عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. فالعلماء به وبأمره هم أهلُ خشيته. قال النّبيُّ - ﷺ -: "أنا أعلمكم بالله وأشدُّكم له خشيةً" (^١).
ومقامُ الهيبة جامعٌ لمقام المحبّة والإجلال والتّعظيم.
ومقامُ الشُّكر جامعٌ لجميع مقامات الإيمان، ولذلك كان أرفعها وأعلاها. وهو فوق الرِّضا. وهو يتضمَّن الصَّبرَ من غير عكسٍ، ويتضمَّن التّوكُّلَ والحبّ (^٢) والإنابة والإخبات والخشوع والخوف والرّجاء. فجميع هذه (^٣) المقامات مندرجةٌ فيه، لا يستحقُّ صاحبُه اسمَه على الإطلاق إلّا باستجماع المقامات له. ولهذا كان الإيمان نصفَين: نصف صبرٍ، ونصف شكرٍ، والصّبرُ داخلٌ في الشُّكر، فرجع الإيمانُ كلُّه إلى الشُّكر. والشّاكرون هم أقلُّ العباد، كما قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].
ومقامُ الحياء جامعٌ لمقام المعرفة والمراقبة.
ومقامُ الأنس جامعٌ لمقام الحبِّ مع القرب. فلو كان المحبُّ بعيدًا من محبوبه لم يأنَسْ به، ولو كان قريبًا من رجلٍ ولم يحبَّه لم يأنَسْ به (^٤)، حتّى يجتمع له حبُّه مع القرب منه.
ومقامُ الصِّدق الجامعُ (^٥) للإخلاص والعزم، فباجتماعهما يصحُّ له مقامُ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦١٠١) ومسلم (٢٣٥٦) من حديث عائشة - ﵂ -.
(٢) في ع ذكر الحب بعد الإنابة.
(٣) لم يرد "هذه" في ع.
(٤) "به" ساقط من ج.
(٥) كذا في الأصل وغيره ما عدا ش ففيها "جامعٌ" كما في الفقرات الأخرى.
[ ١ / ٢١٠ ]
الصِّدق.
ومقامُ المراقبة جامعٌ للمعرفة (^١) مع الخشية، فبحسبهما يصحُّ مقام المراقبة.
ومقامُ الطُّمأنينة جامعٌ للإنابة والتّوكُّل والتّفويض والرِّضا والتّسليم. فهو معنًى يلتئم من هذه الأمور، إذا اجتمعت صار صاحبُها صاحبَ طمأنينةٍ، وما نقَص منها نقَص من الطُّمأنينة.
وكذلك الرّغبة والرّهبة، كلٌّ منهما يلتئمُ من الرّجاء والخوف. والرّجاءُ على الرّغبة أغلب، والخوفُ على الرّهبة أغلب.
وكلُّ مقامٍ من هذه المقامات، فالسّالكون بالنِّسبة إليه نوعان: أبرارٌ، ومقرَّبون. فالأبرار في أذياله، والمقرَّبون في ذِرْوةِ سنامه. وهكذا مراتب الإيمان جميعها. وكلٌّ من النّوعين لا يحصي تفاوتَهم وتفاضلَ درجاتهم إلّا الله تعالى.
وتقسيمُهم ثلاثةَ أقسامٍ عامٌّ، وخاصٌّ، وخاصُّ خاصٍّ إنّما نشأ من جعل الفناءِ غايةَ الطَّريق وعلَمَ القوم الذي (^٢) شمّرَوا إليه. وسنذكر ما في ذلك إن شاء الله تعالى، وأقسامَ الفناء ومحمودَه ومذمومَه وفاضلَه ومفضولَه، فإنَّ إشارةَ القوم إليه ومدارَهم عليه.
على أنّ التّرتيب الذي يشير إليه مرتِّبُ المنازل (^٣) لا يخلو عن تحكُّمٍ
_________________
(١) ج: "لمقام المعرفة".
(٢) ج، م، ش: "الذين"، تصحيف.
(٣) أيًّا كانَ، الهروي أو غيره. وقد كان في ل، م: "للمنازل"، فأصلح. وفي ع: "كلُّ مرتِّب للمنازل".
[ ١ / ٢١١ ]
ودعوى من غير مطابقةٍ، فإنَّ العبدَ إذا التزم عَقْدَ الإسلام، ودخل فيه كلِّه، فقد التزم لوازمَه الظّاهرةَ والباطنةَ ومقاماتِه وأحوالَه. وله في كلِّ عَقْدٍ من عقوده وواجبٍ من واجباته أحوالٌ ومقاماتٌ، لا يكون موفِّيًا لذلك العقد والواجب إلّا بها. وكلَّما وفَّى واجبًا أشرَفَ على واجبٍ آخر بعده، وكلَّما قطَع منزلةً استقبل أخرى.
وقد يعرض له أعلى المقامات والأحوال في أوّل بداية سيره، فيُفتَح عليه من حال المحبّة والرِّضا والأنس والطُّمأنينة ما لم يحصل بعدُ للسالك في نهايته. ويحتاج هذا السَّالكُ في نهايته إلى أمورٍ من البصيرة والتّوبة والمحاسبة أعظمَ من حاجة صاحب البداية إليها. فليس في ذلك ترتيبٌ كلِّيٌّ لازمٌ للسُّلوك (^١).
وقد ذكرنا أنَّ التَّوبةَ التي جعلوها من أوّل المقامات هي غايةُ العارفين ونهايةُ أولياء الله المقرَّبين، ولا ريب أنّ حاجتهم إلى المحاسبة في نهايتهم فوقَ حاجتهم إليها في بدايتهم.
فالأَولى: الكلامُ في هذه المقامات على طريقة المتقدِّمين من أئمّة القوم كلامًا مطلقًا في كلِّ مقامٍ مقامٍ ببيان حقيقته، وموجَبه، وآفته المانعة من حصوله، والقاطع عنه، وذكر عامِّه وخاصِّه. فكلامُ أئمّة الطّريق هو على هذا المنهاج لمن تأمَّلَه، كسهل بن عبد الله التُّسْتَريِّ، وأبي طالبٍ المكِّيِّ،
_________________
(١) كان في الأصل: "لاز السلوك"، فأصلح كما أثبت من ل، ج، ع. وفي م: "لأرباب السلوك". وقد ترك ناسخ ش بياضًا بعد "لا"، فكتب بعضهم في هامشها: "لعله: لأهل"، يعني: لأهل السلوك.
[ ١ / ٢١٢ ]
والجنيد بن محمَّدٍ، وأبي عثمان النَّيسابوريِّ، ويحيى بن معاذٍ الرَّازيِّ؛ وأرفعَ من هؤلاء طبقةً مثل أبي سليمان الدَّارانيِّ، وعون بن عبد الله الذي كان يقال له "حكيمُ الأمّة" (^١)، وأضرابهما؛ فإنّهم تكلَّموا (^٢) على أعمال القلوب وعلى الأحوال كلامًا مفصّلًا جامعًا مبيَّنًا مطلقًا، من غير ترتيبٍ، ولا حصرٍ للمقامات بعددٍ معلومٍ، فإنّهم كانوا أجلَّ من هذا، وهممُهم أعلى وأشرف. إنّما هم حائمون على اقتباس الحكمة والمعرفة، وطهارة القلوب، وزكاة النُّفوس، وتصحيح المعاملة. ولهذا كلامُهم قليلٌ فيه البركة، وكلامُ المتأخِّرين كثيرٌ طويلٌ قليل البركة.
ولكن لا بدّ من مخاطبة أهل الزّمان باصطلاحهم، إذ لا قوّة لهم للتَّشمير إلى تلقِّي السُّلوك عن السّلف الأول وكلماتهم وهديهم. ولو برز لهم هديُهم وحالُهم لأنكروه، ولعدُّوه سلوكًا عامِّيًّا، وللخاصّة سلوكٌ آخر، كما يقوله ضُلَّال المتكلِّمين وجَهَلتُهم: إنّ القوم كانوا أسلم، وإنَّ طريقنا أعلم (^٣)؛ وكما يقوله من لم يقدِر قدرَهم من المنتسبين إلى الفقه: إنّهم لم يتفرَّغوا لاستنباطه وضبط قواعده وأحكامه اشتغالًا منهم بغيره، والمتأخِّرون تفرَّغوا لذلك، فهم أفقه (^٤).
_________________
(١) المشهور بهذا اللقب أبو الدرداء - ﵁ -. ثم أبو مسلم الخولاني، روي أنَّ كعبًا قال فيه: "هذا حكيم هذه الأمة". انظر: "سير أعلام النبلاء" (٢/ ٣٣٥) و(٤/ ٩)، و"المعين في طبقات المحدثين" للذهبي (ص ٢٥).
(٢) ق، ل: "نظموا"، ولعله تصحيف ما أثبت من ج، ش، ع.
(٣) انظر: "درء التعارض" (٥/ ٣٧٨) و"مجموع الفتاوى" (٤/ ١٥٧).
(٤) انظر: "مجموع الفتاوى" (١١/ ٣٦٦).
[ ١ / ٢١٣ ]
فكلُّ هؤلاء محجوبون عن معرفة مقادير السّلف وعمق علومهم، وقلّة تكلُّفهم، وكمال بصائرهم. وتالله ما امتاز عنهم المتأخِّرون إلّا بالتّكلُّف والاشتغال بالأطراف التي كانت همّةُ القوم مراعاةَ أصولها، وضبطَ قواعدها، وشدَّ معاقدها؛ وهممُهم مشمِّرةٌ إلى المطالب العالية في كلِّ شيءٍ. فالمتأخِّرون في شأنٍ، والقومُ في شأنٍ آخر (^١)، و﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣].
فالأولى بنا: أن نذكر منازلَ العبوديّة الواردة في القرآن والسُّنّة، ونشيرَ إلى معرفة حدودها ومراتبها، إذ معرفةُ ذلك من تمام معرفة حدود ما أنزل الله تعالى على رسوله. وقد وصف تعالى مَن لم يعرفها بالجهل والنِّفاق، فقال: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٦]. فبمعرفةِ (^٢) حدودها درايةً والقيامِ بها رعايةً، يستكمل العبدُ الإيمانَ، ويكونُ من أهل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
ونذكر لها ترتيبًا غيرَ مستحَقٍّ، بل مستحسنٌ (^٣) بحسب ترتيب السّير الحسِّيِّ، ليكون ذلك أقربَ إلى تنزيل المعقول منزلةَ المشهود بالحسِّ، فيكونَ التّصديقُ به (^٤) أتمَّ، ومعرفتُه أكمل، وضبطُه أسهل. وهذه فائدة ضرب الأمثال، وهي خاصَّةُ العقل ولبُّه. ولهذا أكثر تعالى منها في القرآن، ونفى
_________________
(١) لم يرد لفظ "آخر" في م، ش، ع. وقد استدرك أيضًا في ق.
(٢) ما عدا ع: "فمعرفة"، فاختلَّ السياق في ق، ج، واستدرك "بها" قبل "يستكمل" في هامش ل. ووقع "بها" في ش بعد "يستكمل"، وفي م بعد "العبد".
(٣) كذا في الأصل وغيره. يعني: "بل هو مستحسن".
(٤) "به" ساقط من ع.
[ ١ / ٢١٤ ]