وإن يكن خطأً فمنِّي ومن الشّيطان (^١). فهذا قول المحدَّث بشهادة الرّسول - ﷺ -، وأنت ترى الاتِّحاديَّ والحلوليَّ والمباحيَّ والشطّاح والسّماعيّ مجاهرًا (^٢) بالقِحَة والفِرية، ويقول: حدّثني قلبي عن ربِّي.
فانظر إلى ما بين القائلين والمرتبتين والقولين والحالين، وأعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، ولا تجعل الزَّغَلَ والخالصَ شيئًا واحدًا.
فصل
المرتبة الخامسة: مرتبة الإفهام.
قال تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾
_________________
(١) أخرجه الدارمي (٣٠١٥) والطبري (٦/ ٤٧٥) والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (٥٣١) والبيهقي في "السنن الكبرى" (٦/ ٢٢٣) وغيره من طرق عن عاصم الأحول عن الشعبي من قول أبي بكر الصديق - ﵁ -، وفيه أن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: "إني لأستحيي الله أن أرد شيئًا قاله أبو بكر". وأخرجه ابن أبي شيبة (٣٢٢٥٥) من طريق آخر عن عاصم به بنحوه دون قول عمر. وإسناده إلى الشعبي صحيح، انظر: "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (١/ ٢٩١) و"التلخيص الحبير" (٤/ ٢٠٥٣) و"الضعيفة" (١٠/ ١٨٣).
(٢) م، ش: "يجاهر". وفي ج: "مجاهر"، ويبدو أنه كان كذا في الأصل ثم زِيدت الألف والتنوين.
[ ١ / ٦٣ ]
[الأنبياء: ٧٨ - ٧٩]. فذكر هذين النّبيّين الكريمين، وأثنى عليهما بالعلم والحكم، وخصَّ سليمان بالفهم في هذه الواقعة المعيَّنة.
وقال عليُّ بن أبي طالبٍ - ﵁ - وقد سئل: هل خصَّكم رسول الله - ﷺ - بشيءٍ دون النّاس؟ فقال: لا والّذي فلَقَ الحبَّةَ وبرأ النَّسمةَ، إلّا فهمًا يؤتيه الله عبدًا في كتابه، وما في هذه الصّحيفة. وكان (^١) فيها العقلُ ــ وهو الدِّيات ــ، وفَكاكُ الأسير، وأن لا يُقتَل مسلمٌ بكافرٍ (^٢).
وفي كتاب عمر بن الخطّاب - ﵁ - لأبي موسى الأشعريِّ (^٣): "والفهمَ الفهمَ فيما أُدْلِيَ إليك". فالفهمُ نعمةٌ من الله تعالى على عبده، ونورٌ يقذفه (^٤) في قلبه، يدرك ما لا يدركه غيرُه (^٥)، فيفهم من النّصِّ ما لا يفهمه
_________________
(١) ل: "فكان". وتلوح نقطة على الواو في ق.
(٢) رواه البخاري (٣٠٤٧).
(٣) أخرجه بهذا اللفظ ضمن حديث طويل البيهقيُّ في "الكبرى" (١٠/ ١٥٠) وفي "المعرفة" (١٤/ ٢٤٠) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٢/ ٧١)، وهو عند الدارقطني (٤٤٧١، ٤٤٧٢) وغيره بلفظ: "الفهم الفهم فيما يختلج عندك". وفي بدايته عند الجميع: " القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة. فافهَمْ إذا أدلي إليك ". قال البيهقي في "المعرفة": "هو كتاب معروف مشهور لابد للقضاة من معرفته والعمل به"، وقال شيخ الإسلام في "منهاج السنة" (٦/ ٧١): " تداولها الفقهاء وبنوا عليها واعتمدوا على ما فيها من الفقه وأصول الفقه، ومن طرقها ما رواه أبو عبيد وابن بطة وغيرهما بالإسناد الثابت "، وقال الألباني في "الإرواء" (٨/ ٢٤١): "وهي وجادة صحيحة من أصح الوجادات وهي حجة".
(٤) ع: "يقذفه الله".
(٥) ع: "يعرف به ويدرك ما لا يدركه غيره ولا يعرفه".
[ ١ / ٦٤ ]