فأخذ في أُهبة السّفر، فانتقل إلى منزلة "العزم"، وهو العقدُ الجازمُ على المسير، ومفارقةُ كلِّ قاطعٍ ومعوِّقٍ، ومرافقةُ كلِّ معينٍ ومُوصلٍ. وبحسب كمال انتباهه ويقظته يكون عزمُه، وبحسب قوّة عزمه يكون استعدادُه.
فإذا استيقظ أوجبت له اليقظةُ "الفكرةَ"، وهي تحديقُ القلب نحو المطلوب الذي قد استعدَّ له (^١) مجملًا، ولمَّا يهتد إلى تفصيله وطريق الوصول إليه.
فإذا صحَّت فكرتُه أوجبت له "البصيرةَ"، وهي (^٢) نورٌ في القلب (^٣) يُبصر به الوعد والوعيد، والجنّة والنّار، وما أعدَّ الله في هذه لأوليائه، وفي هذه لأعدائه. فأبصر النّاسَ وهم قد خرجوا من قبورهم مهطعين لدعوة الحقِّ، وقد نزلت ملائكةُ السّماوات فأحاطت بهم، وقد جاء الله، ونُصِبَ كرسيُّه لفصل القضاء، وقد أشرقت الأرضُ لنوره، ووُضِع الكتابُ، وجيء بالنبيين والشهداء، وقد نُصِب الميزان، وتطايرت الصُّحفُ، واجتمعت الخصومُ، وتعلَّق كلُّ غريمٍ بغريمه، ولاح الحوضُ وأكوابُه عن كثَبٍ، وكثر العطاشُ وقلَّ المواردُ (^٤)، ونُصِبَ الجسرُ للعبور، ولُزَّ النّاسُ إليه، وقسِّمت الأنوار
_________________
(١) م، ش: "سعد به".
(٢) ع: "فهي".
(٣) في ع: "القلوب" مكان "القلب". وبعده في ج: "يرى به"، وهكذا نقله الفيروزابادي في "البصائر" (٥/ ٣٩٠). وقد سقطت الكلمتان من ق، ل، م فكتب بعضهم في هامش ق، ل كما في ج مع "لعله"، وفي هامش م كما أثبت من ع، ش مع علامة "صح".
(٤) ما عدا ق، ل: "الوارد"، وكذا في "البصائر".
[ ١ / ١٨٩ ]
دون ظلمته للعبور عليه، والنّار يحطِمُ بعضُها بعضًا تحته، والمتساقطون فيها أضعاف أضعاف النّاجين. فينفتح في قلبه عينٌ يرى بها ذلك، ويقوم بقلبه شاهدٌ من شواهد الآخرة يريه الآخرةَ ودوامَها، والدُّنيا وسرعةَ انقضائها.
فالبصيرة: نورٌ يقذفه الله في القلب، يرى به حقيقة ما أخبرت به الرُّسل، كأنّه شاهدٌ (^١) رأي عينٍ، فيتحقَّق مع ذلك انتفاعُه بما دعت إليه الرُّسل، وتضرُّره بمخالفتهم. وهذا معنى قول بعض العارفين (^٢): البصيرةُ تحقُّقُ الانتفاعِ بالشّيء والتّضرُّرِ به. وقال بعضهم: البصيرة ما خلَّصَك من الحيرة (^٣)، إمّا بإيمانٍ وإمّا بعيانٍ.
والبصيرة على ثلاث درجاتٍ، من استكملها فقد استكمل البصيرة: بصيرةٌ في الأسماء والصِّفات، وبصيرةٌ في الأمر والنّهي، وبصيرةٌ في الوعد والوعيد.
فالبصيرة في الأسماء والصِّفات: أن لا يتأثّر إيمانُك بشبهةٍ تعارضُ ما وصَف الله به نفسَه ووصفه به رسولُه، بل تكون الشُّبه المعارضة لذلك عنده (^٤) بمنزلة الشُّبه والشُّكوك في وجود الله، فكلاهما سواءٌ في البطلان عند أهل البصائر.
_________________
(١) ع: "يشاهده".
(٢) لم أقف على اسمه، ونقله الفيروزابادي أيضًا دون عزو.
(٣) هذا التفسير لصاحب "المنازل" (ص ٦٣) كما سيأتي، وما بعده من "شرح التلمساني" (٢/ ٣٤٣).
(٤) يعني: "عند إيمانك". وفي ع: "عندك".
[ ١ / ١٩٠ ]
وعقد هذا: أن يشهد قلبُك الرَّبَّ تعالى مستويًا على عرشه (^١)، متكلِّمًا بأمره ونهيه، بصيرًا بحركات العالم علويِّه وسفليِّه وأشخاصه وذرَّاته (^٢)، سميعًا لأصواتهم، رقيبًا على ضمائرهم وأسرارهم، وأمرُ الممالك تحت تدبيره، نازلٌ من عنده وصاعدٌ إليه، وأملاكُه بين يديه تنفِّذ أوامره في أقطار الممالك؛ موصوفًا بصفات الكمال، منعوتًا بنعوت الجلال، منزَّهًا عن العيوب والنّقائص والمثال. هو كما وصف نفسَه في كتابه، وفوق ما يصفه به خلقُه. حيٌّ لا يموت، قيُّومٌ لا ينام، عليمٌ لا يخفى عليه مثقالُ ذرّةٍ في السّماوات ولا في الأرض، بصيرٌ يرى دبيب النّملة السّوداء على الصَّخرة الصَّمّاء في اللّيلة الظّلماء، سميعٌ يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللُّغات على تفنُّن الحاجات.
تمَّت كلماتُه صدقًا وعدلًا، وجلَّت صفاته أن تقاس بصفاتِ خَلقِه شبهًا ومثلًا، وتعالت ذاته أن تُشْبِهَ شيئًا من الذّوات أصلًا، ووسعت الخليقةَ أفعالُه عدلًا وحكمةً ورحمةً وإحسانًا وفضلًا.
له الخلق والأمر، وله النِّعمة والفضل، وله الملك والحمد، وله الثّناء والمجد. أوّل ليس قبله شيءٌ، آخرٌ ليس بعده شيءٌ، ظاهرٌ ليس فوقه شيءٌ، باطنٌ ليس دونه شيءٌ. أسماؤه كلُّها أسماء مدحٍ وحمدٍ وثناءٍ وتمجيدٍ، ولذلك كانت حسنى. وصفاتُه كلُّها صفاتُ كمالٍ، ونعوتُه نعوتُ جلالٍ، وأفعالُه كلُّها حكمةٌ ورحمةٌ ومصلحةٌ وعدلٌ. كلُّ شيءٍ من مخلوقاته دالٌّ عليه، ومرشدٌ لمن رآه بعين البصيرة إليه.
_________________
(١) طمس بعضهم "مستويًا على عرشه" في ش.
(٢) ع: "وذواته".
[ ١ / ١٩١ ]
لم يخلُق السّماواتِ والأرضَ وما بينهما باطلًا، ولا ترَكَ الإنسانَ سُدًى عاطلًا، بل خلق الخلق لقيام توحيده وعبادته، وأسبغ عليهم نعمَه ليتوسَّلوا بشكرها إلى زيادته وكرامته (^١). تعرَّفَ إلى عباده بأنواع التّعرُّفات، وصرَّف لهم الآيات، ونوَّع لهم الدِّلالات؛ ودعاهم إلى محبّته من جميع الأبواب، ومدَّ بينه وبينهم من عهده أقوى الأسباب؛ فأتمَّ عليهم نعمه السّابغة، وأقام عليهم حجّته البالغة. أفاض عليهم النِّعمة، وكتب على نفسه الرَّحمة، وضمَّن الكتاب الذي كتَبَه: أنّ رحمتَه تغلِبُ غضَبَه.
وتفاوتُ النّاس في هذه البصيرة بحسب تفاوتهم في معرفةِ النُّصوص النّبويّة وفهمِها، والعلمِ بفساد الشُّبَه المخالفة لحقائقها.
وتجد أضعفَ النّاس بصيرةً أهلَ الكلام الباطل المذموم الذي ذمَّه السّلفُ، لجهلهم بالنُّصوص ومعانيها، وتمكُّنِ الشُّبه الباطلة من قلوبهم. وإذا تأمّلتَ حالَ (^٢) العامَّة الذين ليسوا مؤمنين عند أكثرهم رأيتَهم أتمَّ بصيرةً منهم، وأقوى إيمانًا، وأعظم تسليمًا للوحي وانقيادًا للحقِّ (^٣).
فصل
المرتبة الثّانية من البصيرة: البصيرة في الأمر والنّهي. وهي تجريده عن المعارضة بتأويلٍ أو تقليدٍ أو هوًى. فلا يقوم بقلبه شبهةٌ تعارض العلمَ بأمر الله ونهيه، ولا شهوةٌ تمنع من تنفيذه وامتثاله والأخذ به، ولا تقليدٌ يزيحه
_________________
(١) ع، ج، م: "زيادة كرامته"، وقد حاول بعضهم تغييرها في م لتوافق ما أثبت.
(٢) م، ش، ج: "حالات". وكذا كان في ق، ل، فأصلح كما أثبت.
(٣) "للحق" من ع وحدها.
[ ١ / ١٩٢ ]
عن (^١) بذل الجهد في تلقِّي الأحكام من مشكاة النُّصوص.
وقد علمتَ (^٢) بهذا أهلَ البصائر من العلماء من غيرهم.
فصل
المرتبة الثّالثة: البصيرة في الوعد والوعيد. فهو أن تشهدَ قيامَ الله على كلِّ نفسٍ بما كسبَتْ في الخير والشّرِّ، عاجلًا وآجلًا، في دار العمل ودار الجزاء؛ وأنَّ ذلك هو موجَبُ إلهيّته وربوبيّته وعدله وحكمته، وأنَّ الشَّكَّ في ذلك شكٌّ في إلهيّته وربوبيّته، بل شكٌّ في وجوده؛ فإنَّه يستحيل عليه خلافُ ذلك. ولا يليق أن ينسب إليه تعطيلُ الخليقة وإرسالُها هَملًا وتركُها سدًى، تعالى الله عن هذا الحسبان علوًّا كبيرًا. فشهادة العقل بالجزاء كشهادته بالوحدانيّة.
ولهذا كان الصّحيح أنَّ المعادَ معلومٌ بالعقل، وإنّما اهتُدي إلى تفاصيله بالوحي. ولهذا يجعل الله ﷾ إنكارَ المعاد كفرًا به سبحانه، لأنّه إنكارٌ لقدرته أو لإلهيّته، وكلاهما (^٣) مستلزمٌ للكفر به. قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الرعد: ٥].
وفي الآية قولان (^٤): أحدهما: إن تعجَبْ من قولهم: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا
_________________
(١) ش: "يريحه من". وكذا في م بإهمال الفعل.
(٢) ضبطت التاء في ل بالسكون، يعني: عُلِمَتْ.
(٣) ل، ش: "فكلاهما".
(٤) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٢٩٥ - ٢٩٦).
[ ١ / ١٩٣ ]
أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، فعجَبٌ قولهم! كيف ينكرون هذا، وقد خُلقوا من ترابٍ، ولم يكونوا شيئًا. والثّاني: إن تعجَبْ من شركهم مع الله غيرَه، وعدمِ انقيادهم للتوحيد (^١) وعبادته وحده لا شريك له، فإنكارُهم للبعث وقولُهم: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ فعَجبٌ (^٢)! وعلى التّقديرين: فإنكارُ المعاد عجَبٌ من الإنسان، وهو محض إنكار الرّبِّ والكفر به والجحد لإلهيّته وقدرته وحكمته وعدله وسلطانه.
ولصاحب "المنازل" في البصيرة طريقةٌ أخرى، قال (^٣): (البصيرة: ما يخلِّصك من الحيرة. وهي على ثلاث درجاتٍ. الأولى: أن تعلم أنّ الخبر القائم بتمهيد الشّريعة يصدر عن عينٍ لا تخاف عواقبها، فترى من حقِّه أن تؤدِّيه (^٤) يقينًا، وتغضب له غيرةً).
ومعنى كلامه: أنّ ما أخبر به الرّسول صادرٌ عن حقيقةٍ صادقةٍ، لا يخاف متّبعها فيما بعد مكروهًا، بل يكون آمنًا من عاقبة اتِّباعها، إذ هي حقٌّ، ومُتَّبعُ الحقِّ لا خوفَ عليه. ومن حقِّ ذلك الخبر عليك أن تؤدِّي ما أُمِرتَ به منه من غير شكٍّ ولا سلوكِ الأحوَط، بل لا تبرأ ذمّتك وتنال الأجرَ (^٥) إلَّا بامتثالٍ
_________________
(١) ع: "لتوحيده".
(٢) ع: "عجبٌ".
(٣) "منازل السائرين" (ص ٦٣).
(٤) أثبت ناشر "المنازل" في المتن: "تلذُّه"، وكذا في شرحَي الإسكندري (ص ١٣١) والقاساني (ص ٣٣٧). وفي "شرح التلمساني" (٢/ ٣٤٣) كما نقل المؤلف، وهو صادر عنه. وفي ج: "أن لا تؤديه"، وهو خطأ.
(٥) ق، ل، ع: "الأمر"، تصحيف.
[ ١ / ١٩٤ ]
صادرٍ عن تصديقٍ محقَّقٍ لا يصحبه شكٌّ؛ وتغضبَ (^١) على من خالف ذلك غيرةً عليه أن يضيع حقُّه، ويُهمَل جانبُه (^٢).
وإنّما كانت الغيرة عند شيخ الإسلام (^٣) من تمام البصيرة لأنّه على قدر المعرفة بالحقِّ ومستحقِّه ومحبّته وإجلاله تكون الغيرةُ عليه أن يضيع، والغضب على من أضاعه؛ فإنّ ذلك دليلٌ على محبّة صاحب الحقِّ (^٤) وإجلاله وتعظيمه، وذلك عين البصيرة. فكما أنَّ الشَّكَّ القادحَ في كمال الامتثال مُعْمٍ لعين البصيرة، فكذلك عدمُ الغضب والغيرة على حقوق الله إذا أُضِيعَتْ ومحارمِه إذا انتُهِكَتْ مُعْمٍ لعين البصيرة.
قال: (الدّرجة الثّانية أن تشهد في هداية الحقِّ وإضلاله إصابةَ العَدْل، وفي تلوين أقسامه رعايةَ البرِّ، وتُعايِنَ في جذبه حبلَ الوَصْل) (^٥).
يريد بشهود العدل في هدايته مَن هداه وإضلالِه مَن أضلَّه أمرين:
أحدهما: تفرُّده بالخلق والهدى والضّلال.
والثّاني: وقوع ذلك منه على وجه الحكمة والعدل، لا بالاتِّفاق، ولا بمحض المشيئة المجرَّدة عن وضع الأشياء مواضعها وتنزيلها منازلها، بل بحكمةٍ اقتضت هدى مَن عَلِمَ أنّه يزكو على الهدى، ويقبله، ويشكره عليه،
_________________
(١) معطوف على "تؤدِّيَ".
(٢) انظر: "شرح التلمساني" (٢/ ٣٤٣ - ٣٤٤).
(٣) يعني: صاحب "المنازل".
(٤) ج: "محبة الحق". وفي ش: "محبة صادقة للحق"، وكذا أصلح في م. والصواب ما أثبت من ق، ل، ع.
(٥) غُيِّر في ل إلى "الوصال"، كما في "المنازل" وكما سيأتي في الشرح.
[ ١ / ١٩٥ ]
ويُثمر عنده؛ وإضلالَ مَن عَلِمَ أنه لا يزكو على الهدى، ولا يقبله، ولا يشكر عليه، ولا يثمر عنده؛ فـ ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَاتِهِ (^١)﴾ [الأنعام: ١٢٤] أصلًا وميراثًا.
وقال (^٢) تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]. وهم الذين يعرفون قدر نعمته بالهدى، ويشكرونه عليها، ويحبُّونه، ويحمدونه على أن جعلهم من أهله. فهو سبحانه ما عدَلَ عن موجَب العدل والإحسان في هدايةِ مَن هَدى وإضلالِ مَن أضلَّ. ولم يطرُد عن بابه ولم يُبْعِد عن جنابه مَن يليق به التّقريب والهدى والإكرام، بل طرَدَ مَن لا يليق به إلّا الطّرد والإبعاد، وحكمتُه وحمدُه تأبى تقريبَه وتكريمَه وجَعْلَه من أهله وخاصّته وأوليائه.
ولا يبقى إلّا أن يقال: فلِمَ خلَقَ مَن هو بهذه المثابة؟ فهذا سؤال جاهلٍ ظالمٍ مفرطٍ في الجهل والظُّلم.
وخلقُ الأضداد (^٣) والمتقابلات هو من كمال الرُّبوبيّة، كاللّيل والنّهار، والحرِّ والبرد، واللَّذّة والألم (^٤)، والخير والشّرِّ، والنّعيم والجحيم (^٥).
_________________
(١) "رسالاته" قراءة أبي عمرو وغيره. وقرأ ابن كثير وحفص: "رسالتَه". انظر: "الإقناع" لابن الباذش (ص ٦٤٣).
(٢) ع: "قال" دون الواو.
(٣) السياق في ع: "ظالم ضالٍّ والظلم والضلال لأنَّ خلقَ الأضداد".
(٤) ل، ج: "الألم واللذة"، وكذا في الأصل ولكن ناسخه وضع فوقهما علامة التقديم والتأخير.
(٥) انظر هذا المعنى في "طريق الهجرتين" (ص ٢١٢، ٢٥٣) وقد بالغ المؤلف هناك في تقريره.
[ ١ / ١٩٦ ]
قوله: (وفي تلوين أقسامه رعايةَ البِرِّ). يريد بتلوين الأقسام: اختلافَها في الجنس والقدر والصِّفة، من أقسام الأموال (^١) والقوى والعلوم والصّنائع وغيرها، قسَّمها على وجه البرِّ والمصلحة، فأعطى كلًّا منهم ما يصلحه وما هو الأنفع له برًّا به وإحسانًا.
وقوله: (وتُعايِن في جذبه حبلَ الوصال). يريد: تعاين في توفيقِه لك للطّاعة وجذبِه إيّاك من نفسك أنّه يريد تقريبك منه. فاستعار للتّوفيق الخاصِّ الجذبَ، وللتّقريبِ الوصالَ، وأراد بالحبل السّببَ المُوصِلَ لك إليه (^٢). فأشار بهذا إلى أنّك تستدلُّ بتوفيقِه لك وجذبِك من نفسك وجعلِك متمسِّكًا بحبله ــ الذي هو عهدُه ووصيَّتُه إلى عباده ــ على تقريبه لك. بل (^٣) تشاهد ذلك ليكون أقوى في المحبّة والشُّكر وبذلِ النّصيحة في العبوديّة. وهذا كلُّه من تمام البصيرة، فمن لا بصيرة له بمعزلٍ عن هذا.
قال (^٤): (الدّرجة الثّالثة: بصيرةٌ تُفجِّر المعرفة، وتُثبِّت الإشارة، وتُنبت الفراسة).
يريد البصيرةَ في الكشف والعيان. أي يتفجَّرُ بها ينابيعُ المعارف من القلب. ولم يقل: "تفجِّر العلمَ" لأنَّ المعرفةَ أخصُّ من العلم عند القوم،
_________________
(١) ج: "الأفعال". وفي غيرها ما عدا ع: "الأقوال".
(٢) انظر: "شرح التلمساني" (٢/ ٣٤٥).
(٣) لم يرد "بل" في ع.
(٤) "المنازل" (ص ٦٣).
[ ١ / ١٩٧ ]
ونسبتُها إلى العلم نسبة الرُّوح إلى البدن، فهي روحُ العلم ولبُّه (^١).
وصدَق - ﵀ -، فإنّ بهذه البصيرة يتفجَّر من قلب صاحبها ينابيعُ من المعارف لا تُنال بكسبٍ ولا دراسةٍ، إن هو إلّا فهمٌ يؤتيه الله عبدًا في كتابه ودينه، على قدر بصيرته (^٢).
وقوله: (وتثبِّت الإشارة). يريد بالإشارة: ما يشير إليه القوم من الأحوال والمنازلات (^٣) والأذواق التي ينكرها الأجنبيُّ من السُّلوك ويثبِّتها أهل البصائر. وكثيرٌ (^٤) من هذه الأمور ترد على السّالك، فإن كان له بصيرةٌ ثبَّتَتْ بصيرتُه ذلك له وحقَّقَته عنده، وعرَّفَته تفاصيله. وإن لم يكن له بصيرةٌ بل كان جاهلًا لم يعرف تفصيلَ ما يرد عليه، ولم يهتد لتثبيته.
قوله: (وتُنبت الفراسةَ). يعني أنَّ البصيرةَ تُنبِت في أرضِ القلب الفراسةَ الصّادقَة. وهي نورٌ يقذفه الله في القلب، يفرِّق به بين الحقِّ والباطل والصّادق والكاذب. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥]. قال
_________________
(١) انظر: "شرح التلمساني" (٢/ ٣٤٥). وسيأتي في باب المعرفة كلام مفصَّل للمؤلف في الفرق بين العلم والمعرفة.
(٢) ع: "بصيرة قلبه".
(٣) م، ش: "المنازل"، والصواب ما أثبت. والمنازلات نوعٌ من الواردات القلبية. في "الرسالة القشيرية" (ص ٢٤٦): "وكما أنَّ ما يتكلَّفه العبد من معاملات ظاهره يوجب له حلاوة الطاعات، فما ينازله العبد من أحكام باطِنه يوجب له المواجيد. فالحلاوات ثمرات المعاملات، والمواجيدُ نتائج المنازلات". وانظر الفرق بين المنزل والمنازلة في "الفتوحات المكية" (٢/ ٥٧٧).
(٤) ما عدا ع: "وكثيرًا"، غير أن بعضهم طمس الألف في ل.
[ ١ / ١٩٨ ]
مجاهدٌ: للمتفرِّسين (^١). وفي "التِّرمذيِّ" (^٢) من حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ - ﵁ - عن النبيِّ - ﷺ - أنّه قال: "اتَّقوا فراسة المؤمن، فإنّه ينظر بنور الله ﷿". ثمّ قرأ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ ".
والتوسُّم: تفعُّلٌ من السِّيما (^٣)، وهي العلامة، فسُمِّي المتفرِّسُ متوسِّمًا، لأنّه يستدلُّ بما يشهد على ما غاب، فيستدلُّ بالعيان على الإيمان. ولهذا خصَّ تعالى بالآيات والانتفاعِ بها هؤلاء، لأنّهم يستدلُّون بما يشاهدون منها على حقيقة ما أخبرت به الرُّسل من الأمر والنّهي والثّواب والعقاب. وقد ألهم الله تعالى ذلك لآدم ﵇، وعلَّمه إيّاه حين علَّمه أسماء كلِّ شيءٍ. وبنوه هم نسخته وخلفاؤه، فكلُّ قلبٍ فهو (^٤) قابلٌ لذلك، وهو فيه بالقوّة، وبه تقوم الحجّة، وتحصل العبرة، وتصحُّ الدِّلالة. فبعث الله رسلَه مذكِّرين ومنبِّهين ومكمِّلين لهذا الاستعداد بنور الوحي والإيمان، فينضاف ذلك إلى نور الفراسة والاستعداد، فيصير نورًا على نورٍ، فتقوى البصيرة، ويعظُم النُّور ويدوم لزيادة مادّته ودوامها، ولا يزال في تزايدٍ حتّى يرى على الوجه والجوارح والكلام والأعمال.
ومن لم يقبل هدى الله ولم يرفع به رأسًا دخل قلبه في الغلاف والكِنان،
_________________
(١) "تفسير البغوي" (٤/ ٣٨٨).
(٢) برقم (٣١٢٧) من رواية عطيَّة العوفي ــ وهو ضعيف ــ عن أبي سعيد. قال الترمذي: هذا حديث غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه. وللحديث طرق وشواهد ولكنها واهية. انظر: "الضعيفة" (١٨٢١).
(٣) إن كان أصلها من الوسم لا السَّوم.
(٤) ج: "وهو". وفي ش، ع: "وكل قلب فهو".
[ ١ / ١٩٩ ]
فأظلَم، وعمي عن البصيرة، فحُجِبت عنه حقائقُ الإيمان، فيرى الحقَّ باطلًا، والباطلَ حقًّا، والرُّشدَ غيًّا، والغيَّ رشدًا. قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]. والرَّين والرَّانُّ هو: الحجاب الكثيف المانع للقلب من رؤية الحقِّ والانقياد له (^١).
وعلى حسب قوّة البصيرة وضعفها تكون الفراسة، وهي نوعان:
فراسةٌ علويّةٌ شريفةٌ مختصّةٌ بأهل الإيمان.
وفراسةٌ سفليّةٌ دنيئةٌ مشتركةٌ بين المؤمن والكافر، وهي فراسة أهل الرِّياضة والجوع والسَّهر والخلوة وتجريدِ البواطن من أنواع الشّواغل. فهؤلاء لهم فراسةُ كشفِ الصُّور والإخبارِ ببعض المغيَّبات السُّفليّة التي لا يتضمَّن كشفُها والإخبارُ بها كمالًا للنّفس ولا زكاةً ولا إيمانًا ولا معرفةً. وهؤلاء لا تتعدَّى فراستُهم هذه السفليّاتِ، لأنّهم محجوبون عن الحقِّ ﵎، فلا تصعد فراستهم إلى التّمييز بين أوليائه وأعدائه، وطريق هؤلاء وطريق هؤلاء (^٢).
وهذه (^٣) فراسة الصّادقين العارفين بالله وأمره، فإنَّ هممهم (^٤) لمَّا
_________________
(١) وانظر تفسيرَ المؤلف للرَّين في "الداء والدواء" (ص ١٤٨)، و"شفاء العليل" (ص ٩٤).
(٢) وضعت في م علامة "صح" بين الكلمتين فوق السطر لكيلا يحسبهما أحد من التكرار فيحذفهما كما وقع في ش.
(٣) يعني الفراسة العلوية التي تمِّيز بين أولياء الحق تعالى وأعدائه وطريق هؤلاء وطريق هؤلاء. وفي ع: "وأمَّا".
(٤) ع: "همتهم".
[ ١ / ٢٠٠ ]