وهي خمس قضايا، وهي كما يلي:
١ قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الآية: ١٨٤].
فكان المسلم مخيَّرًا في أول فرض الصيام بين الصيام أو الإطعام، فنسخ هذا التخيير بقوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [الآية: ١٨٥] (^٢).
٢ مفهوم قوله تعالى في سورة النساء: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [الآية: ٤٣].
فمفهوم هذه الآية إباحة السكر في غير وقت الصلاة، وقد نُسخ هذا المفهوم بتحريم السكر مطلقًا في قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ
_________________
(١) ص ٣٥.
(٢) انظر: «الناسخ والمنسوخ» للنحاس بتحقيقنا ١/ ٥٠٢.
[ ١٩ ]
وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [الآيتين: ٩٠ - ٩١] (^١).
٣ قوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الآية: ٦٥].
ففي هذه الآية كُلِّف الواحد من المؤمنين في المعركة بمصابرة عشرة من الكفار، ثم نُسخ بمصابرة المؤمن للاثنين من الكفار بقوله تعالى في الآية بعدها: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الآية: ٦٦] (^٢).
٤ قوله تعالى في سورة المجادلة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [الآية: ١٢].
نُسخت هذه الآية بقوله تعالى في الآية بعدها: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الآية: ١٣].
فأوجب الله -﷿- على المؤمنين في الآية الأولى تقديم الصدقة بين يديْ مناجاة الرسول -ﷺ- تخفيفًا عليه، ثم نسخها بالآية الثانية؛ تخفيفًا عليهم (^٣).
٥ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ١ - ٤].
أوجب الله -﷿- في هذه الآية قيامَ الليل، فقام النبي -ﷺ- وأصحابه حولًا كاملًا حتى انتفخت أقدامهم، ثم نُسخ وجوب ذلك بقوله تعالى في آخر السورة: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] (^٤)، وبقِي قيام الليل بعد ذلك مندوبًا (^٥).
_________________
(١) انظر المصدر السابق ٢/ ٢١٢.
(٢) انظر المصدر السابق ٢/ ٣٨٨.
(٣) انظر المصدر السابق ٣/ ٥٥.
(٤) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها (٧٤٦)، وأبو داود في قيام الليل (١٣٤٢)، والنسائي في قيام الليل وتطوع النهار (١٦٠١)، وأحمد ٦/ ٥٣ (٢٤٢٦٩) من حديث عائشة -﵂-.
(٥) انظر: «الناسخ والمنسوخ» للنحاس بتحقيقنا ٣/ ١٢٩.
[ ٢٠ ]
فهذه القضايا الخمس النسخ فيها ظاهرٌ ولله الحمد، ولا إشكال في فهم ذلك، ولا احتمال فيها لغير النسخ.