بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ربِّ يسِّرْ (^١)
الحمد لله ربِّ العالمين، والعاقبة للمتّقين، ولا عدوان إلّا على الظّالمين. وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، ربُّ العالمين، وإلهُ المرسلين، وقيُّومُ السّماوات والأرضين. وأشهد أنّ محمّدًا عبده ورسوله المبعوث بالكتاب المبين، الفارقِ بين الهدى والضَّلال، والغيِّ والرَّشاد، والشَّكِّ واليقين. أنزله لنقرأه تدبُّرًا، ونتأمّلَه تبصُّرًا، ونسعدَ به تذكُّرًا؛ ونحملَه على أحسن وجوهه ومعانيه، ونصدِّقَ أخباره ونجتهدَ على إقامة أوامره ونواهيه، ونجتنيَ ثمارَ علومه النّافعة الموصِلة إلى الله سبحانه من أشجاره، ورياحينَ الحِكَم من بين رياضه وأزهاره.
فهو كتابُه الدَّالُّ لمن أراد معرفته، وطريقُه المُوصِلةُ لسالكها إليه، ونورُه المبينُ الذي أشرقت له الظُّلمات، ورحمتُه المهداة التي بها صلاح جميع المخلوقات، والسَّببُ الواصلُ بينه وبين عباده إذا انقطعت الأسباب، وبابه الأعظم الذي منه الدُّخول، فلا يُغلَق إذا غلِّقت الأبواب.
وهو الصِّراط المستقيم الذي لا تميل به الآراء، والذِّكر الحكيم الذي لا تزيغ به الأهواء، والنُّزُل الكريم الذي لا يشبع منه العلماء. لا تفنى عجائبه، ولا تُقلِع سحائبه، ولا تنقضي آياته، ولا تختلف دلالته (^٢). كلّما ازدادت
_________________
(١) ل، ج: "ربِّ يسِّر وأعن". ش: "وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت".
(٢) هكذا في ق المقروءة على المؤلف وغيرها. وفي ش: "دلالاته"، وكذا غيَّر بعضهم في ل، وهو مقتضى السجع. وفي م: "ولا تُخلِف".
[ ١ / ٣ ]
البصائر فيه تأمُّلًا وتفكيرًا (^١) زادها هدايةً وتبصيرًا (^٢). وكلّما بجَسَتْ مَعينَه فجَّر لها ينابيع الحكمة تفجيرًا. فهو نور البصائر من عماها (^٣)، وشفاء الصُّدور من أدوائها وجواها؛ وحياة القلوب، ولذّة النُّفوس، ورياض القلوب، وحادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، والمنادي بالمساء والصّباح: يا أهل الفلاح، حيَّ على الفلاح.
نادى به منادي الإيمان على رأس الصِّراط (^٤) المستقيم: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١]. أسمَعَ واللهِ لو صادف آذانًا واعيةً، وبصَّر لو صادف قلوبًا من الفساد خاليةً. لكن عصفت على القلوب هذه الأهواء، فأطفأت مصابيحَها. وتمكّنت منها آراء الرِّجال، فأغلقت أبوابَ رشدها، وأضاعت مفاتيحَها (^٥). وران عليها كسبُها، فلم تجد حقائقُ القرآن فيها منفذًا. وتحكّمت فيها أسقامُ الجهل، فلم تنتفع معها بصالح الغِذا.
واعجبًا لها! جعلت غذاءها من هذه الآراء التي لا تُسْمِن ولا تُغني من جوعٍ، ولم تقبل الاغتذاء (^٦) بكلام ربِّ العالمين، ونصِّ نبيِّه المرفوع! سبحان الله! كيف اهتدت في ظُلَم الآراء إلى التّمييز بين الخطأ والصّواب،
_________________
(١) ما عدا ق، ش: "تفكرا".
(٢) ل، ج، ع: "تبصرا".
(٣) م: "عن عماها". ج، ع: "من عمائها".
(٤) ج: "السراط".
(٥) العبارة: "وتمكنت منها مفاتيحها" ساقطة من ع.
(٦) ج، ع: "الغذاء".
[ ١ / ٤ ]
وخفي عليها ذلك في مطالع الأنوار من السُّنّة والكتاب!
واعجبًا! كيف ميّزت بين صحيح الآراء وسقيمها، ومقبولها ومردودها، وراجحها ومرجوحها؛ وأقرّت على أنفسها بالعجز عن تلقِّي الهدى والعلم من كلامِ مَن لا يأتيه الباطل (^١) من بين يديه ولا من خلفه، وهو الكفيل بإيضاح الحقِّ مع غاية التِّبيان؛ وكلامِ مَن أوتي جوامعَ الكلم، واستولى على الأمد الأقصى من البيان؟
كلّا! بل هي ــ واللهِ ــ فتنةٌ أعمت القلوبَ عن مواقع رشدها، وحيَّرت العقولَ عن طرائق قصدها؛ يربّى فيها الصّغير، ويهرم عليها (^٢) الكبير.
وظنّت خفافيش البصائر أنّها الغاية التي يُسابِق (^٣) المتسابقون إليها، والنِّهاية التي يتنافس (^٤) المتنافسون فيها (^٥)، وتزاحموا (^٦) عليها. وهيهات! أين السُّهى من شمس الضُّحى، وأين الثَّرى من كواكب الجوزاء! وأين الكلام الذي لم يُضمَن (^٧) لنا عصمةُ قائله بدليلٍ معلومٍ، من النّقل المصدَّق
_________________
(١) ش، ع: "من كلامٍ لا يأتيه الباطل" بحذف "مَنْ"، وضرب بعضهم عليها في ل، فإن كتاب الله هو الذي وصف في القرآن بأنه لا يأتيه الباطل. ومن ثم زِيد في بعض الطبعات بعد "مَن": "كلامُه".
(٢) ع: "فيها".
(٣) ج، ع: "تسابق"، وهو أشبه.
(٤) حكّ بعضهم ياء المضارع في ل ليوافق الفعل الماضي الآتي، وهو أشبه.
(٥) السياق في ع: "تسابق إليها المتسابقون فيها المتنافسون".
(٦) ج: "يتزاحموا" ليناسب الفعل المضارع السابق.
(٧) ل: "تضمن". وضبط "عصمةَ" بالنصب في ق المقابلة والمقروءة على المؤلف!
[ ١ / ٥ ]
عن القائل المعصوم! وأين الأقوال التي أعلى درجاتها أن تكون سائغة الاتِّباع، من النُّصوصِ الواجبِ على كلِّ مسلمٍ تقديمُها وتحكيمُها والتّحاكمُ إليها في محلِّ النِّزاع! وأين الآراء التي نهى قائلُها عن تقليده فيها وحذَّر، إلى النُّصوص التي فرضٌ (^١) على كلِّ عبد أنه (^٢) يهتدي بها ويتبصَّر! وأين المذاهب التي إذا مات أربابها فهي من جملة الأموات، إلى النُّصوص التي لا تزول إذا زالت الأرض والسّماوات!
سبحان الله! ماذا حُرم المعرضون عن نصوص الوحي واقتباس العلم من مشكاتها من كنوز الذّخائر! وماذا فاتهم من حياة القلوب واستنارة البصائر! قنعوا بأقوالٍ استنبطها معاولُ الآراء فِكَرًا، وتقطَّعوا أمرهم بينهم لأجلها زُبُرًا (^٣). وأوحى بعضهم إلى بعضٍ زخرف القول غرورًا، فاتّخذوا لأجل ذلك القرآن مهجورًا.
درست معالم القرآن في قلوبهم فليسوا يعرفونها، ودثرت معاهده عندهم فليسوا يعمرونها، ووقعت ألويته وأعلامه من أيديهم فليسوا يرفعونها، وأفَلَتْ كواكبُه النّيِّرة من آفاق نفوسهم فلذلك لا يحبُّونها، وكسَفت شمسُه عند اجتماع ظُلَمِ آرائهم وعُقَدِها فليسوا يبصرونها.
خلعوا نصوص الوحي من سلطان الحقيقة، وعزلوها عن ولاية اليقين. وشنُّوا عليها غارات التّأويلات الباطلة، فلا يزال يخرج عليها من جيوشهم
_________________
(١) هكذا ضبط في ش.
(٢) كذا في جميع النسخ.
(٣) هكذا ضبط في معظم النسخ بضم الباء، ولم يضبط في الأصل (ق). ولو ضبط بفتح الباء كما في قراءة أبي عمرو في سورة المؤمنون (٥٣) لكان أوقع في السجع.
[ ١ / ٦ ]
كمينٌ بعد كمينٍ. نزلت عليهم نزول الضّيف على أقوامٍ لئامٍ، فعاملوها بغير ما يليق بها من الإجلال والإكرام. وتلقَّوها من بعيدٍ، ولكن بالدَّفع في صدورها والأعجاز. وقالوا: ما لك عندنا من عبورٍ، وإن كان لا بدّ، فعلى سبيل المجاز!
أنزلوا النُّصوص منزلة الخليفة في (^١) هذا الزّمان، له السِّكّة (^٢) والخطبة وما له حكمٌ نافذٌ ولا سلطانٌ. المتمسِّكُ عندهم بالكتاب والسُّنّة صاحب ظواهر، مبخوسٌ حظُّه من المعقول. والمقلِّدُ للآراء المتناقضة المتعارضة والأفكار المتهافتة لديهم هو الفاضل المقبول. وأهلُ الكتاب والسُّنّة المقدِّمون لنصوصها على غيرها جهّالٌ لديهم منقوصون! ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٣].
حُرموا ــ واللهِ ــ الوصولَ، بعدولهم عن منهج الوحي وتضييعهم الأصول. تمسّكوا بأعجازٍ لا صدور لها، فخانتهم أحرصَ ما كانوا عليها، وتقطّعت بهم أسبابُها أحوجَ ما كانوا إليها؛ حتّى إذا بُعثِر ما في القبور، وحُصِّل ما في الصُّدور، وتميَّز لكلِّ قومٍ حاصلُهم الذي حصَّلوه، وانكشفت لهم حقيقةُ ما اعتقدوه، وقَدِموا على ما قدَّموه، وبدا لهم من الله ما لم يكونوا ليحتسبوه (^٣)، وسُقِط في أيديهم عند الحصاد لمّا عاينوا غلَّةَ ما بذروه= فيا شدّةَ الحسرة عندما يعاين (^٤)
_________________
(١) "في" ساقط من ش.
(٢) هي الحديدة المنقوشة التي كانت تطبع عليها الدراهم والدنانير، وقد تطلق على النقود المضروبة نفسها.
(٣) ما عدا ق، ل: "يحتسبوه"، وضرب بعضهم على "يكونوا" في ش لإصلاح العبارة.
(٤) ش: "عاين".
[ ١ / ٧ ]
المبطلُ سعيَه وكدَّه هباءً منثورًا! ويا عِظَمَ المصيبة عندما يتبيَّن (^١) بوارقَ أمانيه خُلَّبًا، وآمالَه الكاذبة غرورًا! فما ظنُّ من انطوت سريرته على البدعة والهوى والتّعصُّب للآراء بربِّه يوم تبلى السّرائر؟ وما عذرُ مَن نبَذ الوحيين وراء ظهره في يومٍ لا تنفع (^٢) الظّالمين فيه (^٣) المعاذر؟
أفيظنُّ المُعرض عن كتاب ربِّه وسنَّة رسوله أن ينجو من ربِّه بآراء الرِّجال؟ أو يتخلّص من بأس الله بكثرة البحوث والجدال، وضروب الأقيسة وتنوُّع الأشكال؟ أو بالإشارات والشّطحات وأنواع الخيال؟ هيهات! والله، لقد ظنّ أكذب الظّنِّ، ومنَّته نفسُه أبينَ المُحال! وإنّما ضُمِنت النّجاة لمن حكَّم هدى الله تعالى على غيره، وتزوَّد التّقوى، وائتمَّ بالدّليل، وسلك الصِّراط المستقيم، واستمسَك من الوحي بالعروة الوثقى التي (^٤) لا انفصام لها، والله سميعٌ عليمٌ (^٥).
وبعد، فلمّا كان كمال الإنسان إنّما هو بالعلم النّافع، والعمل الصَّالح ــ وهما الهدى ودين الحقِّ ــ وبتكميله لغيره في هذين الأمرين، كما قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [سورة العصر]، فأقسم سبحانه أنَّ كلَّ أحدٍ (^٦)
_________________
(١) ش: "تتبين".
(٢) ل، ش: "ينفع". ولم ينقط حرف المضارع في م، ج.
(٣) ج: "فيه الظالمين"، وكذا في ق، ل مع علامة التقديم والتأخير فوق الكلمتين.
(٤) لم يرد "التي" في م.
(٥) معظم كلام المؤلف من قوله: "لكن عصفت على القلوب " (ص ٤) إلى هنا قد ورد مع شيء من الاختلاف في كتابه "اجتماع الجيوش الإسلامية" (ص ٧٩ - ٨٣).
(٦) ل: "واحد".
[ ١ / ٨ ]
خاسرٌ إلّا من كمَّل قوّتَه العلميّة بالإيمان، وقوّتَه العمليّة بالعمل الصّالح، وكمَّل غيره بالتّوصية له بالحقِّ والصّبر عليه؛ فالحقُّ هو الإيمان والعمل، ولا يتمُّ إلّا بالصَّبر عليه والتَّواصي به= كان (^١) حقيقًا بالإنسان أن ينفق ساعاتِ عمره بل أنفاسَه فيما ينال به المطالب العالية، ويخلص (^٢) به من الخسران المبين. وليس ذلك إلّا بالإقبال على القرآن وتفهُّمه وتدبُّره واستخراج كنوزه، وإثارة دفائنه، وصرف العناية إليه، والعكوف بالهمّة عليه؛ فإنّه الكفيل بمصالح العباد في المعاش والمعاد، والمُوصِل لهم إلى سبيل الرّشاد. فالحقيقة، والطّريقة، والأذواق والمواجيد الصّحيحة= كلُّها لا تُقْتبَس إلّا من مشكاته، ولا تُسْتثمَر إلّا من شجراته.
ونحن ــ بعون الله ــ ننبِّه على هذا بالكلام على فاتحة الكتاب وأمِّ القرآن، وعلى بعض ما تضمَّنته هذه السُّورة من هذه المطالب، وما تضمَّنته من الرَّدِّ على جميع أهل البدع والضَّلال، وما تضمَّنته من منازل السَّائرين ومقامات العارفين، والفرقِ بين وسائلها وغاياتها، ومواهبها وكسبيّاتها؛ وبيانِ أنّه لا يقوم غيرُ هذه السُّورة مقامَها، ولا يسُدُّ مسَدَّها، ولذلك لم ينزل (^٣) في التّوراة ولا في الإنجيل ولا في الزَّبور ولا في القرآن مثلُها. والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله (^٤).
* * * *
_________________
(١) جواب "فلما كان كمال ".
(٢) ج: "يتخلص".
(٣) ج: "تنزل".
(٤) ع: "بالله العظيم".
[ ١ / ٩ ]