كتابنا ثابت النسبة إلى مؤلفه ابن قيم الجوزية - ﵀ -، ولم يشك في صحتها أحد فيما نعلم. وقد ذكر صاحب «كشف الظنون» (٢/ ١٦٤٠) كتابًا لابن الجوزي باسم «مدارج السالكين»، ولا ندري ما مصدره، وهو أيضًا لم يقف على نسخة منه ليذكر أولها. وقد رأينا أنه يحدث الخلط أحيانًا بين ابن الجوزي وابن قيم الجوزية، ولكن حاجي خليفة لم يخلط بين الكتاب الذي نسبه إلى ابن الجوزي وبين كتابنا الذي سمَّاه «مدارج السالكين في شرح منازل السائرين»، فذكرهما كتابين مستقلين. هذا في حرف الميم، ثم ذكره مرة أخرى ضمن شروح «منازل السائرين». والدلائل على صحة نسبة الكتاب إلى ابن القيم متوافرة متظافرة، نذكر هنا جملة منها:
١) فأولها ذكرُه في ثبت مؤلفاته في كتب التراجم، وأهمُّ هذه الكتب: «ذيل طبقات الحنابلة» لتلميذه الحافظ ابن رجب الحنبلي، ذكره أولًا في ترجمة شيخ الإسلام الهروي (١/ ١٥٠)، ثم في ترجمة شيخه ابن القيم (٥/ ١٣٥). وذكره الحافظ ابن حجر في «الدرر الكامنة» (٥/ ١٣٩). وعلى كتابَي ابن رجب وابن حجر اعتمدت الكتب الأخرى في ذكر كتاب المدارج ضمن مؤلفات ابن القيم.
٢) ومن الدلائل: إجماع نُسَخ الكتاب الخطية، القديمة منها والمتأخرة، على نسبته إلى ابن القيم.
٣) ومنها ما اقتبسه العلماء من كتابنا مع الإحالة الصريحة عليه، وسيأتي ذكر هذه النقول في مبحث الصادرين عن الكتاب.
[ ١ / ١٤ ]
٤) ومنها أن المؤلف نفسه أحال عليه في كتابه «مسألة السماع» (ص ١٠٠) وسمَّاه «مراحل السائرين بين إياك نعبد وإياك نستعين». وقد أشار إليه أيضًا في «زاد المعاد» (٤/ ٢٥٣) في الظاهر، وقد نبهنا في التعليق على هذا الموضع من «الزاد» أن الشيخ الفقي - ﵀ - قد زاد في المتن هنا: «مدارج السالكين» بين شرطتين من عنده خلافًا للنسخ، وتبعته طبعة الرسالة.
٥) وكذلك أحال - ﵀ - في هذا الكتاب على كتب أخرى من تأليفه، منها ما وصل إلينا وطبع وهي خمسة كتب:
- مفتاح دار السعادة ومطلب أهل العلم والإرادة (١/ ١٤٠، ٤/ ٥١٠)
- الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (٤/ ٣٠٦)
- سفرالهجرتين وطريق السعادتين (١/ ١٤٠، ٢/ ٣، ١٣٠، ٢٨٨)
- إغاثة اللهفان في طلاق الغضبان (٤/ ٢٣٤)
- الوابل الصيب ورافع الكلم الطيب (٣/ ٢١٩)
والمسائل التي أحال لبحثها على هذه الكتب كلها مبحوث فيها، كما سترى في تعليقاتنا على المواضع المذكورة.
ومن مؤلفاته التي أحال عليها وهي لا تزال في عداد المفقود كتابان:
- قرة عيون المحبين وروضة قلوب العارفين
- تحفة النازلين بجوار رب العالمين
أما الكتاب الأول فقال في «المدارج» (١/ ١٤١): «وقد بينا فساد قولهم
[ ١ / ١٥ ]
وإنكارهم محبة الله من أكثرمن ثمانين وجهًا في كتابنا المسمى (قرة عيون المحبين وروضة قلوب العارفين)، وذكرنا فيه وجوب تعلق المحبة بالحبيب الأول من جميع طرق الأدلة النقلية والعقلية والذوقية والفطرية ».
ثم قال في المجلد الثاني (ص ٢٨٧) بعد بحث مسألة: هل يبقى الاشتياق عند لقاء المحبوب أو يزول: «وقد ذكرنا هذه المسألة مستقصاةً وتوابعَها في كتابنا الكبير في المحبَّة ». وبمثله وصفه في المجلد الثالث (ص ٣٨٤) بعد ما ذكر أن جميع طرق الأدلة تدل على إثبات محبة العبد لربه والرب لعبده، فقال: «وقد ذكرنا لذلك قريبا من مائة طريق في كتابنا الكبير في المحبة، وذكرنا فيه فوائد المحبة وما تثمر لصاحبها من الكمالات وأسبابها وموجباتها والرد على من أنكرها ».
نضم إلى ما سبق قوله في طريق الهجرتين (ص ١٢٤): «قد ذكرنا مجموع هذه الطرق فى كتابنا الكبير فى المحبة الذي سميناه «المورد الصافي، والظل الضافي» في المحبة وأَقسامها وأَنواعها وأَحكامها وبيان تعلقها بالإله الحق دون ما سواه، وذكرنا من ذلك ما يزيد على مائة وجه».
هذه النصوص مع دلالتها على أنها صدرت جميعًا عن قلم واحد وتأكيد نسبتها إلى مؤلفها، تفيد أيضًا أن الكتاب الذي أشار إليه في موضعين بقوله: «كتابنا الكبير في المحبة» هو «قرة عيون الموحدين وروضة قلوب العارفين»، وأن «المورد الصافي والظل الضافي» المذكور في طريق الهجرتين عنوان آخر للكتاب نفسه.
أما كتاب «تحفة النازلين بجوار رب العالمين»، فأحال عليه المؤلف في مسألة التحسين والتقبيح العقليين والرد على نفاته فقال: «وقد بينا بطلان
[ ١ / ١٦ ]
هذاالمذهب من ستين وجها في كتابنا المسمى (تحفة النازلين بجوار رب العالمين) وأشبعنا الكلام في هذه المسألة هناك، وذكرنا جميع ما احتج به أرباب هذا المذهب وبطلانه». هذا ما قاله في (١/ ٣٦٠)، ولكن أحال من قبل (١/ ١٤٠) ومن بعد (٤/ ٥١٠) لهذه المسألة نفسها على كتاب «مفتاح دار السعادة»، فقال في الموضع الأول: «ولهذ الأصل لوازم وفروع كثيرة فاسدة، وقد ذكرناها في كتابنا الكبير المسمى (مفتاح دار السعادة ) وبينا فساد هذا الأصل من نحو ستين وجها».ومثله في الموضع الآخر. فيحتمل أن يكون كتاب «تحفة النازلين» مثل كتاب «التحفة المكية» مجموعا مستقلا قيَّد فيه فوائد ثم نقلها إلى كتبه الأخرى، أو عنوانًا آخر للتحفة المكية نفسها.
٦) ومنها ما نثره المؤلف - ﵀ - في فصول كثيرة من الكتاب من أقوال شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - وآرائه وترجيحاته، ينقل بعضها من كتبه، ويروي بعضها عنه شفاها.
٧) ومنها مناقشات المؤلف واحتجاجاته وترجيحاته في مباحث عديدة اشترك فيهاهذا الكتاب وغيره من كتب المؤلف، ومنها ما أحال لها على كتبه الأخرى التي أشرنا إليها آنفا، نحو مسألة التحسين والتقبيح، ومسألة حب الله لخلقه، وغيرهما. ثم أسلوب المؤلف ونفَسه ومنهجه في الكلام على المسائل الخلافية وغير ذلك من خصائص كتبه=كلُّ ذلك مستعلن في كتابنا هذا أيضا، بحيث لو حذف عنوان الكتاب واسم مؤلفه لم يشكّ قارئه في كونه من تأليف ابن القيم - ﵀ -.
* * * *
[ ١ / ١٧ ]