وأمّا شهادة التّجارب بذلك فهي أكثر من أن تذكر، وذلك في كلِّ زمانٍ. وقد جرّبتُ أنا من ذلك في نفسي وفي غيري أمورًا عجيبةً، ولا سيّما مدّةَ المقام بمكّة أعزَّها الله تعالى. فإنّه كان يعرض لي آلامٌ مزعجةٌ، بحيث تكاد تقطع الحركةَ منِّي، وذلك في أثناء الطّواف وغيره، فأبادر إلى قراءة الفاتحة، وأمسح بها محلَّ الألم، فكأنّه حصاةٌ تسقط. جرَّبتُ ذلك مرارًا عديدةً. وكنت آخذ قدحًا من ماء زمزمٍ فأقرأ عليه الفاتحة مرارًا وأشربه، فأجد به من النّفع والقوَّة ما لم أعهد مثله في الدَّواء (^١). والأمرُ أعظم من ذلك، ولكن بحسب قوّة الإيمان وصحّة اليقين. والله المستعان.
فصل
في اشتمال الفاتحة على الرّدِّ على جميع المُبطلين من أهل الملل والنِّحل، والرَّدِّ على أهل البدع والضّلال من هذه الأمّة
وهذا يُعلَم بطريقين: مجملٍ ومفصّلٍ.
فأمَّا المجمل، فهو أنّ الصِّراط المستقيم يتضمَّن (^٢) معرفةَ الحقِّ، وإيثارَه وتقديمَه على غيره، ومحبّتَه والانقيادَ له، والدَّعوةَ إليه، وجهادَ أعدائه بحسب الإمكان.
والحقُّ هو ما كان عليه رسول الله - ﷺ - وأصحابه، وما جاء به علمًا وعملًا في باب صفات الرّبِّ ﷾ وأسمائه وتوحيده، وأمره ونهيه،
_________________
(١) وانظر: "الداء والدواء" (ص ٨)، و"زاد المعاد" (٤/ ٢٥٤، ٥٨٤)، و"مفتاح دار السعادة" (٢/ ٧١٣).
(٢) ع: "متضمِّن".
[ ١ / ٩٢ ]
ووعده ووعيده، وفي حقائق الإيمان التي هي (^١) منازل السّائرين. وكلُّ ذلك مسلّمٌ إلى رسول الله - ﷺ -، دون آراء الرِّجال وأوضاعهم وأفكارهم واصطلاحاتهم. فكلُّ علمٍ أو عملٍ أو حقيقةٍ أو حالٍ أو مقامٍ خرج من مشكاة نبوّته، وعليه السِّكَّة المحمَّديّة، بحيث يكون من ضَرْبِ المدينة، فهو من الصِّراط المستقيم. وما لم يكن كذلك فهو من صراط أهل الغضب أو الضّلال. فما ثَمَّ خروجٌ عن هذه الطُّرق الثَّلاث: طريقِ الرَّسول وما جاء به، وطريقِ أهل الغضب وهي طريقُ مَن عرَفَ الحقَّ وعانَده، وطريقِ أهل الضَّلال وهي طريقُ من أضلَّه الله عنه.
ولهذا قال عبد الله بن عبّاسٍ وجابر بن عبد الله (^٢): الصِّراط المستقيم: هو الإسلام.
وقال عبد الله بن مسعودٍ وعليُّ بن أبي طالبٍ: هو القرآن. وفيه حديثٌ مرفوعٌ في التِّرمذيِّ وغيره (^٣).
وقال سهل بن عبد الله (^٤): طريق السُّنة والجماعة.
_________________
(١) ما عدا ع: "بين" ولعله تحريف. كتب بعضهم في م فوق السطر: "هي" مع علامة "ظ".
(٢) "وجابر بن عبد الله" من ش، ع، وزيدت في هامش م أيضًا. وروي القول الآتي عنهما في "تفسير البغوي" (١/ ٥٤) والأقوال الآتية كلها منقولة منه.
(٣) أخرجه الترمذي (٢٩٠٦) والبزار (٣/ ٧١) وابن نصر في "قيام الليل" (ص ١٧٣ - المختصر) والبيهقي في "شعب الإيمان" (١٧٨٨) من رواية حارث الأعور عن علي - ﵁ -. قال الترمذي: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسناده مجهول، وفي الحارث مقال".
(٤) التُّسْتَري. انظر: "الكشف والبيان" للثعلبي (١/ ١٢١).
[ ١ / ٩٣ ]