فالأولى في سياق الخطاب مع اليهود، والثّانية في سياقه مع النّصارى. وفي "التِّرمذيِّ" و"صحيح ابن حبّان" (^١) من حديث عديِّ بن حاتمٍ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "اليهود مغضوبٌ عليهم، والنّصارى ضالُّون".
ففي ذكر المنعَم عليهم وهم من عرَف الحقَّ واتَّبعه، والمغضوبِ عليهم وهم من عرَفه واتَّبع هواه، والضّالِّين وهم من جَهِلَه= ما يستلزم ثبوت الرِّسالة والنُّبوّة، لأنّ انقسام النّاس إلى ذلك هو الواقع المشهود، وهذه القسمة إنّما أوجبها ثبوت الرِّسالة (^٢).
وأضاف النِّعمة إليه، وحذف فاعل الغضب لوجوهٍ:
منها: أنّ النِّعمة هي الخير والفضل، والغضب من باب الانتقام والعدل، والرّحمةُ تغلب الغضب؛ فأضاف إلى نفسه أكملَ الأمرين وأسبقَهما وأقواهما. وهذه طريقة القرآن في إسناد الخيرات والنِّعم (^٣) إليه، وحذفِ الفاعل في مقابلها (^٤)، كقول مؤمني الجنِّ: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ
_________________
(١) الترمذي (٢٩٥٣) وابن حبان (٦٢٤٦، ٧٢٠٦). وأخرجه أيضًا أحمد (١٩٣٨١) وابن خزيمة في "التوحيد" (٣١٤ - نشرة الزهيري) والطبري (١/ ١٨٦) وغيرهم من حديث سِماك بن حرب عن عبَّاد بن حُبَيش عن عدي بن حاتم. وعبَّاد لا يُعرَف إلا بهذا الحديث، ولم يرو عنه غير سماك، ولذا قال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث سماك. ولكن له طرق وشواهد يتقوى بها، ينظر لبعضها: "الصحيحة" (٣٢٦٣). والحديث صححه شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" (١/ ٦٤) والألباني.
(٢) سقط هنا من مصورة ق مقدار ورقة لالتصاق الورقة الخامسة بالرابعة فيما يظهر.
(٣) ش: "النعم والخيرات".
(٤) ع: "مقابلتها".
[ ١ / ١٧ ]
أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠]. ومنه قول الخضر في شأن الجدار واليتيمين: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ [الكهف: ٨٢]. وقال في خرقه (^١) السّفينةَ: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: ٧٩]. ثمّ قال بعد ذلك: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢].
وتأمّل قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. ثمّ قال: ﴿وَأَحَلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (^٢) [النساء: ٢٤].
وفي تخصيصه لأهل الصِّراط المستقيم بالنِّعمة ما دلّ على أنّ النِّعمة المطلقة هي الموجبة للفلاح الدّائم. وأمّا مطلق النِّعمة فعلى المؤمن والكافر، فكلُّ الخلق في نعمةٍ (^٣). وهذا فصل النِّزاع في مسألة: هل لله على الكافر من نعمةٍ أم لا؟ فالنِّعمة المطلقة لأهل الإيمان، ومطلقُ النِّعمة تكون للمؤمن والكافر، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤].
والنِّعمة من جنس الإحسان، بل هي الإحسان، والرّبُّ تعالى إحسانه
_________________
(١) ع: "خرق".
(٢) كذا ضبط "وأَحَلَّ" في م، ش، وهي قراءة أبي عمرو وغيره، وعليها بُني الاستدلال. أما الآية الأولى فحذف فيها الفاعل عند المؤلف من أجل ذكر "الرفث". انظر كلامه على هذه المسألة بتفصيل أكثر في "بدائع الفوائد" (٢/ ٤٢٠ - ٤٢١).
(٣) ضبط في ع: "نِعَمه".
[ ١ / ١٨ ]
على البرِّ والفاجر والمؤمن والكافر. وأمّا الإحسان المطلق فللّذين اتّقوا والّذين هم محسنون (^١).
الوجه الثاني: أنّ الله سبحانه هو المتفرِّد (^٢) بالنِّعم ﴿بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ﴾ (^٣) [النحل: ٥٣]، فأضيف إليه ما هو متفردٌ به. وإن أضيف إلى غيره فلكونه طريقًا ومجرًى للنِّعمة. وأمّا الغضب على أعدائه فلا يختصُّ به، بل ملائكته وأنبياؤه ورسله وأولياؤه يغضبون لغضبه، فكان في لفظة ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ من الإشعار بموافقة أوليائه له في غضبه ما لم يكن في "غضبت (^٤) عليهم". وكان في لفظة ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ من الدِّلالة على تفرُّده بالإنعام، وأنّ النِّعمة المطلقة منه وحده، هو المتفرد بها= ما ليس في لفظة "المنعَم عليهم" (^٥).
الوجه (^٦) الثّالث: أنّ في حذف فاعل الغضب من الإشعار بإهانة المغضوب عليه وتحقيره وتصغير شأنه ما ليس في ذكره. وفي ذكر فاعل النِّعمة من إكرامِ المنعَم عليه والإشادةِ بذكره ورفعِ قدره ما ليس في حذفه. فإذا رأيت من قد أكرمه ملِكٌ وشرَّفه ورفَع قدره، فقلتَ: هذا الذي أكرمه
_________________
(١) انظر: "بدائع الفوائد" (٢/ ٤٢٥ - ٤٢٧).
(٢) ع: "المنفرد" هنا وفيما يأتي.
(٣) وقع في جميع النسخ: "فما بكم"، وقد أصلح بعضهم في م.
(٤) ج: "غضبنا"، تحريف.
(٥) ذكر السهيلي هذا الوجه في "نتائج الفكر" (ص ٢٣٨). وانظر: "بدائع الفوائد" (٢/ ٤٢٢).
(٦) ع: "والوجه".
[ ١ / ١٩ ]
السُّلطان، وخلَع عليه، وأعطاه، ومنَّاه= كان أبلغ في الثّناء والتّعظيم من قولك: هذا الذي أُكرِمَ وخُلِعَ عليه وشُرِّف وأُعطِي.
وتأمّل سرًّا بديعًا في ذكر السّبب والجزاء للطّوائف الثّلاثة بأوجز لفظٍ وأخصره، فإنّ الإنعام عليهم يتضمّن إنعامَه بالهداية التي هي العلم النّافع والعمل الصّالح، وهي الهدى ودين الحقِّ، ويتضمّن كمالَ الإنعام بحسن الثّواب والجزاء، فهذا تمام النِّعمة، ولفظة ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ تتضمّن الأمرين.
وذكرُ غضبه على المغضوب عليهم يتضمّن أيضًا أمرين: الجزاء بالغضب الذي موجَبُه غاية العذاب والهوان، والسَّبب الذي استحقُّوا به غضبه سبحانه؛ فإنّه أرحم وأرأف من أن يغضب عليهم بلا جنايةٍ منهم ولا ضلالٍ، وكان الغضب عليهم مستلزمًا لضلالهم. وذكرُ الضّالِّين مستلزمٌ لغضبه عليهم وعقابه لهم، فإنَّ من ضلَّ استحقَّ العقوبة التي هي موجَبُ ضلاله وغضب الله عليه.
فاستلزم وصفُ كلِّ واحدٍ من الطّوائف الثّلاثة للسَّبب والجزاء أبينَ استلزامٍ، واقتضاه (^١) أكمل اقتضاءٍ، في غاية الإيجاز والبيان والفصاحة، مع ذكرِ الفاعل في أهل السّعادة، وحذفِه في أهل الغضب، وإسنادِ (^٢) الفعل إلى السَّبب في أهل الضّلال.
وتأمَّل المقابلة بين الهداية والنِّعمة، والغضب والضّلال؛ فذكَرَ المغضوب عليهم والضّالِّين في مقابلة المهتدين المنعَم عليهم. وهذا كثيرٌ في
_________________
(١) ش: "واقتضاءَه".
(٢) ج: "وإسناده".
[ ١ / ٢٠ ]