خصائص الرُّبوبيّة، والقِدَمُ من خصائص الرُّبوبيّة، فالتّوحيد ينفي ثبوته لغيره ضرورةً، كما ينفي ثبوت الرُّبوبيّة (^١) والإلهيّة لغيره (^٢).
فصل
في بيان تضمُّنها للرّدِّ على الرّافضة
وذلك من قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخرها. ووجهُ تضمُّنِه إبطالَ قولهم: أنّه سبحانه قسم النّاسَ إلى ثلاثة أقسامٍ: منعَمٌ عليهم، وهم أهل الصِّراط المستقيم الذين عرفوا الحقَّ واتّبَعوه. ومغضوبٌ عليهم، وهم الذين عرفوا الحقّ ورفضوه. وضالُّون، وهم الذين أخطؤوه وجهلوه.
فكلُّ من كان أعرفَ بالحقِّ وأتبعَ له كان أولى بالصِّراط المستقيم. ولا ريب أنَّ أصحاب رسول الله - ﷺ - (^٣) أولى بهذه الصِّفة من الرّوافض، فإنّه من المحال أن يكون أصحاب رسول الله - ﷺ - جهلوا الحقَّ وعرفه الرّوافضُ، أو رفضوه وتمسَّك به الرّوافض.
ثمّ إنّا رأينا آثار الفريقين تدلُّ على أهل الحقِّ منهما، فرأينا أصحاب رسول الله - ﷺ - فتحوا بلاد الكفر وأقاموها (^٤) بلاد إسلامٍ، وفتحوا القلوب بالقرآن والعلم (^٥) والهدى، فآثارُهم تدلُّ على أنّهم هم أهل الصِّراط
_________________
(١) العبارة "والقدم الربوبية" من ع وحدها، وهي ساقطة من غيرها ــ ومنها ق المقروءة على المؤلف! ــ لانتقال نظر ناسخ أصلها.
(٢) فوقها في ل علامة الاستشكال وذلك لما سقط من النص.
(٣) في ع بعده زيادة: "ورضي عنهم".
(٤) ع: "وقلبوها".
(٥) "والعلم" ساقط من ش.
[ ١ / ١١٢ ]
المستقيم. ورأينا الرّافضةَ بالعكس في كلِّ زمانٍ (^١)، فإنّه قطُّ ما قام للمسلمين عدوٌّ من غيرهم إلّا كانوا أعوانهم على الإسلام. وكم جرُّوا على الإسلام وأهله من بليّةٍ! وهل عاثت سيوفُ المشركين عُبَّادِ الأصنام من عسكر هُلاكو (^٢) أو ذويه إلّا من تحت رؤوسهم! وهل عُطِّلت المساجد، وحُرِّقت المصاحف، وقُتِلت سَرَواتُ المسلمين وعلماؤهم وعُبّادهم وخليفتهم إلّا بسببهم ومن جَرَّائهم! ومظاهرتهم للمشركين والنّصارى معلومةٌ عند الخاصّة والعامّة. وآثارهم في الدِّين معلومةٌ. فأيُّ الفريقين أحقُّ بالصِّراط المستقيم! وأيُّهم أحقُّ بالغضب والضّلال! (^٣).
ولهذا فسَّر السَّلفُ الصِّراط المستقيم وأهله بأبي بكرٍ وعمر وأصحاب رسول الله - ﷺ -. وهو كما فسَّروه، فإنّه صراطهم الذي كانوا عليه، وهو عينُ صراط نبيِّهم - ﷺ -، وهم الذين أنعم الله عليهم، وغضب على أعدائهم وحكم لهم بالضّلال.
قال أبو العالية رُفَيعٌ (^٤) الرِّياحيُّ والحسن البصريُّ - ﵄ - وهما من أجلِّ التابعين: الصِّراط المستقيم: رسول الله - ﷺ - وصاحباه (^٥).
_________________
(١) في ع بعده زيادة: "ومكان".
(٢) رسمه في ش: "هولاكو".
(٣) في ع بعده زيادة: "إن كنتم تعلمون".
(٤) ما عدا م، ش، ع: "ربيع"، تصحيف.
(٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" (١/ ١٧٥) وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١/ ٣٠، ٣/ ٧٢١، ٩٩٧، ٤/ ١٢٨٧، ١٣٣٧). وفيه أنه لما ذُكِر ذلك للحسن قال: "صدق أبو العالية ونصح". وأخرجه الحاكم (٢/ ٢٥٩) عن أبي العالية عن ابن عباس - ﵄ - من قوله.
[ ١ / ١١٣ ]
وقال أبو العالية أيضًا في قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾: هم آل رسول الله - ﷺ - وأبو بكرٍ وعمر - ﵄ - (^١). وهذا حقٌّ، فإنّ آله وأبا بكرٍ وعمر على طريقٍ واحدةٍ، ولا خلاف بينهم. وموالاةُ بعضهم بعضًا، وثناؤه عليه (^٢)، ومحاربةُ من حاربه، ومسالمةُ من سالمه= معلومةٌ عند الأمّة خاصِّها وعامِّها.
وقال زيد بن أسلم: الذين أنعم عليهم هم رسول الله - ﷺ - وأبو بكرٍ وعمر - ﵄ - (^٣). ولا ريب أنّ المنعَم عليهم هم أتباعه، والمغضوب عليهم هم الخارجون عن اتِّباعه. وأتبَعُ الأمّة له وأطوَعُهم أصحابه وأهل بيته، وأتبَعُ الصّحابةِ له السَّمع والبصَر: أبو بكرٍ وعمر. وأشدُّ الأمّة مخالفةً له هم الرّافضة، فخلافُهم له معلومٌ عند جميع فِرَق الأمّة. ولهذا يُبغضون السُّنّة وأهلها، ويعادونها ويعادون أهلها. فهم أعداءُ سنّتِه وأهلِ بيته وأصحابه بالذات. فميراثُهم من أمَّتَي الغضب والضلال أتمُّ ميراث. وميراثُ أصحابه وأهل بيته (^٤) وأتباعهم من نبيِّهم أكملُ ميراث، بل هم ورثته حقًّا.
فقد تبيَّن أنّ الصِّراط المستقيم طريق أصحابه وأتباعه، وطريقُ أهل الغضب والضّلال طريقُ الرّافضة.
وبهذه الطّريق بعينها يُرَدُّ على الخوارج، فإنَّ معاداتَهم للصَّحابة معروفةٌ.
_________________
(١) هو الأثر السابق نفسه.
(٢) ش: "عليهم"، وكذا غيِّر في م، وهو خطأ.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) العبارة "وأصحابه بالذات وأهل بيته" ساقطة من ع لانتقال النظر.
[ ١ / ١١٤ ]