"المنازل" منهم، وهو بريءٌ منهم عقلًا ودينًا وحالًا ومعرفةً. والله أعلم (^١).
فصل
المرتبة العاشرة من مراتب الهداية: الرُّؤيا الصّادقة.
وهي من أجزاء النُّبوّة كما ثبت عن النّبيِّ - ﷺ - أنّه قال: "الرُّؤيا الصّادقة جزءٌ من ستّةٍ وأربعين جزءًا من النُّبوّة" (^٢).
وقد قيل في سبب هذا التّخصيص بالعدد (^٣) المذكور: إنّ أوّل مبدأ الوحي (^٤) كان هو الرُّؤيا الصّادقة، وذلك نصف سنةٍ. ثمّ انتقل إلى وحي اليقظة مدّة ثلاثٍ وعشرين سنةً من حين بُعِث إلى أن توفِّي صلوات الله وسلامه عليه. فنسبةُ مدّة الوحي في المنام من ذلك جزءٌ من ستّةٍ وأربعين جزءًا (^٥).
وهذا حسنٌ، لولا ما جاء في الرِّواية الأخرى الصّحيحة (^٦): "إنّها جزءٌ
_________________
(١) الجملة "والله أعلم" ساقطة من ل.
(٢) أخرجه البخاري (٦٩٨٧) ومسلم (٢٢٦٤) من حديث عبادة بن الصامت، وفيه: "رؤيا المؤمن". وفي حديث أبي سعيد في البخاري (٦٩٨٩): "الرؤيا الصالحة"، وكذا في حديث أبي هريرة في مسلم (٢٢٦٣/ ٨).
(٣) "بالعدد" ساقط من ع.
(٤) ع: "مبتدأ الوحي".
(٥) نقله الخطابي عن "بعض أهل العلم" في "أعلام الحديث" (٤/ ٢٣١٥)، و"معالم السنن" (٤/ ١٣٩). وقال ابن بطال أيضًا في "شرح البخاري" (٩/ ٥١٨): "ذكره أبو سعيد السفاقسي عن بعض أهل العلم".
(٦) أخرجها مسلم (٢٢٦٥) من حديث عبد الله بن عمر - ﵄ -، وقد ذكرها المؤلف هنا بالمعنى.
[ ١ / ٨٠ ]
من سبعين جزءًا". وقد قيل في الجمع بينهما (^١): إن ذلك بحسب حال الرّائي، فإنّ رؤيا الصِّدِّيقين من ستّةٍ وأربعين، ورؤيا عموم المؤمنين الصادقين من سبعين. والله أعلم.
والرُّؤيا مبدأ الوحي، وصدقها بحسب صدق الرّائي، وأصدق النّاس رؤيا أصدقهم حديثًا. وهي عند اقتراب الزّمان لا تكاد تخطئ، كما قال النّبيُّ - ﷺ - (^٢). وذلك لبعد العهد بالنُّبوّة وآثارها، فيعوَّض المؤمنون بالرُّؤيا. وأمّا في زمن قوّة نور النُّبوّة، ففي ظهور نورها وقوّته ما يُغني عن الرُّؤيا. ونظير هذا: الكرامات التي ظهرت بعد عصر الصّحابة - ﵃ -، ولم تظهر عليهم لاستغنائهم عنها بقوّة إيمانهم، واحتياجِ مَن بعدهم إليها لضعف إيمانهم. وقد نصَّ أحمد - ﵁ - على هذا المعنى.
قال (^٣) عبادة بن الصّامت - ﵁ -: رؤيا المؤمن كلامٌ يكلِّم به الرَّبُّ عبدَه في المنام (^٤).
_________________
(١) هذا الجمع قال به أبو جعفر الطبري في "تهذيب الآثار"، ذكره ابن بطال (٩/ ٥١٥ - ٥١٦).
(٢) انظر حديث أبي هريرة - ﵁ - في "صحيح البخاري" (٧٠١٧) و"صحيح مسلم" (٢٢٦٣).
(٣) ع: "وقال".
(٤) لم أجده موقوفًا، وقد أخرجه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (٤٩٤) وابن أبي عاصم في "السنة" (٤٩٦) والدولابي في "الكنى والأسماء" (٢/ ٨٧٣ - نشرة الفاريابي) والطبراني ــ ومن طريقه الضياء في "المختارة" (٨/ ٢٧٥) ــ، من طريقين عن عثمان بن سعيد بن كثير، عن محمد بن مهاجر، عن جنيد بن ميمون، عن حمزة بن الزبير، عن عُبادة مرفوعًا. وإسناده ضعيف، جنيد بن ميمون مجهول كما قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ٣٦٢) والألباني في "ظلال الجنة" (١/ ٢١٣)، وحمزة بن عبد الله بن الزبير لم يوثقه غير ابن حبان. وانظر: "الفتح" (١٢/ ٣٥٤). وله طريق آخر عند ابن أبي عاصم (٤٩٧) عن عُبادة مرفوعًا. وفي إسناده حميد بن عبد الرحمن، لم يوثقه غير ابن حبان. وانظر: "ظلال الجنة" (١/ ٢١٤).
[ ١ / ٨١ ]
وقد قال النّبيُّ - ﷺ -: "لم يبق من النُّبوّة إلّا المبشِّرات". قيل: وما المبشِّرات يا رسول الله؟ قال: "الرُّؤيا الصّالحة يراها المؤمن أو تُرى له" (^١).
وإذا تواطأت رؤيا المسلمين لم تكذِبْ. وقد قال النبيُّ - ﷺ - لأصحابه لمّا أُرُوا ليلةَ القدر في العشر الأواخر (^٢): "أرى رؤياكم قد تواطأت في العشر الأواخر، فمن كان منكم متحرِّيها فليتحرَّها في العشر الأواخر من رمضان" (^٣).
والرُّؤيا كالكشوف، منها رحمانيٌّ، ومنها نفسانيٌّ، ومنها شيطانيٌّ. وقال النّبيُّ - ﷺ -: "الرُّؤيا ثلاثةٌ: رؤيا من الله، ورؤيا تحزينٌ من الشّيطان، ورؤيا ممّا يحدِّث به الرّجلُ نفسَه في اليقظة فيراه في المنام" (^٤). والذي هو من أسباب
_________________
(١) انظر حديث أبي هريرة في "صحيح البخاري" (٦٩٩٠)، وحديث ابن عباس - ﵄ - في "صحيح مسلم" (٤٧٩).
(٢) فوقه في ع: "قال" مع علامة صح بخط الناسخ.
(٣) أخرجه البخاري (١١٥٨) ومسلم (١١٦٥) من حديث ابن عمر - ﵄ -. ولفظ مسلم: "في السبع الأواخر".
(٤) أخرجه البخاري (٧٠١٧) ومسلم (٢٢٦٣) من حديث أبي هريرة - ﵁ -. وقد سبقت الإحالة عليه قريبًا في ذكر الرؤيا عند اقتراب الزمان.
[ ١ / ٨٢ ]
الهداية هو الرُّؤيا التي من الله خاصّةً.
ورؤيا الأنبياء ﵈ وحيٌ، فإنّها معصومةٌ من الشّيطان، وهذا باتِّفاق الأمّة. ولهذا أقدم الخليلُ ﵇ على ذبح إسماعيل بالرُّؤيا. وأمّا رؤيا غيرهم، فتُعْرَض على الوحي الصَّريح، فإن وافقته وإلّا لم يعمل بها.
فإن قيل: فما تقولون إذا كانت رؤيا صادقةٌ، أو تواطأت؟
قلنا: متى كانت كذلك استحال مخالفتها للوحي. بل لا تكون إلّا مطابقةً له، منبِّهةً عليه، أو منبِّهةً على اندراج قضيّةٍ خاصّةٍ في حكمه، لم يعرف الرّائي اندراجها فيه، فيُنَبَّه بالرُّؤيا على ذلك. ومن أراد أن تصدق رؤياه فليتحرَّ الصِّدقَ وأكلَ الحلال والمحافظةَ على الأمر والنّهي، ولينم على طهارةٍ كاملةٍ مستقبلَ القبلة، ويذكر الله حتّى تغلبه عيناه؛ فإنّ رؤياه لا تكاد تكذب البتّة.
وأصدَقُ الرُّؤيا: رؤيا الأسحار (^١)، فإنّه وقت للنُّزولِ (^٢) الإلهيِّ وسكونِ
_________________
(١) أخرجه أحمد (١١٢٤٠، ١١٦٥٠) والدارمي (٢١٩٢) والترمذي (٢٢٧٤) وأبو يعلى (١٣٥٧) وابن حبان (٦٠٤١) والحاكم (٤/ ٣٩٢) وغيرهم من حديث دراج أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -. قال أحمد: أحاديث دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد فيها ضعف، وقال النسائي: دراج منكر الحديث، وقال ابن عدي بعد ما أورد هذا الحديث وغيره: "وعامة هذه الأحاديث التي أمليتها مما لا يتابع دراج عليه". ينظر: "الكامل" (٤/ ٤٨٦ - ٤٩٣؛ نشرة السرساوي) و"الضعيفة" (١٧٣٢).
(٢) ش، ج، ع: "النزول"، وكذا كان في الأصل قبل الإصلاح.
[ ١ / ٨٣ ]