ووجوده وإنِّيّته.
فالفاتحة من أوّلها إلى آخرها تبيِّن بطلان قول هؤلاء الملاحدة وضلالهم.
فصل
والمقرُّون بالرَّبِّ تعالى أنّه صانع العالم نوعان:
نوعٌ ينفي مباينتَه لخلقه، ويقولون: لا مباين ولا محايث (^١)، ولا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا يمينه ولا يساره، ولا خلفه ولا أمامه، ولا فيه ولا بائن عنه. فتضمُّنُ الفاتحةِ للرَّدِّ على هؤلاء من وجهين (^٢):
أحدهما: إثبات ربوبيّته ﷿ للعالم، فإنَّ الرُّبوبيَّةَ المحضةَ تقتضي مباينةَ الرَّبِّ للعالم بالذّات، كما باينهم بالرُّبوبيّة وبالصِّفات والأفعال. فمَن لم يُثبت ربًّا مباينًا للعالم فما أثبَتَ ربًّا، فإنّه إذا نفى المباينة لزمه أحدُ أمرين لزومًا لا انفكاك له عنه البتّة: إمّا أن يكون هو نفسَ هذا العالم، وحينئذٍ يصحُّ قوله، فإنّ العالم لا يباين ذاته ونفسه. ومن هاهنا دخل أهلُ الوحدة، كانوا معطِّلةً أوّلًا، واتِّحاديّةً ثانيًا. وإمّا أن يقول: ما ثَمَّ ربٌّ يكون مباينًا ولا محايثًا، ولا داخلًا ولا خارجًا، كما قالته (^٣) الدّهريّة المعطِّلة للصّانع.
_________________
(١) ع: "مجانب"، تصحيف.
(٢) لم يذكر المؤلف الوجه الثاني. ومن الغريب أنه لم يتفطَّن لذلك عند قراءة الكتاب عليه، لا هو ولا القراء.
(٣) ع: "قاله".
[ ١ / ٩٧ ]
وأمّا هذا القول الثّالث المشتمل على جمع النّقيضين: إثباتِ الرَّبِّ مغايرًا (^١) للعالم مع نفي مباينته للعالم، وإثباتِ خالقٍ قائمٍ بنفسه، لا في العالم ولا خارج العالم، ولا فوق العالم ولا تحته، ولا خلفه ولا أمامه، ولا يمينه ولا يساره (^٢) = فقولٌ له خبيءٌ (^٣)، والعقولُ لا تتصوَّره حتّى تصدِّق به. فإذا استحال في العقل تصوُّرُه، فاستحالةُ التّصديق به أظهر (^٤). وهو منطبقٌ على العدم المحض والنّفي الصِّرف، وصدقُه عليه أظهر عند العقول والفطر من صدقِه على ربِّ العالمين.
فضَعْ هذا النّفيَ وهذه الألفاظَ الدّالّةَ عليه (^٥) على العدم المستحيل، ثمَّ ضَعْها على الذّات القائمة بنفسها، التي لم تحِلَّ في العالم، ولا حَلَّ العالمُ فيها، ثمّ انظر أيُّ المعلومين أولى به؟ واستيقِظْ لنفسك، وقُمْ لله قومةَ مفكِّرٍ في نفسه في الخلوة في هذا الأمر، متجرِّدٍ عن المقالات وأربابها وعن الهوى والحميّة والعصبيّة، صادقٍ في طلب الهدى (^٦) من الله تعالى؛ فاللهُ أكرَمُ من أن يخيِّب عبدًا هذا شأنه.
_________________
(١) ع: "ربٍّ مغايرٍ".
(٢) ع: "يسرته".
(٣) انظر مثله في "الصواعق" (١/ ٢٩٤). وقد ضبط في م: "خَبْئٌ". والخَبْءُ والخبيء والخبيئة: الشيء المستور. يعني نفي الذات.
(٤) ع: "أظهر وأظهر".
(٥) "عليه" ساقط من ش، م.
(٦) ع: "الهداية".
[ ١ / ٩٨ ]