والحال (^١) يُعطاه البَرُّ والفاجر والمؤمن والكافر. فمن استدلَّ بشيءٍ من ذلك على محبّة الله لمن آتاه إيّاه ورضاه عنه وأنّه من أوليائه المقرَّبين، فهو من أجهلِ الجاهلين، وأبعدِهم معرفةً بالله ودينه، والتّمييز بين ما يحبُّه ويرضاه ويكرهه ويسخطه. فالحال (^٢) من الدُّنيا ــ وهو كالملك والمال ــ إن أعانه على طاعة الله ومرضاته وتنفيذ أوامره ألحَقَه بالملوك العادلين البررة، وإلّا فهو وبالٌ على صاحبه، ومُبْعِدٌ له عن الله تعالى، ومُلْحِقٌ له بالملوك الظّلمة والأغنياء الفجرة.
فصل
إذا عُرِف هذا فلا يكون العبد متحقِّقًا بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ إلّا بأصلين عظيمين: أحدهما: متابعة الرّسول. والثّاني: الإخلاص للمعبود. فهذا تحقيق ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾.
والنّاس منقسمون بحسب هذين الأصلين أيضًا إلى أربعة أقسامٍ:
أحدها: أهل الإخلاص للمعبود (^٣) والمتابعة. وهم أهل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ حقيقةً، فأعمالُهم كلُّها لله، وأقوالُهم لله، وعطاؤهم لله، ومنعُهم لله، وحبُّهم لله، وبغضُهم لله. فمعاملتُهم ظاهرًا وباطنًا لوجه الله وحده، لا يريدون بذلك جزاءً من النّاس ولا شكورًا، ولا ابتغاءَ الجاه عندهم، ولا طلبَ المحمدة
_________________
(١) ش: "الجاه"، وأشير إلى هذه النسخة في هامش م.
(٢) في هامش م: "لعله الجاه".
(٣) لم يرد "للمعبود" في م، ش، ع. وهو مما زيد في الأصل فيما بعد.
[ ١ / ١٢٨ ]
والمنزلة في قلوبهم، ولا هربًا من ذمِّهم. بل قد عدُّوا (^١) النّاسَ كأصحابَ القبور (^٢)، لا يملكون (^٣) لهم ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا. فالعملُ لأجل هؤلاء وابتغاء الجاه والمنزلة عندهم، ورجاؤهم (^٤) للضَّرِّ والنّفع منهم، لا يكون من عارفٍ بهم البتّة، بل من جاهلٍ بشأنهم وجاهلٍ بربِّه.
فمَن عرف النّاس أنزلهم منازلهم، ومَن عرف الله أخلص له أعماله وأقواله وعطاءه ومنعه وحبّه وبغضه. ولا يعامل أحدٌ الخلقَ دون الله إلّا لجهله بالله وجهله بالخلق، وإلّا فإذا عرَف الله وعرَف النّاس آثرَ معاملةَ الله على معاملتهم. وكذلك أعمالُهم كلُّها وعباداتهم موافقةٌ لأمر الله ولما يحبُّه ويرضاه. وهذا هو العمل الذي لا يقبل الله من عاملٍ سواه. وهو الذي بَلَا عبادَه بالموت والحياة لأجله. قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (^٥) [الملك: ٢]. وجعل ما على الأرض زينةً لها ليختبرهم (^٦) أيُّهم أحسن عملًا. قال الفضيل بن عياضٍ - ﵁ -: هو أخلَصُه وأصوَبُه. قالوا: يا أبا عليٍّ ما أخلَصُه وأصوَبُه؟ قال: إنّ العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبَل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبَل، حتّى يكون خالصًا
_________________
(١) ما عدا ش: "أعدوا".
(٢) ع: "بمنزلة أصحاب القبور".
(٣) ما عدا ش، ع: "ولا يملكون"، وقد ضرب على الواو في م.
(٤) في م، ش: "رضاهم"، وهكذا غيَّر بعضهم في ل.
(٥) ما عدا ع: "وهو الذي خلق "، سهو.
(٦) م، ش: "ليبلوهم".
[ ١ / ١٢٩ ]
صوابًا. فالخالص: أن يكون لله. والصّواب: أن يكون (^١) على السُّنّة (^٢).
وهذا هو المذكور في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وفي قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥]. فلا يقبل الله من العمل إلّا ما كان خالصًا لوجهه، على متابعة أمره. وما عدا ذلك فمردودٌ (^٣) على عامله، يعود أحوجَ ما هو إليه هباءً منثورًا. وفي "الصّحيح" (^٤) عن النّبيِّ - ﷺ -: "كلُّ عملٍ ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ". وكلُّ عملٍ بلا اقتداءٍ فإنّه لا يزيد عاملَه من الله إلّا بعدًا، فإنّ الله تعالى إنّما يُعبَد بأمره، لا بالآراء والأهواء.
فصل
الضّرب الثّاني: من لا إخلاص له ولا متابعة. فليس عمله موافقًا للشرع، ولا هو خالصٌ للمعبود، كأعمال المتزيِّنين للنّاس المرائين لهم بما لم يشرعه الله ﷿ ورسوله. وهؤلاء (^٥) شرار الخلق، وأمقَتُهم إلى الله ﷿. ولهم أوفر نصيبٍ من قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
_________________
(١) ع: "والخالص ما كان لله والصواب ما كان".
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في "الإخلاص والنية" (٢٢) وبسنده الثعلبي في "الكشف والبيان" (٩/ ٣٥٦). وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٨/ ٩٥).
(٣) ع: "فهو مردود".
(٤) أخرجه البخاري (٢٦٩٧) ومسلم (١٧١٨) من حديث عائشة - ﵂ - بنحوه.
(٥) ع: "وهؤلاء هم".
[ ١ / ١٣٠ ]
[آل عمران: ١٨٨]. يفرَحون بما أتَوا من البدعة والضّلالة والشِّرك، ويحبُّون أن يُحْمَدوا باتِّباع السُّنّة والإخلاص.
وهذا الضَّرب يكثر فيمن انحرف من المنتسبين إلى العلم والفقر والعبادة عن الصِّراط المستقيم، فإنّهم يرتكبون البدعَ والضَّلالات والرِّياء والسُّمعة، ويحبُّون أن يُحْمَدوا بما لم يفعلوه من الاتِّباع والإخلاص والعلم، فهم أهل الغضب والضّلال.
الضّرب الثّالث: مَن هو مخلصٌ في أعماله، لكنَّها (^١) على غير متابعة الأمر، كجُهَّال العُبَّاد والمنتسبين إلى طريق الزُّهد والفقر. وكلُّ من عبد الله بغير أمره واعتقده قربةً إلى الله فهذه حاله، كمن يظنُّ أنَّ سماعَ المُكَاء والتّصدية قربةٌ، وأنّ الخلوة التي يترك فيها الجمعة والجماعة قربةٌ، وأنّ مواصلة صوم النّهار باللّيل قربةٌ، وأنَّ صيامَ يوم فطر النّاس كلِّهم قربةٌ، وأمثال ذلك.
الضّرب الرّابع: مَن أعمالُه على متابعة الأمر، لكنّها لغير الله تعالى، كطاعات المرائين، وكالرّجل يقاتل رياءً وحميّةً وشجاعةً وللمغنَم، ويحُجُّ ليقال، ويقرأ القرآن ليقال. فهؤلاء أعمالهم أعمالٌ صالحةٌ مأمورٌ بها، لكنّها غير خالصة، فلا تُقبَل. ﴿أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥] فكلُّ أحدٍ لم يؤمر إلّا بعبادة الله بما أَمَر، والإخلاص له في العبادة، وهم أهل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
_________________
(١) يعني: الأعمال. وفي ش: "لكنه".
[ ١ / ١٣١ ]