لقي كتاب منازل السائرين قبولًا كبيرًا في حلقات الصوفية، فأقبلوا على دراسته وشرحه والتعليق عليه ونظمه واختصاره، وقد أربى عدد شروحه على ثمانية وعشرين شرحًا كما سبق، وقد وقفنا على ثمانية شروح منها، ولكن كان رجوعنا إلى شرح التلمساني أكثر من غيره لاعتماد المؤلف عليه في نقل المتن، واستفادته منه في الشرح أيضًا مع نقد انحرافاته.
وقد تقدم أن كتابنا هذا ليس شرحًا كالشروح، فلم يلتفت المؤلف فيه إلى كتاب «المنازل» إلا بعد نحو ١٧٠ صفحة من الكتاب حينما عقد فصلًا في «منازل (إياك نعبد) التي ينتقل فيها القلب منزلةً منزلةً في حال سيره إلى الله تعالى»، وأراد أن يذكر فيه «أمرًا مختصرًا جامعًا نافعًا»، واستهلَّ الحديث عن أول منازل العبودية: اليقظة، ثم أشار (١/ ١٧٣) إلى الفكرة والبصيرة والقصد والعزم على أنها منازل مرتبة، تفضي كل منزلة منها إلى ما بعدها، ثم بعد شيء من الاستطراد انتقل إلى منزلة المحاسبة التي يُشرف منها العبد على منزلة التوبة، فشرَح كلام الهروي على المنزلتين، وأفاض القول في منزلة التوبة إفاضة زادت على ٣٨٠ صفحة! ثم تكلم على منزلة الإنابة ثم التذكّر، ومن هنا شرح المنازل إلى آخر كتاب الهروي على ترتيبه. ويلاحظ على هذا:
أولًا: أن ابن القيم أغفل مقدمة كتاب الهروي، فلم يشرحها البتة.
وثانيا: خالفه في ترتيب المنازل المذكورة. ولبيان الخلاف بين الترتيبين نضع لك بين قوسين رقم كل منها عند الهروي: اليقظة (١)، الفكرة (٥)،
[ ١ / ٤١ ]
البصيرة (٥٤)، القصد، العزم (٤١، ٤٢)، المحاسبة (٣)، التوبة (٢)، الإنابة (٤)، التذكر (٦)، ومن هنا شرح المنازل إلى آخر كتاب الهروي على ترتيبه.
وثالثًا: حجم الكلام على المنازل، فشرحُ منزلة التوبة وحدها أصبح كما رأيت في حجم كتاب مستقل. ثم منهج المؤلف في الكلام على المنازل استنادًا إلى الكتاب والسنة، والتنبيه على مزالق الصوفية وغيرهم، والغوص على دقائق الأمور والإبانة عنها مع التفصيل والاستطراد إلى مسائل أخرى مهمة. فهل ترى شرحًا من شروح «منازل السائرين» يمكن أن يضارِعَه أو يقاربَه في ذلك حتى يمكن مقارنته به!
الحقيقة أنه لا وجه للمقارنة بين كتابنا والشروح الأخرى، حتى في المنازل التي لم يتوسع المؤلف في الكلام عليها. ونختار هنا منزلة واحدة لنستعرض نماذج منها ونقارن تفسيرها بما ورد في الشروح الأربعة الآتية:
١ - شرح عبد المعطي اللخمي الإسكندري المتوفى بعد سنة ٦٣٨.
٢ - شرح عفيف الدين التلمساني (ت ٦٩٠).
٣ - شرح عبد الرزاق القاساني (أو الكاشاني) المتوفى سنة ٧٣٠.
٤ - شرح محمود بن حسن الفركاوي القادري (آخر القرن الثامن).
وأردنا أن نضمَّ إليها شرحًا خامسًا، وهو شرح زين الدين المناوي (ت ١٠٣١)، ولكنه مختصر من شرح التلمساني، فصرفنا النظر عنه. والقاساني أيضًا اعتمد على شرح التلمساني ولكنه ليس تلخيصًا. أما الفركاوي فقد صرح بأنه لم يستفد في شرحه من كتاب، وإنما كان شرحه فتوحًا، والإيجاز والإطناب حسب الوقت والطاقة! وقلما نجد في الشروح
[ ١ / ٤٢ ]
المذكورة نقدًا لأقوال الهروي إلا في شرح الإسكندري، وهو أقدم الشروح المذكورة وأحسنها مع وجازته.
قد استغرقت منزلة الصدق في طبعتنا نحو ٣٠ صفحة. وافتتحها ابن القيم على منهجه بكلام مستقل على الصدق ومنزلته وأهميته مستشهدًا بآيات القرآن الكريم، وذكر الصدق في الأقوال والأعمال والأحوال، ثم فسر خمسة أمور ذكرت في القرآن الكريم: مدخل الصدق، ومخرج الصدق، ولسان الصدق، وقدم الصدق، ومقعد الصدق. وتطرّق بعد ذلك إلى بعض علامات الصدق. ثم عقد فصلا في «كلمات في حقيقة الصدق» نقل فيها أقوال المشايخ في الصدق من «رسالة القشيري» مع شرح ما أشكل منها كقول الجنيد: «الصادق يتقلب في اليوم أربعين مرة، والمُرائي يثبت على حالة واحدة أربعين سنة»، شرحه في نحو ثلاث صفحات. وهكذا لما استدلَّ بعضهم على قوله: «الصادق: الذي يتهيأ له أن يموت ولا يستحيي من سرّه لو كشف» بقوله تعالى: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ذكر الأقوال في تفسير الآية وما هو المختار عنده. وبعد هذا الكلام المستقل على منزلة الصدق، الذي استغرق نحو ١٥ صفحة، توجه إلى كلام الهروي على منزلة الصدق، فشرحه أيضا في ١٥ صفحة.
فإذا رجعنا إلى الشروح الأخرى وجدنا تفسير هذه المنزلة في شرح الإسكندري في صفحتين ونصف صفحة (٨٩ - ٩٢)، وفي شرح الفركاوي في أقل من صفحتين (٥٧ - ٥٨)، وفي شرح التلمساني في ستّ صفحات (٢٤١ - ٢٤٦)، وفي شرح القاساني نحوها (٢٢١ - ٢٢٧).
[ ١ / ٤٣ ]
ولننظرالآن في فقرات من كلام الهروي على هذه المنزلة كيف فسِّرت في الشروح المذكورة، ثم كيف تكلم عليها ابن القيم.
(١) استهل الهروي منزلة الصدق بقول الله ﷿: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا﴾ [محمد: ٢١] ثم عرَّف الصدق بقوله: (الصدق اسم لحقيقة الشيء بعينه حصولًا ووجودًا).
تعريف الهروي هذا نقَده عبدُ المعطي الإسكندري فقال: «قلت: وهذا الحد في الصدق يحتاج إلى بيان وتحقيق، فإن الصدق ليس هو اسمًا لحقيقة الشيء الموجود الحاصل حتى يكون كل موجود حاصل يسمى صدقًا، بل الصحيح أن الصدق حالة في العبد حاملة على إيقاع الفعل على وجهه مع الجد وعدم الفتور. فإن كانت في اللسان أو في القلب الذي ترجم عنه اللسان كان إخبارًا عن الشيء على ما هو عليه من غير زيادة ونقصان. وإن كان الصدق في النية أو في الأفعال كان إيقاعها مع المبادرة على وجهها المعروف شرعًا من غير إخلال. قال الله تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ الآية [الأحزاب: ٢٣]».
وقال الفركاوي في شرحه: «الصدق حالة في العبد حاملة على إيقاع الفعل على وجهه مع الجد وعدم الفتور. وفي اللسان إخبار عما في القلب، وهو الإخبار عن الشيء على ما هو عليه. ويكون في النية والأفعال».
هذا الكلام كما ترى مأخوذ من شرح الإسكندري وتلخيص لكلامه، مع أنه زعم أنه لم يستفد في شرحه من كتب أخرى.
ثم أضاف قائلا: «وقيل: الصدق: شدة وصلابة في الدين. والعزة لله من
[ ١ / ٤٤ ]
أحواله. ولصاحبه المتحقق به الفعل بالهمة، وهو قوة الإيمان. والصادق اسم الله تعالى، ولهذا سألهم عن صدقهم: هل هو النعت الإلهي أم لا. فإن كان صدقًا فعلامته أن لا يغلبهم شيء ولا يقاومهم في حال صدقهم، فيكون الله كما كان سمعهم وبصرهم. وإن لم يكن بهذه المثابة فلا حقيقة لهم».
لم يفسّر الشارحان السابقان الآية التي افتتح بها الهروي منزلة الصدق، ولكن التلمساني قال بعد نقل الآية وتعريف الصدق: «فإذا عزم الأمرُ تحقَّق، فلو صدقوا الله في العزيمة على ما أمرهم به لكان خيرا لهم».
ثم تكلم على تعريف الصدق بقوله: «الشيخ ﵁ لما رأى أن الصادق في الإخبار عن حاله هو الذي تمَّ له حصولُ الأمر ووجودُه جعل الصدقَ اسمًا لحصول الشيء بعينه ووجوده لما بينهما من القرب، وإلا فالصدقُ على معنيين: صدق في الخبر، وهو الذي ضدُّه الكذب. وصدقٌ هو تمام قوة الشيء كما تقول: رمحٌ صَدقُ الكعوب، أي صلب قوي، أو غير ذلك».
لاحَظَ التلمساني تسامح الهروي في تعريف الصدق، فوجَّهه أولا، ثم ذكر معنيين للصدق: ضد الكذب، وتمام قوة الشيء.
أما القاساني فنقل أولًا كلام التلمساني على الآية بنصه، ثم قال: «أصل الصدق هو الإخبار المطابق للواقع. ثم لما كان الصدق ينبئ عن حقيقة الشيء على ما أُخبر عنه وجودا نُقِل إلى كل حقيقة تمَّ لها كلُّ ما لها بالقوة، أي حصل لها وتحقَّق كلُّ ما هي به هي من الكمالات التي أمكنت لها، كأن آثارها وأحوالها تخبر أن كل ما ينبغي لها حتى يكون تلك الحقيقة بعينها حصل لها بالفعل، وهي صادقة. يقال: رمح صدوق (كذا) أي صلب قوي،
[ ١ / ٤٥ ]
يعني حصل له كل ما أمكن له حتى يكون رمحا بالحقيقة».
كلام القاساني مبني كما ترى على شرح التلمساني، غير أنه ربط بين المعنيين.
أما ابن القيم فلم ينقل هنا الآية التي افتتح الهروي بها هذه المنزلة لأنه قد سبق أن استشهد بها في كلامه المستقل على الصدق، بل تكلم على تعريفه للصدق فقال: «الصِّدق هو حصول الشيء وتمامه، وكمال قوَّته واجتماع أجزائه، كما يقال: عزيمةٌ صادقةٌ، إذا كانت قويَّةً تامَّةً، وكذلك: محبَّةٌ صادقةٌ، وإرادةٌ صادقةٌ. وكذلك قولهم: حلاوة صادقة، إذا كانت قويَّةً تامَّةً ثابتة الحقيقة، لم ينقص منها شيء. ومن هذا أيضًا: صدقُ الخبر، لأنَّه وجود المخبَر بتمام حقيقته في ذهن السامع. فالتمام والوجود نوعان: خارجيٌّ وذهنيٌّ، فإذا أخبرت المخاطَب بخبرٍ صادقٍ حصلت له حقيقة المخبَر بكماله وتمامه في ذهنه. ومن هذا: وصفهم الرُّمح بأنّه صَدْق الكعوبِ إذا كانت كعوبه صلبةً قويَّةً ممتلئةً».
هذا الكلام أيضا ناظرٌ إلى شرح التلمساني، ولكن ابن القيم ربط بين المعنيين اللذين ذكرهما التلمساني، واشتقّ المعنى الثاني من المعنى الأول، على العكس مما فعله القاساني. ويلاحظ أن ابن القيم لم يعلّق تعليقًا مباشرًا على كلام الهروي.
(٢) ثم ذكر الهروي ثلاث درجات لمنزلة الصدق، فقال: (الدرجة الأولى: صدق القصد، وبه يصح الدخول في هذا الشأن، ويتلافى به كلُّ تفريطٍ، ويتدارك كلُّ فائتٍ، ويعمر كلُّ خرابٍ. وعلامة هذا الصادق: أن لا يحتمل داعيةً تدعو إلى نقض عهدٍ، ولا يصبر على صحبة ضدٍّ، ولا يقعد عن الجدِّ بحال).
[ ١ / ٤٦ ]
شرح الإسكندري هذه الدرجة كاملة في نحو خمسة أسطر، فقال: «وأول عامل من المريد قلبه، ويتمّ عمله بصحة قصده وقوة عزمه. ومتى قوي عزمه لم يقبل خواطر الكسل والفتور ». فلم ير الإسكندري حاجة إلى شرح (صدق القصد) في كلام الهروي.
وشرحها التلمساني فقال: «يعني بصحة القصد أن يكون في القلب داعية إلى السلوك، وميل شديد يقهر السّرَّ على صحة التوجه. وبالجملة فالقصد هو النية والطلب الذي لا يمازجه رياء بوجه من الوجوه».
وقال القاساني: «القصد هو النية، وصدقها هو أن يتوجه القلب إلى المقصود بداعية جاذبة إلى السلوك، وميل قوي يقهر السرَّ إلى الانجذاب إليه، ويردعه عن الالتفات إلى ما سواه من غير غرض ورياء وشوب من شيء آخر بوجه من الوجوه».
أغفل الفركاوي شرح الدرجة الأولى بكاملها.
وقال ابن القيم: «يعني بـ (صدق القصد) كمال العزم، وقوَّة الإرادة، بأن يكون في القلب داعية صادقة إلى السُّلوك، وميلٌ شديدٌ يقهر السرَّ على صحَّة التوجُّه. فهو طلبٌ لا يمازجه رياءٌ ولا فتور، ولا يكون فيه قسمةٌ بحالٍ».
القاساني وابن القيم كلاهما صادران - كما ترى -عن شرح التلمساني، غير أن لفظ ابن القيم هنا أقرب إلى مصدره.
(٣) الدرجة الثانية من المنزلة: (أن لا يتمنَّى الحياة إلا للحقِّ، ولا يشهد من نفسه إلا أثر النُّقصان، ولا يلتفت إلى ترفيه الرُّخص). ويهمنا هنا شرح الجملة الأخيرة.
[ ١ / ٤٧ ]
الإسكندري: «ولا يقبل من نفسه خواطر الترفيه بالرخص، لما هو فيه من كمال الجد والتشمير في طلب الطاعات، لا أنه يترك ما طلبه الشرع من الفطر والقصر في السفر لطفًا بالعباد. بل يجري على مقتضى صدقه في سلوكه مع ربه من غير فتور ولا تقصير على وجه السداد».
التلمساني: «يعني أنه لم يبق فيه داعية لحظٍّ من حظوظ النفس، فهو لا يرى أن يرفّه نفسه عن الخدمة، فلا جرم هو لا يأخذ بالرخص».
القاساني: «(ولا يلتفت إلى ترفيه الرخص) لأنه لم يبق لنفسه حظ ولا داعية تدعوه إلى ترفيهٍ لها، فلا يرفِّه نفسه عن الخدمة والجد لالتذاذه ببذل الجهد في الطاعة وحفظ العزيمة، فلا يأخذ بالرخص».
الفركاوي: «لا يقبل من نفسه خواطر الرخص (كذا، لعل الصواب: الترخُّص أو الترفيه) بالرخص».
ابن القيم: «وأمَّا قوله: (ولا يلتفت إلى ترفيه الرُّخص)، فلأنَّه لكمال صدقه، وقوَّة إرادته، وطلبه للتقدُّم، يحمل نفسه على العزائم، ولا يلتفت إلى الرفاهية التي في الرُّخص. وهذا لا بدَّ فيه من التفصيل، فإنَّ الصادق يعمل على رضا الحقِّ تعالى ومحابِّه، فإذا كانت الرُّخص أحبَّ إليه من العزائم كان التفاته إلى ترفُّهها، هو عين صدقه. فإذا أفطر في السفر، وقصر وجمع بين الصلاتين عند الحاجة إليه، وخفَّف الصلاة عند الشُّغل، ونحو ذلك من الرُّخص التي يحبُّ الله تعالى أن يؤخذ بها= فهذه: الالتفاتُ إلى ترفيهها لا ينافي الصِّدق. بل هاهنا نكتة، وهي أنَّه فرقٌ بين أن يكون التفاته إليها ترفُّهًا وراحةً، وأن يكون متابعةً وموافقةً، ومع هذا فالالتفات إليها ترفُّهًا وراحةً لا ينافي الصِّدق، فإنَّ هذا هو المقصود منها. وفيه شهود نعمة الله على العبد،
[ ١ / ٤٨ ]
وتعبُّدٌ باسمه البَرِّ اللطيفِ المحسنِ الرفيقِ، فإنَّه رفيقٌ يحبُّ الرِّفق، وفي «الصحيح»: «ما خيِّر رسول الله - ﷺ - بين أمرين إلَّا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثمًا»؛ لِما فيه من روح التعبُّد باسم الرفيق اللطيف، وإجمام القلب به لعبوديَّةٍ أخرى، فإنَّ القلب لا يزال يتنقَّل في منازل العبوديَّة، فإذا أخذ بترفيه رخصةِ محبوبه استعدَّ بها لعبوديَّةٍ أخرى. وقد تقطعه عزيمتُها عن عبوديَّةٍ هي أحبُّ إلى الله منها، كالصائم في السفر الذي ينقطع عن خدمة أصحابه، والمفطر الذي يضرب الأبنية، ويسقي الرِّكاب، ويضمُّ المتاع؛ ولهذا قال فيهم النبيُّ - ﷺ -: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر». وأمَّا الرُّخص التأويليَّة المستندةُ إلى اختلاف المذاهب والآراء التي تصيب وتخطئ، فالأخذ بها عندهم عين البطالة ومنافٍ للصِّدق».
قلنا: أما الفركاوي فلم يفعل شيئًا، قابل جملة الهروي بجملة أخذها من كلام الإسكندري. وكان الإسكندري موفقًا إذ فطن لما قد يذهب على السالك في فهم كلام الهروي، فنبَّه على أن لا يمتنع من الرخص التي شرعت لطفًا بالعباد كالفطر والقصر في السفر. وقد خلا كلام التلمساني - وتابعه القاساني- من هذا التنبيه. أما ابن القيم فقد فصَّل ما أوجزه الإسكندري، وذكر أن الرخص المشروعة لا تنافي الصدق أبدًا، وبيَّن ما فيها من الحكم والفوائد للسالك مستدلًّا بكلام النبي - ﷺ -. ولم ينس أن يشير إلى أن الرخص الراجعة إلى اختلاف المذاهب الفقهية أمرُها مختلفٌ، والأخذ بها منافٍ للصدق.
(٤) الدرجة الثالثة من مدارج منزلة الصدق عند الهروي: (الصِّدق في معرفة الصِّدق. فإنّ الصِّدق لا يستقيم في علم أهل الخصوص إلَّا على حرفٍ
[ ١ / ٤٩ ]
واحدٍ، وهو أن يتَّفق رضا الحقِّ بعمل العبد أو حاله أو وقته، وإيقانِ العبد وقصدِه؛ فيكون العبد راضيًا مرضيًّا، فأعماله إذًا مرضيَّة، وأحواله صادقة، وقصوده مستقيمة. وإن كان العبد كُسي ثوبًا مُعارًا، فأحسن أعماله ذنبٌ، وأصدق أحواله زورٌ، وأصفى قصوده قعود).
قال الإسكندري في شرح هذه الدرجة: «هذه الدرجة أفضل مما قبلها من حيث تبرُّئه عن رؤية صدقه وخروجه عن آثار نفسه، فإن من كمل صدقه في سلوكه بحث عن آفات أحواله وأخلاقه ومقاماته. فينظر في حقيقة صدقه، فيجده من فضل ربه وكرمه الذي منَّ عليه به عونًا له على ما هو بصدده، فإذا وافق صدقه وجدّه في شيء من حركاته رضا الحق به كان ذلك مرضيًّا لربه، والعبد محب فيه وله راض به. وهذه هي الموافقة بين رضا الحق وقصد العبد. فهو في التحقيق محلٌّ، إذ الحق تعالى خلق له الصدق والرضا بما هو مرضي عنده، فله الحمد، فإنه المتفضل بالقسمين، وهما خلق الفعل المرضي به وثناؤه على فاعله. فإذا تحقق العبد هذا من نفسه علم أنه في صدقه كسي ثوبًا معارًا، إذ هو لغيره تحقيقًا. فإن ادعاه لنفسه واستحسن شيئًا من عمله وكماله لنفسه كان ذلك عجبًا إن نسي منة ربه، وإن ذكرها تبرَّأ من حوله وقوته ودخل في مقام الخصوص. ولذلك قال الشيخ: (فأحسن أعماله ذنب) أي إن ادعاه لنفسه، (وأصدق أحواله زور، وأصفى قصوده قعود)، لأنه لم يصفُ له قصده لربه خاصة لبقائه مع دعوى نفسه».
لم يخرج القاساني من شرح التلمساني فلا داعي لحكاية كلامه، والفركاوي لم يشرح هذه الجملة البتة. وقد حرصنا على نقل شرح الإسكندري بتمامه، لأنه مختلف عن شرح التلمساني لقول الهروي: (وإن
[ ١ / ٥٠ ]
كان العبد كُسي ثوبا معارا ) إلخ، ولم يقف عليه ابن القيم. وقد أطال التلمساني في شرحه مع افتراض إيرادات على كلامه ثم الرد عليها.
وقد فسَّر ابن القيم كلام الهروي على وجهين:
أولهما: «أن يُكسى حلية الصادقين، ويلبس ثيابهم على غير قلوبهم وأرواحهم، فثوب الصِّدق عاريةٌ له لا مِلْك، فهو كالمتشبِّع بما لم يُعطَ، فإنَّه كلابس ثوبي زورٍ. فهذا أحسن أعماله ذنبٌ يعاقَب عليه، كما يعاقَب المقتول في الجهاد، والقارئُ القرآنِ المتنسِّك، والمتصدِّقُ، ويكونون أوَّل من تُسعَّر بهم النار يوم القيامة لمَّا لبسوا ثياب الصادقين على قلوب المرائين».
ولكنه عقّب عليه بأنه معنًى صحيح غير أنه لا يظنه مقصود الشيخ، وإنما قصد معنًى آخر، وهو: «أنَّه متى تيقَّن العبد أنَّ وجوده ثوبٌ معارٌ ليس منه، فإنه ليس به ولا له، وإنَّما إيجاده وصفاته وإرادته وقدرته وأعماله عاريةٌ من الفعَّال وحده، والعبد ليس له من ذاته إلَّا العدم، فوجوده وحياته ثوبٌ أُعيرَه. فمتى نظر بعين الحقيقة إلى كسوته رأى أحسن أعماله ذنوبًا في هذا المقام، وأصدق أحواله زورًا، وأصفى قصوده قعودًا. فلا يرى لنفسه عملًا، ولا حالًا ولا قصدًا، فإنّه ليس له من نفسه إلَّا الجهل والظُّلم، فكلُّ ما من نفسه فهو ذنب وزور وقعود، وما كان مرضيًّا فهو بالله ومن الله ولله، لا بالنفس ولا منها ولا لها، فإنَّ العبد إذا رأى أنَّه قد فعل الطاعة كان رؤيته لذلك ذنبًا، فإنَّه نسب الفعل إليه، والله في الحقيقة هو المتفرِّد بالفعل. فعلى هذا لا يتخلَّص العبد من الذنب قطُّ، فإنَّه إذا خلَّص فعله من الرِّياء ومن كلِّ شيءٍ يفسده اقترن به آخَرُ لا يمكنه الخلاص منه، وهو اعتقاده أنَّه هو الفاعل».
[ ١ / ٥١ ]
هذا المعنى الثاني الذي ظنَّ ابنُ القيم أنه هو الذي قصده الهروي أخذه من شرح التلمساني، فهذا تفسيره. ونص كلامه: «قوله: (وإن كان العبد قد كسي ثوبًا معارًا) يعني أن وجود العبد ما هو له، بل هو معار عنده، وإذا كان وجود العبد عارية عنده فكيف تكون أفعاله، أي هي أيضًا ثوب معار. وقوله: (فأحسن أعماله ذنب) يعني أن العمل الخالص هو ذنب، فكيف أدونه! لأن العبد العامل يعتقد أنه هو الفاعل، والفاعل في الحقيقة هو الحق تعالى. فإذن العامل يكون مذنبًا باعتقاده أنه هو الفاعل. فإذن العمل لا يخلص أبدًا من الذنب. فلذلك قال: (فأحسن أعماله ذنب) أي إذا خلص من الرياء ومن كل شيء يفسده اقترن به أمر آخر لا يمكنه الاحتراز منه وهو كونه يعتقد أنه الفاعل».
وقد نقد ابن القيم هذا التفسير بأن هذا ليس بذنب، ولا هو مقدور للعبد ولا مأمور إلخ. ثم ذكر إيرادًا بقوله: «فإن قيل: الشيخ - ﵀ - هاهنا ما نطق بلسان الأبرار، بل بلسان المقربين ». وهو يشير إلى قول التلمساني: «ولست أقول: إن هذا المقدار هو ذنب في الشرع، بل هو حسنة للأبرار، وهو عند المقربين سيئة. فالمقرب يؤاخذ بنسبة الفعل إلى نفسه، والمؤمن لا يؤاخذ بذلك لأن قسطه من السنة المحمدية هو ما جاء به العلم، وأما المقرَّب فقسطه من السنة المحمدية ما جاء به التعرف ». وردَّ عليه ابن القيم بأن «هذا أيضا باطل قطعًا، بل المعرفة الصحيحة مطابقة للحق في نفسه شرعا وقدرا، وما خالف ذلك فمعرفة فاسدة ».
ثم ذكر إيرادًا آخر: «فإن قيل: كلامكم هذا بلسان العلم. ولو تكلَّمتم بلسان الحال لعلمتم صحَّة ما ذكرناه، فإنَّ صاحب الحال صاحبُ شهودٍ،
[ ١ / ٥٢ ]
وصاحبَ العلم صاحبُ غيبةٍ، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب. ونحن نشير إليكم إشارةً حاليَّةً علميَّةً، تنزُّلًا من الحال إلى العلم، فنقول: الحال تأثُّرٌ عن نور ٍمن أنوار الأحديَّة والفردانيَّة، تستر العبد عن نفسه، وتبدي ظهور مشهوده. ولا ريب أنَّه في هذه الحال قد يعتقد أنَّ الشاهد هو المشهود ».
هذا القيل أيضا للتلمساني، وما نقله بعد «فنقول» هو نصُّ كلامه بشيء من التصرف، وقد جاء ذلك تفسيرًا لقول الهروي: (وأصدق أحواله زور، وأصفى قصوده قعود).
ومما قاله التلمساني في تفسير الجملة الثانية: «يعني أن القاصد إلى الحقيقة متى شهد مقصوده قعد عن قصده، وذلك لأن الحق تعالى لا يُقصد ولا يُبتغى لأنه أقرب إلى اللسان من نطقه إذا نطق، وإلى القلب إذا قصد». ثم ذكر أن هذا المعنى عزيز، والإشارة إليه أولى من العبارة.
ورد َّعليه ابن القيم بأن «مَن أحالك على الحال فما أنصفك! فإنه أحالك على أمر مشترك بين الحق والباطل وسير أولياء الله وعباده الأبرار والمقربين بخلاف هذا، وهو إحالة الحال على العلم وتحكيمه عليه وتقديمه فمن لم يكن هذا أصل بناء سلوكه فسلوكه فاسد، وغايته الانسلاخ من العلم والدين كما جرى ذلك لمن جرى له».
ثم تكلم على ما استدل به التلمساني في شرح كلام الهروي (وأصفى قصوده قعود) من قرب الله سبحانه من عباده، فبيَّن معنى قربه من عباده مع كونه فوق سماواته على عرشه بائنًا من خلقه، وفسّر قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦].
[ ١ / ٥٣ ]
وختم كلامه بقوله: «والمقصود: أنَّ هذا موضعٌ ضلَّت فيه أفهام، وزلَّت فيه أقدام، واشتبه فيه معيَّة العلم والقدرة والإحاطة بالقرب، واشتبه فيه آثار قرب المحبَّة والرِّضا والموافقة وغلبة ذكره ومراقبته بقرب ذاته، واشتبه فيه ما في الذِّهن بما في الخارج، واشتبه فيه اضمحلال شهود الرسم وانمحاؤه من القلب بعدمه وفنائه، واشتبه فيه آثار الصِّفات بحقيقتها، وأنوار المعرفة بأنوار الذات. وأصحابه لتحكيمهم الحال والذوق لا يلتفتون إلى لسان العلم، ولا يصغون إليه. وفي هذا كفاية».
الجدير بالذكر أن ابن القيم في ردِّه الطويل على كلام التلمساني (دون إشارة إليه) لم يذكر شيخ الإسلام الهروي، ولا اعتذر عنه، وكأنه بعد ما ذكر أن هذا التفسير هو مقصود الهروي- وهو تفسير التلمساني كما رأينا- أقبل بكليته على نقض كلام التلمساني. ونظن أن ابن القيم لو وقف على شرح الاسكندري لحمل كلام الهروي على تفسيره أو نحوه، ثم رد على تفسير التلمساني منوهًا بموقف الهروي من إثبات الصفات وأنه كان في ذلك سلفيًّا قحًّا، واستبعد أن يؤول الهروي صفة القرب، ورجَّح أن إجمال كلامه فتح الباب للملحد وحاشا أن يقصد الهروي ما قاله التلمساني.
وبالجملة، لا مقارنة بين شرح ابن القيم لكتاب المنازل وبين الشروح الأخرى لاختلاف كبير في الغرض والمنهج والمصادر وطريقة التناول كما رأينا.
* * *
[ ١ / ٥٤ ]