يحصل مع لهو القلب وغفلته وإعراضه، بل يخرج السّامع قائلًا للحاضر معه: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [محمد: ١٦].
والفرق بين هذه المرتبة ومرتبة الإفهام أنّ هذه المرتبة إنّما تحصل بواسطة الأذن، ومرتبة الإفهام أعمُّ، فهي أخصُّ من مرتبة الفهم من هذا الوجه. ومرتبةُ الفهم أخصُّ من وجهٍ آخر، وهي أنّها تتعلَّق بالمعنى المراد ولوازمه ومتعلّقاته وإشاراته. ومرتبةُ السّماع مدارها على إيصال المقصود بالخطاب إلى القلب، ويترتَّب (^١) على هذا السَّماع سماعُ القبول.
فهو إذن ثلاث مراتب: سماع الأذن، وسماع القلب، وسماع القبول والإجابة.
فصل
المرتبة التاسعة: مرتبة الإلهام.
قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧ - ٨]. وقال النّبيُّ - ﷺ - لحُصين بن المنذر (^٢) الخُزاعيِّ لمّا أسلم: "قل: اللهمَّ أَلْهِمْني رُشدي، وقِني شرَّ نفسي" (^٣).
_________________
(١) ل، ش: "ترتب"، وكذا كان في الأصل ثم أصلح.
(٢) كذا سماه المؤلف هنا وفي منزلة التوبة (٣٤٤)، وفي "طريق الهجرتين" (٢/ ٦٢٧)، و"الوابل الصيب" (٤١٠)، و"الكافية الشافية" (١٧٠٦). وهو حصين بن عبيد بن خلف الغاضري الخزاعي. انظر: "الإصابة" (٢/ ٥٦٢ - هجر) وغيره من كتب الصحابة.
(٣) أخرجه الترمذي (٣٤٨٣)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٢٣٥٥)، والطبراني في "الأوسط" (١٩٨٥)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٨٩٤) وغيرُهم من حديث عمران بن حصين في قصة إسلام أبيه حصين الخزاعي. وفي إسناده شبيب بن شيبة، فيه ضعف، والحسن لم يسمع من عمران. ينظر: "العلل الكبير" (٦٧٧). وأخرجه أحمد (١٩٩٩٢) والترمذي في "العلل الكبير" (٦٧٨) والنسائي في "الكبرى" (١٠٧٦٤ - ١٠٧٦٦) وابن حبان (٨٩٩) وغيرهم من طرق عن منصور بن المعتمر عن رِبْعِي بن حِراش عن عمران بنحوه، وفيه: "قل: اللهم قني شرَّ نفسي، واعزم لي على أرشد أمري". وإسناده صحيح، صححه ابن حبان والحاكم (١/ ٥١٠) والحافظ في "الإصابة" (٢/ ٥٦٢).
[ ١ / ٦٩ ]
وقد جعل صاحبُ المنازل الإلهامَ هو مقام المحدَّثين.
قال (^١): (وهو فوق الفراسة، لأنّ الفراسة ربَّما وقعت نادرةً (^٢)، واستصعبت على صاحبها وقتًا، أو استعصت (^٣) عليه. والإلهام لا يكون إلّا في مقامٍ عتيدٍ).
قلت: التّحديثُ أخصُّ من الإلهام، فإنَّ الإلهامَ عامٌّ للمؤمنين بحسب إيمانهم، فكلُّ مؤمنٍ فقد ألهمه الله رشدَه الذي حصل له به الإيمان. وأمَّا (^٤) التّحديث فالنّبيُّ - ﷺ - قال فيه: "إن يكن في هذه الأمّة أحدٌ فعُمَر" (^٥)، يعني من
_________________
(١) في باب الإلهام (ص ٦٦).
(٢) في الأصل: "زيادة" وهو سهو من الناسخ بلا شك وفات تصحيحه عند القراءة على المؤلف! وكذا في م، وأصلح في ل. وستأتي الكلمة على الصواب في الشرح.
(٣) كذا في "شرح التلمساني" (٢/ ٣٦١) وفي "المنازل": "أو استصعبت واستعصت"، وهو أشبه بالسياق، ويؤيده كلام المؤلف في تفسيره فيما يأتي. ومثله في شرح التلمساني.
(٤) ع: "فأما".
(٥) سبق تخريجه قريبًا (ص ٦١).
[ ١ / ٧٠ ]
المحدَّثين. فالتّحديث إلهامٌ خاصٌّ، وهو الوحيُ إلى غير الأنبياء ﵈ إمَّا من المكلَّفين كقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧] وقوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ [المائدة: ١١١]، وإمّا من غير المكلَّفين كقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل: ٦٨]. فهذا كلُّه وحيُ إلهامٍ.
وأمّا جعلُه فوق مقام الفراسة فقد احتجَّ عليه بأنَّ الفراسة ربّما وقعت نادرةً كما تقدَّم، والنّادر لا حكم له؛ وربَّما استصعبت على صاحبها واستعصت (^١) عليه فلم تطاوعه؛ والإلهامُ لا يكون إلّا في مقامٍ عتيدٍ، يعني في مقام القرب والحضور.
والتّحقيق في هذا أنّ كلّ واحدٍ من "الفراسة" و"الإلهام" ينقسم إلى عامٍّ وخاصٍّ، وخاصُّ كلِّ واحدٍ منهما فوق عامِّ الآخر، وعامُّ كلِّ واحدٍ قد يقع كثيرًا، وخاصُّه قد يقع نادرًا. ولكنّ الفرق الصّحيح: أنّ الفراسة قد تتعلَّق بنوع كسبٍ وتحصيلٍ، وأمّا الإلهام فموهبةٌ مجرَّدةٌ لا تُنال بكسبٍ البتّة.
فصل
قال (^٢): (وهو على ثلاث درجاتٍ: الدّرجة الأولى: نبأٌ يقع وحيًا قاطعًا مقرونٌ (^٣) بسماعٍ، أو مطلقًا).
_________________
(١) ع: "استعصت واستصعبت".
(٢) في "المنازل" (ص ٦٦).
(٣) وضع بعضهم في الأصل فوق النون تنوينًا، وكذلك زاد في ل بعد النون ألفًا، ليقرأ "مقرونًا" كما في مطبوعة "المنازل". وفي "شرح التلمساني" (٢/ ٣٦٢) بالرفع كما جاء في النسخ، وعنه ينقل المؤلف متن "المنازل".
[ ١ / ٧١ ]
النّبأ (^١): الخبر الذي له شأنٌ، فليس كلُّ خبرٍ نبأً، وهو خبرٌ عن غيبٍ يعظُم (^٢).
ويريد بالوحي (^٣): الإعلام الذي يقطع مَن وصل إليه بموجَبه إمّا بواسطة سمعٍ، أو بلا واسطةٍ.
قلت: أمّا حصوله بواسطة سمعٍ فليس ذلك إلهامًا، بل من قبيل الخطاب، وهذا يستحيل حصوله لغير الأنبياء ﵈ ــ وهو الذي خُصَّ به موسى ﵇ ــ إذا كان المخاطِبُ هو الحقَّ ﷿.
وأمّا ما يقع لكثير (^٤) من أرباب الرِّياضات من سماع الخطاب فهو من أحد وجوهٍ ثلاثةٍ لا رابع لها. أعلاها (^٥): أن يخاطبه الملَكُ خطابًا جزئيًّا (^٦)، فإنّ هذا يقع لغير الأنبياء. فقد كانت الملائكة تخاطب عمران بن الحصينٍ بالسَّلام، فلمّا اكتوى تركت خطابه. فلمّا ترك الكيَّ عاد إليه (^٧). وهذا (^٨)
_________________
(١) ع: "بسماع، إذ مطلقُ النبأ"، وكذا غيِّر في م.
(٢) غيِّر في ل إلى "معظم" كما في ع.
(٣) كان بعده في الأصل: "الإلهام" دون الواو، وفوقها علامة الحذف فيما يظهر، فزاد بعضهم قبلها واوًا، كما في ل، ج، ع.
(٤) ما عدا ع: "للبشر"، تصحيف.
(٥) غيَّره بعضهم في ل إلى "أحدها".
(٦) رسمه في ق، ل، م، ع: "جزويّا".
(٧) أخرجه عنه مسلم (١٢٢٦).
(٨) "وهذا" ساقط من ع.
[ ١ / ٧٢ ]
خطابٌ ملكيٌّ. وهو نوعان:
أحدهما: خطابٌ يسمعه بأذنه، وهو (^١) نادرٌ بالنِّسبة إلى عموم المؤمنين.
والثّاني: خطابٌ يُلقى في قلبه، يخاطب به الملَكُ روحَه، كما في الحديث المشهور: "إنّ للملك لَمَّةً بقلب ابن آدم، وللشّيطان لَمَّةً. فلمَّةُ الملك: إيعادٌ بالخير وتصديقٌ بالوعد. ولمّةُ الشّيطان إيعادٌ بالشّرِّ وتكذيبٌ بالوعد". ثمَّ قرأ قوله (^٢): ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ [البقرة: ٢٦٨] (^٣).
وقال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢]. قيل في تفسيرها: قوُّوا قلوبهم، وبشِّروهم بالنّصر. وقيل: احضروا معهم القتال (^٤). والقولانِ حقٌّ، فإنّهم حضروا معهم القتال، وثبَّتوا قلوبَهم.
_________________
(١) ع: "فهو".
(٢) "قوله" ساقط من ع.
(٣) أخرجه الترمذي (٢٩٨٨) والبزار (٥/ ٣٩٤) والنسائي في "الكبرى" (١٠٩٨٥) وأبو يعلى (٤٩٩٩) وابن حبان (٩٩٧) والبيهقي في "شعب الإيمان" (٤١٨٧) من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعًا. قد اختُلِف في رفعه ووقفه، فرجَّح أبو حاتم وأبو زرعة وقفَه كما في "العلل" لابن أبي حاتم (٢٢٢٤). وانظر: "العلل الكبير" للترمذي (٦٥٤). والأثر الموقوف أخرجه ابن المبارك في "الزهد" (١/ ٥٠٣ - رواية الحسين المروزي) وأحمد في "الزهد" (٨٥٩ - دار ابن رجب) وأبو داود في "الزهد" (١٦٤) والطبراني (٩/ ١٠١) من طرق عن ابن مسعود.
(٤) عبارة البغوي: "قيل: ذلك التثبيت حضورُهم معهم القتالَ ومعونتُهم. أي: ثبِّتوهم بقتالكم معهم المشركين". وقال المؤلف في "الصواعق" كما جاء في "مختصره" (٣/ ٨٤٣): "فهؤلاء ملائكة معيَّنون، وهم الذين أنزلهم الله تعالى يوم بدر للقتال مع المؤمنين".
[ ١ / ٧٣ ]
ومن هذا الخطاب: واعظُ الله في قلوب عباده المؤمنين، كما في "جامع التِّرمذيِّ" و"مسند أحمد" (^١) من حديث النَّوَّاس بن سَمْعان عن النّبيِّ - ﷺ - قال: "إنّ الله تعالى ضرب مثلًا صراطًا مستقيمًا، وعلى كتفَي الصِّراط سوران لهما أبوابٌ مفتَّحةٌ. وعلى الأبواب ستورٌ مرخاةٌ، وداعٍ يدعو على رأس الصِّراط، وداعٍ يدعو فوق الصِّراط. فالصِّراط المستقيم الإسلام، والسُّوران حدود الله، والأبواب المفتَّحة محارم الله. فلا يقع أحدٌ في حدٍّ من حدود الله حتّى يكشف السِّتر. والدّاعي على رأس الصِّراط كتاب الله، والدّاعي فوق الصِّراط واعظُ الله في قلب كلِّ مؤمنٍ". هذا (^٢) أو معناه. فهذا الواعظ في قلوب المؤمنين هو الإلهام الإلهيُّ بواسطة الملائكة.
وأمّا وقوعه بغير واسطةٍ فممَّا (^٣) لم يتبيَّن بعدُ، والجزمُ فيه بنفيٍ أو إثباتٍ موقوفٌ على الدّليل. والله أعلم.
_________________
(١) الترمذي (٢٨٥٩) وأحمد (١٧٦٣٤، ١٧٦٣٦). وأخرجه أيضًا ابن أبي عاصم في "السنة" (١٨ - الظلال) وابن نصر في "السنة" (٩، ١٠ - غراس) والنسائي في "الكبرى" (١١١٦٩) والطحاوي في "مشكل الآثار" (٢١٤٢، ٢١٤٣) والطبراني في "مسند الشاميين" (١١٤٧) والحاكم (١/ ٧٣) من طريقين حسنَين عن جبير بن نفير عن النواس بن سمعان به. والحديث صححه الحاكم والألباني.
(٢) م: "فهذا" ويبدو أنه كان كذا في ق، ل، فغيِّر في ق إلى "بهذا" كما في ج، وغيِّر في ل إلى "هذا" كما في ش. ولم يرد "هذا أو معناه" في ع.
(٣) كان في الأصل: "فما"، ولا غبار عليه، ولكنه أصلح كما في النسخ الأخرى.
[ ١ / ٧٤ ]
فصل
النّوع الثّاني من الخطاب المسموع: خطاب الهواتف من الجانِّ، فقد يكون المخاطِبُ جنِّيًّا مؤمنًا صالحًا، وقد يكون شيطانًا مُغْوِيًا. وهذا أيضًا نوعان:
أحدهما: أن يخاطبه خطابًا يسمعه بأذنه.
والثّاني: أن يلقي في قلبه عندما يُلِمُّ به. ومنه وعدُه وأمنيَّتُه حين يعِدُ الإنسيَّ ويمنِّيه، ويأمره وينهاه، كما قال تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾ (^١) [النساء: ١٢٠]. وقال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨].
وللقلب من هذا الخطاب نصيبٌ، وللأذن أيضًا منه نصيبٌ، والعصمة منتفيةٌ إلّا عن الرُّسل ومجموع الأمّة.
فمن أين للمخاطَبِ أنَّ هذا الخطاب رحمانيٌّ أو ملكيٌّ؟ بأيِّ برهانٍ وبأيِّ دليلٍ؟ والشّيطانُ يقذف في النّفس وحيَه، ويُلقي في السَّمع خطابَه، فيقول المغرور المخدوع: قيل لي، وخُوطِبتُ. صدقتَ، لكنَّ الشّأن في القائل لك والمخاطِبِ! وقد قال عمر بن الخطّاب - ﵁ - لغَيلان بن سَلَمة ــ وهو من الصّحابة ــ لمّا طلَّق نساءه، وقسَّم ماله بين بنيه: إنِّي لأظنُّ الشّيطان ــ فيما يَسترِقُ من السَّمْع ــ سمِعَ بموتك، فقذَفه في نفسك (^٢).
_________________
(١) في ع زيادة: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾.
(٢) أخرجه أحمد (٤٦٣١) وابن حبان (٤١٥٦) من حديث معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه عبد الله بن عمر - ﵄ -. قال الحافظ في "نتائج الأفكار" بعد تخريجه: "هذا موقوف صحيح"، انظر: "الفتوحات الربانية" لابن علَّان (٤/ ٢١٤).
[ ١ / ٧٥ ]
فمَن يأمنُ القُرَّاءُ بعدَك يا شَهْرُ (^١)!
فصل
النوع الثالث: خطابٌ خياليٌّ، تكون بدايتُه من النّفس، وعودُه إليها، فيثق بأنه (^٢) من خارجٍ، وإنّما هو من نفسه، منها بدأ وإليها يعود!
وهذا كثيرًا (^٣) ما يعرض للسّالك، فيغلط فيه، ويعتقد أنّه خطابٌ من الله ﷿، كلَّمه به منه إليه. وسببُ غلطه أنَّ اللّطيفة المدركة من الإنسان إذا صفَت من الرِّياضة، وانقطعت عُلَقُها (^٤) من الشّواغل الكثيفة، صار الحكمُ لها، بحكمِ استيلاءِ الرُّوح والقلب على البدن ومصيرِ الحكم لهما. فتنصرف عنايةُ النّفس والقلب إلى تجريد المعاني التي هي متّصلةٌ بهما، وتشتدُّ عناية الرُّوح بها، وتصير في محلِّ تلك العلائق والشّواغل، فتملأ القلبَ، فتصرف (^٥) تلك المعاني إلى النطق (^٦) والخطاب القلبيِّ الرُّوحيِّ بحكم
_________________
(١) يعني: شهر بن حَوشَب. وصدر البيت: لقد باع شهرٌ دينَه بخريطة روي أن شهرًا كان على خزائن يزيد بن المهلَّب، فرُفِع عليه بأنه أخذ خريطة. فقال القطامي الكلبي ــ ويقال: سنان بن مكمل النميري ــ هذا الشعر. وضرب المثل بخريطة شهر. انظر: "تاريخ الطبري" (٦/ ٥٣٨ - ٥٣٩)، و"المعرفة والتاريخ" (٢/ ٩٨)، و"ثمار القلوب" (ص ١٦٩). وانظر: "سير أعلام النبلاء" (٤/ ٣٧٥).
(٢) ع: "فيتوهَّمه". وغيِّر في ل إلى: "فيتوهم أنه".
(٣) ل، ش: "كثير". وفي ج: "كثير مما يعرض".
(٤) ضبطت العين في الأصل وع بالضم.
(٥) ش: "فتنصرف"، وأشير إلى هذه النسخة في هامش م.
(٦) ع: "المنطق".
[ ١ / ٧٦ ]
العادة. ويتّفق تجرُّدُ الرُّوح، فتَشَكَّلُ (^١) تلك المعاني للقوّة السّامعة بشكل الأصوات المسموعة، وللقوّة الباصرة بشكل الأشخاص المرئيّة. فيرى (^٢) صورها، ويسمع الخطاب، وكلُّه في نفسه، ليس في الخارج منه شيءٌ. ويحلف أنّه رأى وسمع؛ وصدَق، لكن رأى وسمع في الخارج، أو في نفسه؟ ويتّفق ضعفُ التّمييز، وقلّةُ العلم، واستيلاءُ تلك المعاني على الرُّوح، وتجرُّدُها عن الشّواغل.
فهذه الوجوه الثّلاثة هي وجوه الخطاب، فلا يُسمَعُ غيرها، فإنّما هو (^٣) غرورٌ وخدعٌ وتلبيسٌ. وهذا الموضع مقطع القوم (^٤)، وهو من أجلِّ المواضع لمن حقَّقه وفَهِمَه. والله الموفِّق للصّواب.
فصل
قال (^٥): "الدرجة الثانية: إلهامٌ يقع عيانًا. وعلامة صحّته أنّه لا يخرِق سِترًا، ولا يجاوز حدًّا، ولا يخطئ أبدًا".
الفرق بين هذا وبين الإلهام في الدّرجة الأولى: أنّ ذلك علمٌ شبيهٌ بالضّروريِّ الذي لا يمكن دفعه عن القلب، وهذا معاينةٌ ومكاشفةٌ. فهو (^٦)
_________________
(١) ش: "فتُشَكِّل".
(٢) ما عدا ع: "فترى". و"يسمع" فيما يأتي بإهمال أوله في ع، وفي غيرها: "تسمع".
(٣) ع: "تسمع هي".
(٤) أثبت الفقي: "مقطع القول"، وما ورد في النسخ صواب. انظر: (٢/ ٤٨٣).
(٥) "المنازل" (ص ٦٦). وفي هامش الأصل بإزاء هذا السطر: "بلغ قراءة ومقابلة على مصنفه فسح الله في مدَّته"، وهذا أول موضع ورد فيه البلاغ المذكور.
(٦) ما عدا ع: "وهو".
[ ١ / ٧٧ ]
فوقه في الدّرجة، وأتمُّ منه ظهورًا، ونسبتُه إلى القلب نسبةُ المرئيِّ إلى العين. وذكر له ثلاث علاماتٍ:
أحدها (^١): أنّه لا يخرق سترًا، لأنَّ صاحبه إذا كُوشِفَ بحال غيره المستور عنه لا يخرق سِترَه ويكشفه، خيرًا كان أو شرًّا؛ أو أنّه لا يخرق ما ستره الله تعالى من نفسه عن النّاس، بل يستُر نفسَه ويستُر من كوشف بحاله.
الثانية: أنّه لا يجاوز حدًّا، يحتمل وجهين: أحدهما: أنّه لا يتجاوز به إلى ارتكاب المعاصي وتجاوز حدود الله تعالى، مثل كشف الكهّان والكشف الشّيطانيِّ. الثّاني: أنّه لا يقع على خلاف الحدود الشّرعيّة، مثل أن يتجسَّس به العوراتِ التي نهى الله عن التّجسُّس عليها وتتبُّعها. فإذا تتبَّعها ووقع عليها بهذا الكشف، فهو شيطانيٌّ لا رحمانيٌّ.
الثالثة: أنّه لا يخطئ أبدًا، بخلاف الشّيطانيِّ فإنّ خطأه كثيرٌ، كما قال النّبيُّ - ﷺ - لابن صائدٍ: "ما ترى؟ ". قال: أرى صادقًا وكاذبًا. فقال: "لُبِّس (^٢) عليك" (^٣). فالكشف الشّيطانيُّ لا بدّ أن يكذب، ولا يستمرُّ صدقُه البتّة (^٤).
فصل
قال (^٥): (الدرجة الثالثة: إلهامٌ يجلو عينَ التّحقيق صرفًا، وينطق عن
_________________
(١) كذا في الأصل وغيره بدلًا من "إحداها"، ومثله شائع في كتب المصنف.
(٢) الضبط من ل، ع، ش.
(٣) أخرجه البخاري (١٣٥٤) ومسلم (٢٩٣٠) عن ابن عمر - ﵄ - بنحوه.
(٤) بعده في ع: "والله أعلم".
(٥) "المنازل" (ص ٦٦). وفيه: "عن الإشارة"، والمؤلف صادر عن "شرح التلمساني" (٢/ ٣٦٤).
[ ١ / ٧٨ ]
عين الأزل محضًا. والإلهام غايةٌ تمتنع الإشارة إليها).
عينُ التّحقيق عنده هي الفناء في شهود الحقيقة، بحيث يضمحلُّ كلُّ ما سواها في ذلك الشُّهود، وتعود الرُّسومُ أعدامًا (^١) محضةً. فالإلهام في هذه الدّرجة يجلو هذه العين للملهَم صِرْفًا، بحيث لا يمازجها شيءٌ من إدراك العقول ولا الحواسِّ، فإن كان هناك إدراكٌ عقليٌّ أو حسِّيٌّ لم يتمحَّض جلاء عين الحقيقة. والنّاطق عن هذا الكشف عندهم لا يفهم عنه إلّا من هو معه، ومشاركٌ له. وعند أرباب هذا الكشف أنّ كَلَّ الخلق عنه في حجابٍ، وعندهم أنّ العلم والعقل والحال حُجُبٌ عليه، وأنّ خطاب الخلق إنّما يكون على لسان الحجاب، وأنّهم لا يفهمون لغة ما وراء الحجاب من المعنى المحجوب؛ فلذلك تمتنع الإشارة إليه والعبارة عنه، فإنّ الإشارة والعبارة إنّما يتعلَّقان بالمحسوس أو المعقول، وهذا أمرٌ وراء الحسِّ والعقل (^٢).
وحاصل هذا الإلهام أنّه إلهامٌ ترتفع معه الوسائط كلهُّا وتضمحلُّ وتعدَم، لكن في الشُّهود لا في الوجود. وأمّا الاتِّحاديّة القائلون بوحدة الوجود فإنّهم يجعلون ذلك اضمحلالًا وعدمًا (^٣) في الوجود، ويجعلون صاحب
_________________
(١) ما عدا ع: "أعلاها" وهو تحريف. وكان "تعود" مهملًا في الأصل فوضع بعضهم نقطتين ليقرأ: "نفوذ" كما في النسخ الأخرى ما عدا ع، وهذا تصحيف أيضًا.
(٢) انظر: "شرح التلمساني" (٢/ ٣٦٢ - ٣٦٦) وقد صدر المؤلف عنه في بعض تفسيره لدرجات الإلهام الثلاث.
(٣) ق، ج: "وعلى ما"، تحريف، وقد أصلح في ل. ويظهر أنه كان في م، ش على الصواب فغيَّره بعضهم إلى الخطأ.
[ ١ / ٧٩ ]