وهذه دون مرتبة الوحي الخاصِّ، فتكون (^٢) للصدِّيقين، كما كانت لعمر بن الخطّاب - ﵁ -، كما قال النّبيُّ - ﷺ -: "إنّه قد (^٣) كان في الأمم قبلكم محدَّثون، فإن يكن في هذه الأمّة أحدٌ فعمر بن الخطّاب" (^٤) - ﵁ -.
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيميّة (^٥) - ﵁ - يقول: جزَم بأنّهم كائنون في الأمم قبلنا، وعلَّق وجودَهم في هذه الأمّة بـ "إنْ" الشّرطيّة، مع أنّها أفضل الأمم؛ لاحتياجِ الأمم قبلنا إليهم، واستغناءِ هذه الأمّة عنهم لكمالِ نبوَّةِ نبيِّها ورسالته، فلم يُحوِج الله الأمّةَ بعده إلى محدَّثٍ ولا ملهَمٍ، ولا صاحبِ كشفٍ ولا إلى منامٍ. فهذا التّعليق لكمال الأمّة واستغنائها، لا لنقصها.
والمحدَّث: هو الذي يحدَّث في سرِّه وقلبه بالشَّيء، فيكون كما يحدَّث به.
قال شيخنا - ﵁ -: والصِّدِّيقُ كان (^٦) أكملَ من المحدَّث، لأنّه استغنى بكمال صدِّيقيّته ومتابعته عن التّحديث والإلهام والكشف، فإنّه قد سلَّم
_________________
(١) غيِّر في ل إلى "التحديث".
(٢) ع: "وتكون".
(٣) "قد" ساقطة من ع.
(٤) أخرجه البخاري (٣٤٦٩) عن أبي هريرة - ﵁ -، ومسلم (٢٣٩٨) عن عائشة - ﵂ -.
(٥) ع: "تقي الدين ابن تيمية".
(٦) لم ترد "كان" في ع.
[ ١ / ٦١ ]
قلبه (^١) وسرَّه وظاهرَه وباطنَه للرّسول - ﷺ -، فاستغنى به عمّا منه (^٢).
قال: وكان هذا المحدَّث يَعْرِض ما يُحدَّث به على ما جاء به الرَّسول، فإن وافقه قبله، وإلّا ردَّه. فعُلِمَ أنّ مرتبة الصِّدِّيقيّة فوق مرتبة التّحديث (^٣).
قال: وأمّا ما يقوله كثيرٌ من أصحاب الخيالات والجهالات: حدّثني قلبي عن ربِّي، فصحيحٌ أنّ قلبه حدّثه، لكن عمَّن (^٤)؟ عن شيطانه، أو عن ربِّه؟ فإذا قال: حدَّثني قلبي عن ربِّي، كان مُسْنِدًا للحديث إلى من لم يعلم أنّه حدَّثه به، وذلك كذبٌ (^٥).
قال: ومحدَّث الأمّة لم يكن يقول ذلك، ولا تفوَّه به يومًا من الدّهر، وقد أعاذه الله من أن يقول ذلك. بل كتب كاتبه يومًا: هذا ما أرى الله تعالى أميرَ المؤمنين عمرَ بن الخطّاب، فقال: لا، امحُه واكتب: هذا ما رأى عمرُ بن الخطَّاب. فإن كان صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأً فمن عمر، واللهُ ورسولُه منه بريءٌ (^٦). وقال في الكلالة: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله،
_________________
(١) في ع بعده زيادة: "كلَّه".
(٢) انظر نحوه في "الجواب الصحيح" (٢/ ٣٨٢)، و"الصفدية" (١/ ٢٥٩)، و"شرح الأصفهانية" (ص ١٧٥)، و"مجموع الفتاوى" (١٧/ ٤٦). وانظر: "مفتاح دار السعادة" (٢/ ٧٢٦).
(٣) من هنا وقع في بعض النسخ المتأخرة في أول الفصل: "وتكون دون مرتبة الصديقين" بدلًا من "وتكون للصديقين". وانظر: "جامع المسائل" (١/ ٥٧)، و"درء التعارض" (٥/ ٢٨).
(٤) "عمَّن" ساقط من ع.
(٥) وانظر: "مجموع الفتاوى" (١٣/ ٢١٨)، و"إغاثة اللهفان" (١/ ٢١٣ - ٢١٤).
(٦) أخرجه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (٩/ ٢١٤) والهروي في "ذم الكلام" (٢٦٦) والبيهقي (١٠/ ١١٦) وابن حزم في "الإحكام" (٦/ ٤٨) من طرق عن أبي إسحاق الشيباني عن أبي الضحى عن مسروق به. وصحح إسناده المؤلف في "أعلام الموقعين" (١/ ١١٤) وابن حجر في "التلخيص الحبير" (٦/ ٣٢٠٢). وقوله: "والله ورسوله منه بريء" لم أجده.
[ ١ / ٦٢ ]