالصاد في الموضعين.
(٤) كذا في جميع النسخ غير أن ل كان فيها "فكان" ــ فيما يظهر ــ ثم أصلح إلى "وكان"، والأول أشبه.
(٥) ش: "في دلالة إلى". وقد كتب بعضهم في هامش م: "دلالة" مع إشارة اللحق بعد "في". يعني: "في دلالة أداة (إلى) ".
[ ١ / ٢٤ ]
فإن قلت: فما الفائدة في ذكر "على" في ذلك أيضًا؟ وكيف يكون المؤمن مستعليًا على الحقِّ وعلى الهدى؟
قلت: لما فيه من استعلائه وعلوِّه بالحقِّ والهدى، مع ثباته عليه، واستقامته عليه. فكان في الإتيان (^١) بأداة "على" ما يدلُّ على علوِّه وثباته واستقامته؛ فإنَّ طريقَ الحقِّ تأخذ عُلْوًا صاعدةً (^٢) إلى العليِّ الكبير، وطريقَ الضلال تأخذ سُفْلًا هاويةً في أسفل سافلين (^٣). وهذا بخلاف الضَّلال والرّيب، فإنّه يؤتى فيه بأداة "في" الدَّالَّة على انغماس صاحبه فيه، وانقماعه وتدسُّسه فيه، كقوله تعالى: ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٥]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنعام: ٣٩]، وقوله: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٤]، ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [هود: ١١٠]. وتأمّل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] (^٤).
وفي قوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١] قولٌ ثالثٌ ــ وهو قول الكسائيِّ (^٥) ــ إنّه على التّهديد والوعيد، نظير قوله تعالى: ﴿إِنَّ
_________________
(١) ش: "بالإتيان".
(٢) في ع بعدها زيادة: "بصاحبها".
(٣) ع: "هاوية بسالكها السافلين".
(٤) العبارة السابقة "فإن طريق الحق تأخذ سافلين" جاءت في ع في هذا الموضع.
(٥) "البسيط" للواحدي (١٢/ ٦٠٧)، "تفسير البغوي" (٤/ ٣٨٢). وانظر: "معاني الفراء" (٢/ ٨٩).
[ ١ / ٢٥ ]
رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] كما يقال: طريقك عليّ، وممرُّك عليّ، لمن تريد إعلامه بأنّه غير فائتٍ لك (^١)، ولا معجزٍ. والسِّياق يأبى هذا، ولا يناسبه لمن تأمّله، فإنّه قال تعالى مجيبًا لإبليس لعنه الله [الذي قال] (^٢): ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣] فإنّه لا سبيل لي إلى إغوائهم، ولا طريق لي عليهم. فقرَّر الله تعالى ذلك أتمَّ التّقرير، وأخبر أنّ الإخلاص صراطٌ عليه مستقيمٌ، فلا سلطان لك على عبادي الذين هم على هذا الصِّراط، لأنّه صراطٌ عليَّ. ولا سبيل لإبليس إلى أهل هذا الصِّراط، فإنّه محروسٌ محفوظٌ بالله، فلا يصل عدوُّ الله إلى أهله.
فليتأمّل العارف هذا الموضع حقّ التّأمُّل، ولينظر إلى هذا المعنى، ويوازن بينه وبين القولين الآخرين: أيُّهما أليق بالآيتين، وأقرب إلى مقصود القرآن وأقوال السّلف؟
وأمّا تشبيه الكسائيِّ له بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] فلا يخفى الفرق بينهما سياقًا ودلالةً، فتأمّله. ولا يقال في التّهديد: هذا طريقٌ (^٣) مستقيمٌ عليّ، لمن لا يسلكه، وليست سبيل المهدَّد مستقيمةً، فهو غير مهدَّدٍ بصراط الله المستقيم، وسبيلُه التي هو عليها ليست مستقيمةً على الله تعالى. فلا يستقيم هذا القول البتّة.
وأمّا قول من فسَّره بالوجوب، أي عليّ بيانُ استقامته والدِّلالة عليه؛
_________________
(١) "لك" ساقط من ش.
(٢) من طبعة الفقي.
(٣) م، ش: "صراط".
[ ١ / ٢٦ ]
فالمعنى صحيحٌ، لكن في كونه هو المراد بالآية نظرٌ، لأنّه حذفٌ في غير موضع الدِّلالة، ولم يؤلَف الحذف المذكور ليكون مدلولًا عليه إذا حُذِف، بخلاف حذف عامل الظّرف إذا وقع صفةً فإنّه حذفٌ مألوفٌ معروفٌ، حتّى إنّه لا يذكر البتّة. فإذا قلت: له درهمٌ عليّ، كان الحذف معروفًا مألوفًا. فلو أردت: عليَّ نقدُه، أو عليَّ وزنه وحفظه ونحو ذلك، وحذفتَ= لم يسُغْ. وهو نظير: عليَّ بيانُه المقدَّر في الآية، مع أنّ الذي قاله السّلف أليق بالسِّياق وأجلُّ المعنيين وأكبرهما.
وسمعت شيخ الإسلام تقيّ الدِّين ابن تيميّة - ﵁ - يقول: وهما نظير قوله ﵎: ﴿(١١) إِنَّ عَلَيْنَا﴾ [الليل: ١٢] قال: فهذه ثلاثة مواضع في القرآن في هذا المعنى.
قلت: وأكثر المفسِّرين لم يذكروا في سورة (واللّيل إذا يغشى) إلّا معنى الوجوب، أي علينا بيان الهدى من الضّلال. ومنهم من لم يذكر في سورة النّحل إلّا هذا المعنى كالبغويِّ، وذكَر في الحِجْر الأقوال الثّلاثة (^١). وذكر الواحديُّ في "بسيطه" (^٢) المعنيين في سورة النّحل. واختيار (^٣) شيخنا قول مجاهدٍ والحسن في السُّور الثّلاث (^٤).
_________________
(١) "تفسير البغوي" (٥/ ١١، ٤/ ٣٨٢).
(٢) (١٣/ ٢٤).
(٣) ش: "واختار".
(٤) انظر: "مجموع الفتاوى" (١٥/ ٢١٢) والمؤلف في هذا الفصل صادر عن كلام شيخه. وانظر: "شفاء العليل" (ص ٨٧)، و"التبيان" (ص ١٠٤ - ١٠٦)، و"بدائع الفوائد" (١/ ٢٠٨ - ٢٠٩).
[ ١ / ٢٧ ]
فصل
والصِّراط المستقيم هو صراط الله. وهو يخبر أنّ الصِّراط عليه سبحانه كما ذكرنا، ويخبر أنّه سبحانه على الصِّراط المستقيم. وهذا في موضعين (^١) من القرآن: في هودٍ، والنّحل. قال في هودٍ: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾. وقال في النّحل: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ﴾.
فهذا مثلٌ ضربه الله تعالى للأصنام التي لا تسمع، ولا تنطق، ولا تعقل، وهي كَلٌّ على عابدها (^٢). يحتاج الصَّنم إلى أن يحمله عابده، ويضعه (^٣) ويقيمه ويخدمه. فكيف يسوُّونه في العبادة بالله الذي يأمر بالعدل والتّوحيد؟ وهو قادرٌ، متكلِّمٌ، غنيٌّ، وهو على صراطٍ مستقيمٍ في قوله وفعله. فقوله صدقٌ ورشدٌ ونصحٌ وهدًى، وفعله حكمةٌ وعدلٌ ورحمةٌ ومصلحةٌ. هذا أصحُّ الأقوال في الآية، وهو الذي لم يذكر كثيرٌ من المفسِّرين غيره. ومن ذكر غيره قدَّمه على الأقوال، ثمّ حكاها بعده كما فعل البغويُّ - ﵀ -، فإنّه جزم به، وجعله تفسير الآية، ثمّ قال: وقال الكلبيُّ: يدلُّكم على صراطٍ مستقيمٍ (^٤).
_________________
(١) ش: "الموضعين".
(٢) ش: "عابديها".
(٣) ش: "يطعمه".
(٤) "تفسير البغوي" (٥/ ٣٣).
[ ١ / ٢٨ ]
قلت: ودلالته لنا على الصِّراط المستقيم هي من موجَبِ كونه ﷾ على الصِّراط المستقيم، فإنّ دلالته بفعله وقوله، وهو على الصِّراط المستقيم في أفعاله وأقواله. فلا يناقض قول من قال: إنّه سبحانه على الصِّراط المستقيم.
قال (^١): وقيل: هو رسول الله - ﷺ - بما (^٢) يأمر بالعدل، وهو على صراطٍ مستقيمٍ.
قلت: وهذا قولٌّ لا يناقض القول الأوّل، فالله على الصِّراط المستقيم، ورسولُه عليه فإنّه لا يأمر ولا يفعل إلّا مقتضاه (^٣) وموجبه. وعلى هذا يكون المثل مضروبًا لإمام الكفّار وهاديهم (^٤)، وهو الصّنم الذي هو أبكم، لا يقدر على هدًى ولا خيرٍ؛ ولإمام الأبرار، وهو رسول الله - ﷺ - الذي يأمر بالعدل وهو على صراطٍ مستقيمٍ. وعلى القول الأوّل، يكون مضروبًا لمعبود الكفّار ومعبود الأبرار. والقولان متلازمان، فبعضهم ذكر هذا، وبعضهم ذكر هذا، وكلاهما مرادٌ من الآية.
قال (^٥): وقيل: كلاهما للمؤمن والكافر، يرويه عطيّة عن ابن عبّاسٍ. وقال عطاءٌ: الأبكم: أبيُّ بن خلفٍ، ومن يأمر بالعدل: حمزة وعثمان بن
_________________
(١) البغوي في "التفسير" (٥/ ٣٤).
(٢) لم يرد "بما" في المطبوع من التفسير.
(٣) ش: "بمقتضاه".
(٤) ما عدا ش: "وهاديه"، وأصلحه بعضهم في م.
(٥) البغوي في "تفسيره" (٥/ ٣٤).
[ ١ / ٢٩ ]
عفّان (^١) وعثمان بن مظعونٍ.
قلت: والآية تحتمله، ولا يناقض القولين قبله، فإنّ الله على صراطٍ مستقيمٍ، ورسولُه، وأتباعُ رسوله. وضدُّ ذلك: معبود الكافر، وهاديه، والكافر: التّابع (^٢) والمتبوع والمعبود. ويكون بعضُ السّلف ذكر أعلى الأنواع، وبعضهم ذكر الهادي، وبعضهم ذكر المستجيب القابل، وتكون الآية متناولةً لذلك كلِّه. ولذلك نظائر كثيرة في القرآن.
وأمّا آية هودٍ ﵇، فصريحةٌ لا تحتمل إلّا معنًى واحدًا، وهو أنّ الله ﷾ على صراطٍ مستقيمٍ. وهو سبحانه أحقُّ من كان على صراطٍ مستقيمٍ، فإنّ أقواله كلّها صدقٌ ورشدٌ وهدًى وعدلٌ وحكمةٌ ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ (^٣) [الأنعام: ١١٥]، وأفعاله كلُّها مصالح وحِكَمٌ، ورحمةٌ وعدلٌ وخيرٌ. فالشّرُّ لا يدخل في أفعاله ولا أقواله البتة، لخروج الشرِّ عن الصِّراط المستقيم، فكيف يدخل في أفعال مَن هو على الصِّراط المستقيم أو أقواله! وإنّما يدخل في أفعال من خرج عنه وأقواله.
وفي دعاء النبي - ﷺ -: "لبّيك وسعديك، والخيرُ كلُّه بيديك، والشّرُّ ليس إليك" (^٤). ولا يلتفت (^٥) إلى تفسير من فسَّره بقوله: والشّرُّ لا يتقرَّب به
_________________
(١) "وعثمان بن عفان" ساقط من ش.
(٢) ش: "والتابع"، ويبدو أنه كان كذا في ق ثم طمس.
(٣) هكذا في جميع النسخ "كلمات" على قراءة أبي عمرو وغيره ما عدا الكوفيين من السبعة.
(٤) أخرجه مسلم (٧٧١) من حديث علي بن أبي طالب - ﵁ -.
(٥) ش: "تلتفت".
[ ١ / ٣٠ ]
إليك، أو لا يصعد إليك (^١)؛ فإنّ المعنى أجلُّ من ذلك، وأكبر وأعظم قدرًا، فإنّ من أسماؤه (^٢) كلُّها حسنى، وأوصافه كلُّها كمالٌ، وأفعاله كلُّها حِكمٌ، وأقواله كلُّها صدقٌ وعدلٌ= يستحيل دخولُ الشّرِّ في أسمائه أو أوصافه (^٣) أو أفعاله أو أقواله (^٤).
وطابِقْ (^٥) بين هذا المعنى وبين قوله: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] وتأمَّلْ كيف ذكر هذا عقيب قوله: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ [هود: ٥٦]. أي هو ربِّي، فلا يُسْلِمني ولا يضيِّعني، وهو ربُّكم فلا يسلِّطكم عليّ ولا يمكِّنكم منِّي، فإنّ نواصيكم بيده، لا تفعلون شيئًا بدون مشيئته؛ فإنّ ناصية كلِّ دابَّةٍ بيده، لا يمكنها تتحرَّكُ إلّا بإذنه؛ فهو المتصرِّف فيها، ومع هذا فهو في تصرُّفه فيها، وتحريكه لها، ونفوذ قضائه وقدره فيها= على صراطٍ
_________________
(١) نقل النووي في "شرح صحيح مسلم" (٦/ ٥٩) خمسة أقوال منها القولان المذكوران هنا.
(٢) في ق: "فإنَّ اسماه"، وبين الكلمتين فراغ يحتمل وجود "من" قبل محوها، كما في ل وغيرها، غير أن وجودها يقتضي أن يكون رسم الكلمة الثانية: "اسماوه". وفي ن كما في ق.
(٣) بعده في ل، م، ج: "كلها". وفي ق هنا فراغ، فيبدو أن الكلمة وجدت فيها أيضًا ثم طمست لكونها سهوًا من انتقال النظر إلى السطر السابق.
(٤) قد تكلم المؤلف على هذه المسألة في غير موضع من كتبه، نحو "بدائع الفوائد" (ص ٧٢٤ - ٧٢٦) و"حادي الأرواح" (ص ٧٧٠ - ٧٧١) و"شفاء العليل"، الباب الحادي عشر في تنزيه القضاء الإلهي عن الشر. وانظر ما سيأتي في منزلة الخلق (٣/ ٦٢).
(٥) سقطت بعده تسع ورقات من ل.
[ ١ / ٣١ ]