كتاب «منازل السائرين» لأبي إسماعيل عبد الله بن محمد الهروي الأنصاري (ت ٤٨١) أحد الكتب المشهورة في التصوف، ألَّفه صاحبه عند ما سأله جماعة من الراغبين في الوقوف على منازل السائرين إلى الحق من أهل هراة، ورتبه على مئة مقام مقسومة على عشرة أقسام، وهي:
١ - قسم البدايات، وهي عشرة أبواب:
اليقظة، والتوبة، والمحاسبة، والإنابة، والتفكُّر، والتذكُّر، والاعتصام، والفرار، والرياضة، والسماع.
٢ - قسم الأبواب، وهي عشرة أبواب:
الحزن، والخوف، والإشفاق، والخشوع، والإخبات، والزهد، والورع، والتبتُّل، والرجاء، والرغبة.
٣ - قسم المعاملات، وهي عشرة أبواب:
الرعاية، والمراقبة، والحُرْمة، والإخلاص، والتهذيب، والاستقامة، والتوكل، والتفويض، والثقة، والتسليم.
٤ - قسم الأخلاق، وهي عشرة أبواب:
الصبر، والرضا، والشكر، والحياء، والصدق، والإيثار، والخلق، والتواضع، والفتوّة، والانبساط.
٥ - قسم الأصول، وهي عشرة أبواب:
القصد، والعزم، والإرادة، والأدب، واليقين، والأُنس، والذِّكر، والفقر، والغنى، ومقام المراد.
[ ١ / ٣١ ]
٦ - قسم الأدوية، وهي عشرة أبواب:
الإحسان، والعلم، والحكمة، والبصيرة، والفراسة، والتعظيم، والإلهام، والسكينة، والطمأنينة، والهمّة.
٧ - قسم الأحوال، وهي عشرة أبواب:
المحبة، والغيرة، والشوق، والقلق، والعطش، والوجد، والدَّهش، والهيمان، والبرق، والذوق.
٨ - قسم الولايات، وهي عشرة أبواب:
اللَّحظ، والوقت، والصفاء، والسرور، والسرّ، والنفس، والغربة، والغرق، والغيبة، والتمكُّن.
٩ - قسم الحقائق، وهي عشرة أبواب:
المكاشفة، والمشاهدة، والمعاينة، والحياة، والقبض، والبسط، والسُّكْر، والصّحْو، والاتّصال، والانفصال.
١٠ - قسم النهايات، وهي عشرة أبواب:
المعرفة، والفناء، والبقاء، والتحقيق، والتلبيس، والوجود، والتجريد، والتفريد، والجمع، والتوحيد.
ذكر المؤلف في مقدمته أنه قد صنَّف جماعةٌ من المتقدمين والمتأخرين في هذا الباب تصانيف، منهم من أشار إلى الأصول، ومنهم من جمع الحكايات، ومنهم من لم يميِّز بين مقامات الخاصة وضرورات العامة، ومنهم من عدَّ شطح المغلوب مقامًا، وأكثرهم لم ينطق عن الدرجات. فقام
[ ١ / ٣٢ ]
المؤلف بتفصيل درجات كل مقام، لتُعرف درجة العامة منه ثم درجة السالك ثم درجة المحقِّق. وقال: إن جميع هذه المقامات تجمعها رُتَبٌ ثلاث: أخذُ القاصد في السير، ودخوله في الغربة، وحصوله على المشاهدة الجاذبة إلى عين التوحيد. وقد اقتصر المؤلف فيه على كلامه دون كلام غيره من الصوفية، وعباراته في ذكر المقامات ودرجاتها موجزة محكمة، اختار فيها أسلوب المزاوجة والسجع والرمز والإشارة، فهي في حاجة إلى الشرح والبيان.
ولا شك أن مؤلِّفه إمام قدوة وحافظ كبير، دعا إلى اتباع السنة وردَّ على المتكلمين، وله في ذلك مؤلفات مثل «ذم الكلام وأهله» و«الفاروق في الصفات» و«الأربعين في التوحيد» وغيرها. وكان طودًا راسيًا في السنة لا يتزلزل ولا يلين، وقد امتُحِن مراتٍ وأوذِي ونُفي من بلده. وله من المناقب والفضائل والأخبار في هذا الباب ما هو مذكور في ترجمته. إلَّا أن كتابه «منازل السائرين» هذا قد انتقده بعض العلماء من أهل السنة، مثل الذهبي الذي يقول: «له نَفَسٌ عجيب لا يُشبِه نفَسَ أئمة السلف في كتابه منازل السائرين، ففيه أشياء مُطرِبة، وفيه أشياء مشكلة، ومن تأمله لاح له ما أشرتُ إليه. والسنة المحمدية صَلِفة، ولا ينهض الذوق والوجد إلا على تأسيس الكتاب والسنة» (^١). ثم ذكر أن طائفة من صوفية الفلسفة والاتحاد يخضعون لكلامه في «منازل السائرين» وينتحلونه، ويزعمون أنه موافقهم. ويعقِّب عليه بقوله: «كلّا، بل هو رجل أثريّ، لهِجٌ بإثبات نصوص الصفات، منافِرٌ للكلام وأهله جدًّا. وفي منازله إشارات إلى المحو والفناء، وإنما مراده بذلك الفناءِ
_________________
(١) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٥٠٩).
[ ١ / ٣٣ ]
هو الغَيبة عن شهود السِّوى، ولم يُرِد محْوَ السِّوى في الخارج». وبعد هذا الدفاع يختم كلامه بقوله: «ويا ليتَه لا صنَّف ذلك، فما أحلى تصوفَ الصحابة والتابعين! ما خاضوا في هذه الخطرات والوساوس، بل عبدوا الله وذَلُّوا له وتوكَّلُوا عليه، وهم من خشيته مشفقون، ولأعدائه مجاهدون، وفي الطاعة مسارعون، وعن اللغو معرضون، والله يهدي من يشاء إلى صِراط مستقيم» (^١).
ومما انتُقِد عليه شرحه للتوحيد في آخر الكتاب، والأبيات الثلاثة التي ختم بها كتابه وهي من نظمه (^٢):
ما وحَّد الواحدَ من واحدٍ إذْ كلُّ مَن وحَّده جاحِدُ
توحيدُ مَن ينطق عن نعتِه عاريةٌ أبطَلها الواحدُ
توحيدُه إيَّاه توحيدُه ونعْتُ من ينعتُه لاحِدُ
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقد ذكر في كتابه «منازل السائرين» أشياء حسنة نافعة وأشياء باطلة، ولكن هو فيه ينتهي إلى الفناء في توحيد الربوبية، ثم إلى التوحيد الذي هو حقيقة الاتحاد». ثم نقل كلام الهروي في باب التوحيد، وانتقده بتفصيل (^٣).
وذكر في موضع آخر أنه ليس في كلامه شيء من الحلول العام، لكن في
_________________
(١) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٥١٠).
(٢) «منازل السائرين» (ص ١١٣).
(٣) «منهاج السنة» (٥/ ٣٤١ - ٣٨٨). وانظر «مجموع الفتاوى» (٥/ ١٢٦، ٢٣٠، ٨/ ٣١٣، ٣١٧، ١٤/ ١١).
[ ١ / ٣٤ ]
كلامه شيء من الحلول الخاص في حق العبد العارف الواصل إلى ما سماه هو مقام «التوحيد»، وقد باح منه بما لم يبح به أبو طالب المكي، لكن كنى عنه (^١).
وانتقد قول الهروي (ص ١١): «إن مشاهدةَ العبد الحكمَ لم تدع له استحسانَ حسنة ولا استقباح سيئة» في مواضع من كتبه (^٢)، وبيَّن أن قوله في باب الأفعال والقَدَر يوافق الجهم وأتباعه من غلاة الجبرية، فهو يلحظ الجبر وإثبات القدر شاهدًا لتوحيد الربوبية معرضًا عن الأمر والنهي، ويجعل هذا غاية.
أما المنهج العام للكتاب وهو تقسيم كل مقام إلى ثلاث درجات فقد انتقده شيخ الإسلام وقال: إنه يذكر في كلّ بابٍ ثلاث درجات، فالأولى وهي أهونها عندهم توافق الشرع في الظاهر، والثانية قد توافق الشرع وقد لا توافق، والثالثة في الأغلب تخالف، لاسيما في «التوحيد» و«الفناء» و«الرجاء» ونحو ذلك (^٣).
وبعد ما ذكر الذهبي أن «منازل السائرين» كتاب نفيس في التصوف، وأنه رأى الاتحادية تعظِّم هذا الكتاب وتنتحله، وتزعم أنه على تصوفهم الفلسفي، قال: «وقد كان شيخنا ابن تيمية بعد تعظيمه لشيخ الإسلام يحطّ
_________________
(١) «مجموع الفتاوى» (٥/ ٤٨٥).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٨/ ٣٣٩، ٣٤٦، ٣٦٩)، «الرد على الشاذلي» (ص ١٢٣، ١٥٣)، «جامع المسائل» (٢/ ١١٠).
(٣) «مجموع الفتاوى» (١٣/ ٢٢٩).
[ ١ / ٣٥ ]
عليه ويرميه بالعظائم بسبب ما في هذا الكتاب» (^١).
وتقدّم مزيد بيان لما اشتمل عليه الكتاب عند ذكر منهج ابن القيم في شرحه، وسنفرد مبحثًا خاصًّا بتعقبات المؤلف عليه.
ولأهمية هذا الكتاب وجمعه للمقامات وترتيبها ترتيبًا حسنًا تداوله العلماء والصوفية فيما بينهم، وحفظه بعضهم (^٢) ودرَّسه آخرون (^٣)، وكانت من الكتب التي تُقرأ وتُروى (^٤)، وقد قاموا بشرحه وترجمته إلى اللغات الأخرى، وطبع طبعاتٍ كثيرة. وسنذكر فيما يلي شروحه التي عرفناها مرتبةً على التاريخ:
١ - شرح عبد المعطي بن محمود اللخمي الإسكندري (ت ٦٣٨)، مطبوع.
٢ - شرح عفيف الدين سليمان بن علي التلمساني (ت ٦٩٠)، وهو مطبوع.
٣ - شرح أحمد بن إبراهيم الواسطي المعروف بابن شيخ الحزّامين (ت ٧١١)، لم يتمّه (^٥).
٤ - شرح كمال الدين عبد الرزاق الكاشاني أو الكاشي أو القاساني (ت ٧٣٠)، مطبوع.
_________________
(١) «تاريخ الإسلام» (١٠/ ٤٨٩). وانظر «طبقات الشافعية» للسبكي (٤/ ٢٧٢).
(٢) انظر «نفح الطيب» (٦/ ١٩٢).
(٣) «الدرر الكامنة» (١/ ٤٤٩).
(٤) «المعجم المفهرس» لابن حجر (ص ٤٠١)، و«صلة الخلف» للروداني (ص ٤٠٢).
(٥) «ذيل طبقات الحنابلة» (٤/ ٣٨٣)، و«توضيح المشتبه» (٣/ ١٦٦).
[ ١ / ٣٦ ]
٥ - «الفصول الأشرفية شرح منازل السائرين» لمحمد التستري (ت بعد ٧١٠). مخطوط في الفاتح (٢٧٠٧) ودار الكتب المصرية وغيرها.
٦ - «نزل السائرين في شرح منازل السائرين» لمحمود بن محمد الدركزيني (ت ٧٤٣)، في جزئين (^١).
٧ - تعليق عليه لأبي الطاهر محمد بن أحمد القيسي (ت ٧٤٩) (^٢).
٨ - شرح داود بن محمود القيصري الرومي (ت ٧٥١) (^٣).
٩ - «مدارج السالكين» لابن القيم (ت ٧٥١). وهو كتابنا هذا.
١٠ - «بديع الانتفاث في شرح القوافي الثلاث» في شرح الأبيات الثلاثة الأخيرة من «منازل السائرين» ليوسف بن عبد الله الكوراني (ت ٧٦٨)، مخطوط في برلين ٢٨٣١، وغيرها.
١١ - شرح محمود بن الحسن الفركاوي القادري (من القرن الثامن). مطبوع.
١٢ - «مرآة الناظرين في شرح منازل السائرين» لصائن الدين علي بن داود بن سليمان الأصفهاني (ت ٨٣٦) (^٤). وهو مخطوط في أياصوفيا ١٩٣٤ (ونُسب لجمال الدين يوسف بن داود الفارسي).
_________________
(١) «طبقات الشافعية، لابن قاضي شهبة (٣/ ٧٤)، «الدرر الكامنة» (٤/ ٣٣٨). وفي «كشف الظنون» (٢/ ١٨٢٨): «تنزل السافرين».
(٢) «الدرر الكامنة» (٣/ ٣١٤).
(٣) «هدية العارفين» (١/ ٣٦١).
(٤) «إيضاح المكنون» (٢/ ٤٦٢).
[ ١ / ٣٧ ]
١٣ - حاشية عليه لصفي الدين عبد الرحمن بن محمد الإيجي المدني (ت ٨٦٤) (^١).
١٤ - «تسنيم المقربين في شرح منازل السائرين»، لشمس الدين محمد التبادكاني الطوسي (ت ٨٩١)، شرح ممزوج بالفارسية (^٢). مخطوط في مكتبة خدابخش خان بعنوان «نسيم المقربين».
١٥ - «مرآة الناظرين في شرح منازل السائرين» ليحيى بن علي الخفركي السجستاني (من القرن التاسع) (^٣).
١٦ - «شرح منازل السائرين»، لنور الدين علي بن محمد المنوفي الشاذلي (ت ٩٣٩) (^٤).
١٧ - «عيون الناظرين في شرح منازل السائرين» لمحمد بن علي بن حيّون الشُّطيبي (ت ٩٦٣). مطبوع في مجلد واحد في المغرب عن مركز الإمام الجنيد، تحقيق د. محمد الغويلي.
١٨ - شرح محمد بن إبراهيم بن يوسف، ابن الحنبلي (ت ٩٧١). مخطوط في برلين ٢٨٣٠.
١٩ - شرح محمد بن عبد الله السندي (ت ١٠١٣) (^٥).
_________________
(١) «الضوء اللامع» (٤/ ١٣٦).
(٢) «كشف الظنون» (٢/ ١٨٢٨).
(٣) «الضوء اللامع» (١٠/ ٢٣٦).
(٤) «شجرة النور الزكية» (١/ ٣٩٣).
(٥) «نزهة الخواطر» (٥/ ٦١٩).
[ ١ / ٣٨ ]
٢٠ - شرح عبد الرؤوف المناوي (ت ١٠٣١). مطبوع
٢١ - «عماد السالكين في حلّ الصعاب من كتاب منازل السائرين»، لمحمد بن محمد المحقق الأردبيلي (؟). مخطوط في تشستربيتي ٤٢٧٧/ ٥ منسوخ سنة ١٠٦٢.
٢٢ - شرح محمد بن كمال الدين بن محمد الحسيني الحنفي (ت ١٠٨٥) (^١).
٢٣ - «مقامات العارفين في شرح منازل السائرين»، لمحمد مؤمن الجزائري الشيعي (ت ١١١٨) (^٢).
٢٤ - «نزهة الناظرين وتحفة القاصرين في شرح منازل السائرين»، لمحمد بن منصور المقدسي المعروف بابن نشوار (؟). مخطوط في خزانة بن يوسف بمراكش ٨٢ وغيرها.
٢٥ - «منهاج المريدين إلى شرح منازل السائرين»، لعلوي بن عبد الله (؟). مخطوط في المكتب الهندي ٦٠١.
٢٦ - شرح عبد الغني التلمساني (؟) (^٣).
٢٧ - شرح لطف الله كوكس كور علي (؟). مخطوط في مكتبة الأوقاف بحلب ٣٧٠٢/ ٢٥٦٨.
_________________
(١) «خلاصة الأثر» (٤/ ١٢٥).
(٢) «إيضاح المكنون» (٢/ ٤٦٢).
(٣) «كشف الظنون» (٢/ ١٨٢٨).
[ ١ / ٣٩ ]
٢٨ - «التمكين في شرح منازل السائرين»، لمحمود المنوفي، ط. دار النهضة العربية بمصر.
وهناك شروح أخرى مجهولة العنوان والمؤلف في مكتبات المخطوطات.
ومن مختصراته:
- «تحفة الراغبين في اختصار منازل السائرين»، لأبي الحسن علي بن محمد بن فرحون اليعمري (ت ٧٤٦) (^١).
- «الإشارات الخفية في المنازل العلية»، لعائشة بنت يوسف الباعونية الدمشقية (ت ٩٢٢)، وهي أرجوزة اختصرت فيها «المنازل» (^٢).
وترجمه إلى التركية: مصلح الدين المعروف بابن نور الدين (ت ٩٨١) (^٣).
* * *
_________________
(١) «التحفة اللطيفة» للسخاوي (٢/ ٢٩٦). وفي «الديباج المذهب» (٢/ ١٢٥): «غنية الراغبين».
(٢) «الكواكب السائرة» (١/ ٢٨٨).
(٣) «كشف الظنون» (٢/ ١٨٢٨).
[ ١ / ٤٠ ]