استفاد المؤلف في كتابه من مصادر متنوعة حسب ما تقتضي الموضوعات، فعند ذكر الأحاديث المرفوعة يرجع إلى أمهات كتب الحديث، وينقل عنها ويسوق ألفاظها، مثل الكتب الستة و«المسند» و«الموطأ» و«صحيح ابن حبان» و«صحيح الحاكم» (أي: المستدرك) وغيرها، وقد قمنا ببيانها عند تخريج هذه الأحاديث في تعليقاتنا، ولا حاجة إلى سردها في هذه المقدمة. إلا أنه قد ينقل أحاديث بواسطة كتب أخرى كـ «السنن والأحكام عن المصطفى» للضياء المقدسي، فإنه قد نقل منه أحاديث «باب في كراهية المسألة» مستوفاةً ومرتَّبةً بنفس الترتيب والألفاظ، وهي أكثر من عشرين حديثًا (٢/ ٥٦٩ - ٥٧٧). ولعله صدر عن «رياض الصالحين» في موضع (٢/ ٦١٣).
أما أقوال الصحابة والتابعين في التفسير فقد اعتمد فيها على «تفسير البغوي» كما صرَّح به مرارًا، و«البسيط» للواحدي كما ظهر لنا بالتتبع ولم يصرِّح باسمه إلا مرةً واحدة (١/ ٢٧)، وأحيانًا ينقل عن «تفسير الطبري» (٣/ ٥٠٣) وغيره من التفاسير المسندة في بعض المواضع، وهي قليلة.
وأما آثارهم في الزهد فينقلها من كتاب «الزهد» للإمام أحمد (٢/ ٢٢٣، ٣/ ٥٦٣، ٤/ ٢٢، ١٦٦) ومؤلفات ابن أبي الدنيا وغيرها.
وكان جلُّ اعتماده على «الرسالة القشيرية» في ذكر أقوال الصوفية، بل يسوق أحيانًا بعض الأحاديث المرفوعة باللفظ الوارد فيها، ويعزوها إلى كتب السنة الأخرى، انظر على سبيل المثال (٢/ ٤٥٩).
[ ١ / ٦٣ ]
ويرجع أحيانًا إلى «شعب الإيمان» (٢/ ٥٥٥ - ٥٥٧)، و«قوت القلوب» (٢/ ٥٤٥ - ٥٤٦)،، و«إحياء علوم الدين» للغزالي (١/ ١٧٠، ٢/ ٢٠٢)، و«المواقف» للنفزي (٤/ ٥٤٦)، و«عوارف المعارف» للسهروردي (٣/ ١٢٩، ٤/ ٣٩١).
وقد يكون رجع إلى «اللمع» لأبي نصر السرَّاج أيضًا، ففي (٢/ ٤٨٢) نقل قولًا لابن عطاء باللفظ الذي أورده السرَّاج في كتابه. ثم نقله بعد صفحات (٢/ ٤٨٦) باللفظ الذي في «الرسالة القشيرية».
وكان بين يديه شرح التلمساني للمنازل، ينقل عنه ويتتبع انحرافاته في شرحه، وقد صرَّح بذلك ووصفه بقوله: «وتولى شرح كتابه أشدُّهم في الاتحاد طريقةً وأعظمهم فيه مبالغةً وعنادًا لأهل الفرق: العفيف التلمساني، ونزَّل الجمع الذي يشير إليه صاحب المنازل على جمع الوجود، وهو لم يرد به حيث ذكره إلا جمع الشهود، ولكن الألفاظ مجملة، وصادفت قلبًا مشحونًا بالاتحاد، ولسانًا فصيحًا متمكنًا من التعبير عن المراد» (١/ ٤١٠).
وفي مسائل العقيدة ومقالات الفرق رجع إلى «مقالات الإسلاميين» للأشعري (١/ ٢٩١، ٣/ ٢٤٠، ٤/ ٤٤٢)، وكتب الباقلاني وأبي يعلى (٢/ ٥٠٥)، و«الرسالة النظامية» و«الشامل» و«الإرشاد» الثلاثة للجويني وكتاب سعد الزنجاني (٢/ ٣٣٩). ونقل عن كتاب «السنة» لعبد الله بن أحمد في موضعين (٣/ ١٩٢، ٤/ ٢٣٧).
ومن الكتب الأخرى التي نقل منها أو ذكرها: «الفروق» للعسكري (٤/ ٢٨١)، و«محن العلماء» لابن زبر (٣/ ٥٨)، وقد تحرف اسم المؤلف في المطبوعات إلى ابن عبد البر!!
[ ١ / ٦٤ ]
وعندما ذكر صاحب «المنازل» ذكر عددًا من مؤلفاته ووصفه بقوله: «وصاحب المنازل - ﵀ - كان شديد الإثبات للأسماء والصفات، مضادًّا للجهمية من كل وجه، وله كتاب «الفاروق» استوعب فيه أحاديث الصفات وآثارها، ولم يُسبق إلى مثله، وكتاب «ذم الكلام وأهله» طريقتُه فيه أحسنُ طريقة، وكتاب لطيف في أصول الدين يسلك فيه طريقة أهل الإثبات ويقرّرها » (١/ ٤٠٩).
وذكر المؤلف في أثناء الكتاب سبعة من مؤلفاته، وأحال عليها للتفصيل، وقد سبق ذكرها في إثبات نسبة الكتاب.
أما استفادته من شيخه شيخ الإسلام ونقلُه من كتبه وسماعُه للكثير من كلامه فهو مذكور في مواضع كثيرة من الكتاب، بل يعتبر هذا الكتاب أهم مصدر لمعرفة أحوال شيخ الإسلام وزهده وورعه وفراسته ومعرفته بأحوال القلوب، واختياراته وتوجيهاته، ويمكن أن يفرد منها جزء لطيف يحوي من كلام الشيخ وآرائه وأحواله ما لا يوجد في مصدر آخر (^١).
* * *
_________________
(١) وقد ضمّنا في «الجامع لسيرة الإسلام» ــ الطبعة الخامسة ــ أهمّ ما ذكره ابن القيم عن شيخه من أحوال ومواقف. (علي العمران).
[ ١ / ٦٥ ]