وقال بكر بن عبد الله المُزَنيُّ: طريق رسول الله - ﷺ -.
ولا ريب أنَّه ما كان عليه رسول الله - ﷺ - وأصحابه علمًا وعملًا، وهو معرفةُ الحقِّ وتقديمُه وإيثارُه على غيره (^١).
فبهذا الطَّريق المجملة نعلم (^٢) أنَّ كلَّ ما خالفه فباطلٌ، وهو من صراط الأمّتين: الأمّة الغضبيّة، وأمّة الضّلال (^٣).
فصل
وأمّا الطريق المفصَّلة (^٤)، فمعرفة المذاهب الباطلة، واشتمال كلمات الفاتحة على إبطالها، فنقول:
النّاس قسمان: مقرٌّ بالخالق تعالى، وجاحدٌ له. فتضمُّنُ (^٥) الفاتحة لإثبات الخالق تعالى والرَّدِّ على من جحَده: بإثبات ربوبيّته تعالى للعالمين.
وتأمَّلْ حالَ العالم كلِّه: علويِّه وسفليِّه، بجميع أجزائه، تجِدْه شاهدًا بإثبات صانعه (^٦) وفاطره ومليكه. فإنكارُ صانعه وجحدُه في العقول والفِطَر
_________________
(١) في ع بعده زيادة: "فهو الصراط المستقيم، وكل هذه الأقوال المتقدِّمة دالَّة عليه جامعة له".
(٢) ع: "المجمل يُعلم".
(٣) ع: "وأمة أهل الضلال".
(٤) ع، ج: "المفصل"، وكذا كان في الأصل ثم أصلح.
(٥) ضبط في م، ش بضم الميم المشدَّدة، يعني أنه مبتدأ، والخبر: "بإثبات". وفي ق، ج: "فضمن"، وكذا كان في ل ثم زيدت التاء.
(٦) ج: "صفات صانعه".
[ ١ / ٩٤ ]
بمنزلة إنكار العالم وجحده، لا فرق بينهما. بل دلالةُ الخالق على المخلوق، والفعَّالِ (^١) على الفعل، والصَّانعِ على أحوال المصنوع، عند العقول الزَّاكية المشرقة العُلْويّة والفِطَر الصّحيحة= أظهَرُ من العكس.
والعارفون (^٢) أرباب البصائر يستدلُّون بالله على أفعاله وصُنْعه، إذا استدلَّ النّاسُ بصُنعه وأفعاله عليه. ولا ريب أنّهما طريقان صحيحان، كلٌّ منهما حقٌّ، والقرآن مشتملٌ عليهما.
فأمّا الاستدلالُ بالصّنعة فكثيرٌ. وأمّا الاستدلال بالصّانع فله شأنٌ، وهو الذي أشارت إليه الرُّسل بقولهم لأممهم: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي﴾ أي أيُشَكُّ في الله حتّى يُطلَب إقامةُ الدّليل على وجوده! وأيُّ دليلٍ أصحُّ وأظهر من هذا المدلول! فكيف يُسْتدَلُّ على الأظهر بالأخفى! ثمّ نبّهوا على الدّليل بقولهم: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠].
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيميّة - ﵁ - (^٣) يقول: كيف تَطلُب (^٤) الدّليلَ على من هو دليلٌ على كلِّ شيءٍ؟ وكان كثيرًا يتمثَّل بهذا البيت:
وليس يصحُّ في الأذهان شيءٌ إذا احتاج النّهار إلى دليلٍ (^٥)
_________________
(١) ل، ج: "الفاعل".
(٢) ع: "فالعارفون".
(٣) ج: "﵀". وفي ع: "تقي الدين بن تيمية".
(٤) م، ج، ع: "يُطلب".
(٥) البيت للمتنبي في "ديوانه" (ص ٣٣٤ - ط عزَّام) وقد أنشده المؤلف في غير كتاب له، وسيأتي مرة أخرى في كتابنا هذا. والرواية: "في الأفهام".
[ ١ / ٩٥ ]
ومن المعلوم (^١) أنّ وجودَ الرَّبِّ تعالى أظهَرُ للعقول والفِطَر من وجود النّهار. ومن لم ير ذلك في عقله وفطرته فليتَّهمها (^٢).
وإذا بطل قولُ هؤلاء بطل قولُ أهل الإلحاد (^٣) القائلين بوحدة الوجود وأنَّه ما ثَمَّ وجودٌ قديمٌ خالقٌ، ووجودٌ حادثٌ مخلوقٌ؛ بل وجودُ هذا العالم هو عينُ وجود الله، وهو حقيقةُ هذا العالم. فليس عند القوم ربٌّ وعبدٌ، ولا مالكٌ ومملوكٌ، ولا راحمٌ ومرحومٌ، ولا عابدٌ ومعبودٌ، ولا مستعينٌ ومستعانٌ به، ولا هادٍ ومهديٌّ، ولا منعِمٌ ومنعَمٌ عليه، ولا غضبانُ ومغضوبٌ عليه بل الرَّبُّ هو نفسُ العبد وحقيقته، والمالكُ هو عين المملوك، والرَّاحمُ عين المرحوم، والعابدُ نفس المعبود. وإنّما التّغاير أمرٌ اعتباريٌّ بحسَبِ مظاهر الذّات وتجلِّياتها، فتظهر تارةً في صورة المعبود كما ظهرت في صورة فرعون، وفي صورة عبد كما ظهرت في صورة العَبِيد، وفي صورة هادٍ كما ظهرت في صورة الأنبياء ﵈ والرُّسل والعلماء. والكلُّ من عينٍ واحدةٍ، بل هو العين الواحدة. فحقيقةُ العابد ووجودُه وإنِّيّتُه (^٤): هي حقيقة المعبود
_________________
(١) ع: "ومعلومٌ".
(٢) ل: "فليتهمهما".
(٣) ما عدا م، ع: "الاتحاد"، وأشير إليها في هامش نسخة م، ولعله تصحيف.
(٤) ق، ل: "أينيته" ولكنها مغيَّرة فيهما. وفي ش: "أيِّيَّته" نسبة إلى "أيّ". والمثبت من ج. في "تعريفات الجرجاني" (ص ٣٩ - ط فلوغل): "الإنِّيّة: تحقُّق الوجود العيني من حيث مرتبة الذاتية". والوارد في ش، ق ليس غلطًا ولكنه غير مقصود هنا فيما يظهر. قال صاحب "الشفا" في قسم المنطق ــ المدخل (ص ٤٦): "إنَّ الذَّاتيَّ الدالَّ على الماهية يقال له: المقول في جواب ما هو؟ والذاتِيُّ الدالُّ على الإنِّيَّة يقال له: المقول في جواب أيُّ شيء هو في ذاته؟ أو أيُّ ما هو؟ ". الظاهر أن "الإنيَّة" في عبارة "الشفا" هذه تصحيف "الأيِّيَّة". وانظر: "رسائل الكندي الفلسفية" (ص ١٢٩) ــ تعليق المحقق. و"المعجم الفلسفي" لجميل صليبا (ص ١٦٩ - ١٧١).
[ ١ / ٩٦ ]