ما ينبغي للمؤمن مراعاتُه عند المصيبة:
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣) وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾.
لقد اشتملت هذه الآيات على توطين النفوس على المصائب قبل وقوعها، وبيان ما تقابل به إذا وقعت، وما يقال عند ذلك، وما يعين على الصبر، وما للصابرين من الأجر، وبهذا يتبين- ولله الحمد- الفرق بين المؤمن الذي يثق بوعد الله ورحمته به، ويحتسب مصابه، وبين غيره، وخلاصة القول أنه ينبغي للمؤمن عند المصيبة مراعاة ما يأتي:
أولًا: الاستعانة بالصبر والصلاة والتسليم والرضا بقضاء الله وقدره، وأن يقارن ما أخذ الله منه بما أعطاه من النعم التي لا تحصى؛ كما قال -ﷺ- لما أرسلت له إحدى بناته أن ابنًا لها في الموت قال -ﷺ-: «ارجع إليها فأخبرها أن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجلٍ مسمًّى، فمُرْها فلتصبر ولتحتسب» (^١).
وأن يقول: «﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها» (^٢)،
_________________
(١) أخرجه البخاري في التوحيد (٧٣٧٧)، ومسلم في الجنائز (٩٢٣) من حديث أسامة بن زيد -﵄-.
(٢) أخرجه مسلم في الجنائز، ما يقال عند المصيبة (٩١٨/ ٤).
[ ٢٤ ]
معترفًا بقلبه أنه ملك لله -﷿-، يدبره كيف يشاء، ومرده إليه، واختياره سبحانه له أحسن من اختياره لنفسه، فيحتسب عند الله مصيبته؛ ليطمئن قلبه، وينشرح صدره، فإن الكثيرين منَّا يقولون هذه المقالة من غير تدبر لمعناها، والذي لو تدبرناه حقًّا، ووطَّنَّا أنفسنا عليه، لهوَّن علينا المصاب بإذن الله تعالى.
كما أن على المؤمن أن يتذكر ما وعد الله به الصابرين في هذه الآيات من معيَّته لهم، وبشارتهم، والثناء عليهم، ورحمتهم، وتأكيد هدايتهم، وما وعدهم به في غيرها؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٦]، وقال تعالى: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون: ١١١]، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٧٥، ٧٦].
ولما قالت فاطمة -﵂-: «واكرب أبتاه!» قال -ﷺ-: «لا كرب على أبيك بعد اليوم» (^١).
وقوله -﷿- في الحديث القدسي: «ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا، ثم احتسبه إلا الجنة» (^٢).
وقوله -ﷺ- لما مات ابنه إبراهيم -﵇-: «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزنون» (^٣).
وقوله -ﷺ-: «عجبًا لأمر المؤمن لا يقضي الله قضاءً إلا كان خيرًا له، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراءُ صبر فكان خيرًا له» (^٤).
وقال -ﷺ-: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي (٤٤٦٢)، وابن ماجه في الجنائز (١٦٢٩) من حديث أنس -﵁-.
(٢) أخرجه البخاري في الرقاق (٦٤٢٤) من حديث أبي هريرة -﵁-.
(٣) أخرجه البخاري في الجنائز (١٣٠٣)، ومسلم في الفضائل (٢٣١٥)، وأبو داود في الجنائز (٣١٢٦) من حديث أنس بن مالك -﵁-.
(٤) أخرجه مسلم في الزهد والرقائق (٢٩٩٩)، وأحمد ٤/ ٣٣٢، ٣٣٣ (١٨٩٣٤، ١٨٩٣٩) من حديث صهيب -﵁-.
[ ٢٥ ]
غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه» (^١).
قال الشاعر:
فإذا بُلِيت بمحنة فاصبر لها … صبر الكريم فإن ذلك أحزمُ
وإذا بليت بكربة فالبَسْ لها … ثوب السكوت فإن ذلك أسلمُ
لا تشكونَّ إلى العباد فإنما … تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحمُ (^٢)
ثانيًا: ينبغي للمصاب أن يتأمل في حقيقة الدنيا وطبيعتها، وأنها دار فناء، لا دار بقاء، دار غرور ومتاع قليل، وأن الدار الآخرة هي الدار الحقة؛ كما قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥، الحديد: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ [الرعد: ٢٦].
وقال تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [القصص: ٦٠، الشورى: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦، ١٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى: ٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤].
وعن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: نام رسول الله -ﷺ- على حصير، فقام وقد أثر في جنبه، فقلنا: يا رسول الله، لو اتخذنا لك وطاء؟ فقال: «ما لي وما للدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها» (^٣).
وقال -ﷺ-: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة
_________________
(١) أخرجه البخاري في المرضى (٥٦٤٢)، ومسلم في البر والصلة (٢٥٧٣)، والترمذي في التفسير (٣٠٣٨)، وأحمد ٢/ ٣٠٣ (٨٠٢٧) من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري -﵄-.
(٢) الأبيات لزين العابدين بن الحسين -﵄-، وتنسب للشافعي ﵀. انظر: «عيون الأخبار» (٢/ ٢٨٤)، «الدر الفريد وبيت القصيد» (١/ ١٥٤).
(٣) أخرجه الترمذي في الزهد (٢٣٧٧)، وابن ماجه في الزهد- مثل الدنيا (٤١٠٩) - وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح».
[ ٢٦ ]
ماء» (^١).
وقال -ﷺ-: «الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر» (^٢).
ولهذا قال ابن عمر -﵄-: «إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء» (^٣)، قال الشاعر:
تعزَّ فلا شيء على الأرض باقيًا … ولا وزر مما قضى الله واقيَا (^٤)
وقال عمر بن الخطاب -﵁-:
لا شيء مما ترى تبقى بشاشته … يبقى الإله ويفنى المال والولدُ (^٥)
وقال أبو الحسن التهامي لما مات ابنه (^٦):
حكم المَنيةِ في البريَّة جارِ … ما هذه الدنيا بدار قرارِ
طبعت على كدر وأنت تريدها … صفوًا من الأقذاء والأكدارِ
ومكلِّف الأيامِ ضدَّ طباعها … متلمس في الماء جذوةَ نارِ
وإذا رجوت المستحيل فإنما … تبني الرجاء على شفير هارِ
فالعيش نوم والمنية يقظة … والمرء بينهما خيال سارِ
والنفس إن رضيت بذلك أو أَبَتْ … منقادة بأزمَّة الأقدارِ
_________________
(١) أخرجه الترمذي في الزهد (٢٣٢٠)، وابن ماجه في الزهد (٤١١٠). وقال الترمذي: «حديث صحيح غريب». وصححه الألباني في «الصحيحة» (٦٨٦، ٩٤٣).
(٢) أخرجه مسلم في الزهد والرقائق (٢٩٥٦)، والترمذي في الزهد (٢٣٢٤)، وابن ماجه في الزهد (٤١١٣)، وأحمد ٢/ ٣٢٣ (٨٢٨٩) من حديث أبي هريرة -﵁-.
(٣) أخرجه البخاري في الرقاق (٦٤١٦)، والترمذي في الزهد (٢٣٣٣).
(٤) البيت لم يسم قائله. انظر: «الجني الداني في حروف المعاني» ص (٢٩٢)، و«أوضح المسالك» (١/ ٢٧٥)، «المغني» (٢/ ٦١٢).
(٥) انظر: «الإمتاع والمؤانسة» ص (٣٤٧)، «العمدة في محاسن الشعر وآدابه» (١/ ٣٤). والبيت ورد في عدة مصادر مع اختلاف فيه، ولم ينسب لقائل.
(٦) انظر: «ديوانه» ص (٤٨).
[ ٢٧ ]
فاقضوا مآربكم عجالًا إنما … أعماركم سفر من الأسفارِ
وتراكضوا خيل الشباب وبادروا … أن تسترد فإنهن عوارِ
وقال الآخر:
متاع غرور لا يدوم سرورها … وأضغاث حلم خادع ببهائهِ
فمن أكرمت يومًا أهانت له غدًا … ومن أضحكت قد آذنت ببكائهِ
فكم في كتاب الله من ذكر ذمها! … وكم ذمها الأخيار من أصفيائهِ! (^١)
وقال لبيد بن ربيعة (^٢):
بَلِينا وما تبلى النجوم الطوالعُ … وتبقى الديار بعدنا والمصانعُ
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه … يحور رمادًا بعد إذ هو ساطعُ
وما المال والأهلون إلا ودائع … ولا بد يومًا أن ترد الودائعُ
أليس ورائي إن تراخت منيتي … لزوم العصا تُحنَى عليه الأصابعُ
وقال الآخر:
فهن المنايا أي واد سلكته … عليها طريقي أو عليَّ طريقها (^٣)
وقال الآخر:
ومن لم يمت بالسيف ما ت بغيره … تنوعت الأسباب والموت واحدُ (^٤)
ثالثًا: ينبغي أن يعلم المصاب أن في طي المحنة منحةً، وفي البلية نعمة، وأن الخيرة فيما يختاره الله؛ كما قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وقال تعالى: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩].
_________________
(١) الأبيات لابن مشرّف. انظر: «ديوانه» (ص ٣٨).
(٢) انظر «ديوانه» ص (٥٦)، ويوجد فيه اختلاف يسير.
(٣) البيت بلا نسبة. انظر: «مجموع الفتاوى» (١٥/ ٢١٥)، «بدائع الفوائد» (١/ ١١٩).
(٤) البيت لابن نباتة السعدي. انظر: «الدر الفريد» (٧/ ٤٤٧)، «المحاضرات والمحاورات» للسيوطي ص (٣٧٩).
[ ٢٨ ]
قال أبو تمام (^١):
قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت … ويبتلي الله بعض القوم بالنعمِ
وقال علي بن أبي طالب -﵁- (^٢):
لا تكره المكروه عند حلوله … إن العواقب لم تزل متباينهْ
كم نعمة لا يستهان بشكرها … لله في طي المكاره كامنهْ!
وقال الآخر:
فلرب أمر مسخط … لك في عواقبه الرضا
ولربما اتسع المضيـ … ـق وربما ضاق الفضا (^٣)
ومن هنا ينبغي أن يعلم المصاب بفقد حبيب مِن ولد، أو والد، أو زوج، أو أخ، أو قريب، أو صديق أن ما عند الله خير للمؤمن؛ لأن الشيطان قد يأتي لأهل المصاب؛ ليحزنهم، ويزيد مصابهم، فيوسوس لهم أن ميتهم المسكين خسر حياته أو خسر شبابه، أو أن المسكين مات بهذا الحادث أو بهذا المرض الخطير، أو مات فجأة، ونحو ذلك؛ فينبغي أن يعلم أن المؤمن إذا مات بأي وقت من عمره، وبأي سبب فما عند الله خير له، وهو مأجور على ما أصابه، وبموته انتقل من الضيق إلى السعة، ومن العناء إلى الراحة، ومن الخوف إلى بر الأمان؛ كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣]، فلا خوف عليهم مما أمامهم، ولا هم يحزنون على مَن خلفهم، فالله يتولاهم ويتولى مَن خلفهم.
رابعًا: ينبغي أن يتذكر المصاب بمصيبته المصيبة العظمى بموت رسول الله -ﷺ- وانقطاع الوحي من السماء.
_________________
(١) انظر: «ديوانه» ص (٥٧٧).
(٢) انظر: «الفرج بعد الشدة» (٥/ ٢٦)، «الصناعتين» ص (٢٢٦)، «خزانة الأدب» (٢/ ٣٧٧)، مع اختلاف في بعض الكلمات.
(٣) البيتان لصفي الدين الحلي. «الغيث المنسجم» ص (١١٣)، «الكشكول» (١/ ٢٠٨).
[ ٢٩ ]
قال أبو العتاهية (^١):
اصبر لكل مصيبة وتجلدِ … واعلم بأن المرء غير مخلدِ
أَوَما ترى أن المصائب جمة … وترى المنية للعباد بمرصدِ؟!
من لم يُصَبْ ممَّن ترى بمصيبة؟! … هذا سبيل لستَ فيها بأوحدِ
وإذا أُصِبت مصيبة تشجى بها … فاجبر مصابك بالنبي محمدِ
عن أنس بن مالك -﵁- قال: «قال أبو بكر -﵁- بعد وفاة رسول الله -ﷺ- لعمر: انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله -ﷺ- يزورها، فلما انتهينا إليها بكت، فقالا لها: ما يبكيكِ؟ ما عند الله خير لرسوله -ﷺ-. فقالت: ما أبكي أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله -ﷺ-، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها» (^٢).
قال حسان -﵁- (^٣):
بطيبةَ رسمٌ للرسولِ ومعهدُ … منيفٌ وقد تعفو الرسومُ وتَهمدُ
ظللتُ بها أبكي الرسولَ فأسعدتْ … عُيون وَمِثْلاها مِنَ الجَفْنِ تُسعدُ
فَبُورِكتَ يا قبرَ الرَّسولِ وبورِكتْ … بِلَادٌ ثَوَى فيهَا الرّشِيدُ المُسَدَّدُ
وبوركَ لحدٌ منكَ ضُمِّنَ طيبًا … عليهِ بناءٌ من صفيحٍ مُنضَّدُ
تهيلُ عليهِ التُّربَ أيدٍ وأعينٌ … عليهِ وقدْ غارتْ بذلكَ أَسعُدُ
لقد غَيَّبوا حِلْمًا وعِلْمًا وَرَحمةً … عشيةَ علَّوْهُ الثرى لا يُوسَّدُ
وَرَاحُوا بحُزْنٍ ليس فيهِمْ نَبيُّهُمْ … وَقَدْ وَهَنَتْ منهُمْ ظهورٌ وأَعْضُدُ
يُبَكُّونَ مَن تبكي السمواتُ يومَهُ … ومَن قدْ بَكَتْهُ الأرضُ فالناس أَكْمَدُ
وهلْ عدلتْ يومًا رزيةُ هالكٍ … رزيةَ يومٍ ماتَ فيهِ محمدُ
_________________
(١) انظر: «ديوانه» ص (١٢٩).
(٢) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة (٢٤٥٤)، وابن ماجه مختصرًا في الجنائز (١٦٣٥).
(٣) «ديوانه» ص (٦٠ - ٦٣).
[ ٣٠ ]
تَقَطَّعَ فيهِ مُنزِلُ الوَحْيِ عَنهُمُ … وَقَد كان ذا نورٍ يَغورُ ويُنْجِدُ
فَبَيْنَا هُمُ في ذلكَ النُّورِ إذْ غَدَا … إلى نُورِهِمْ سَهْمٌ من المَوْتِ مُقصِدُ
فأصبحَ محمودًا إلى اللهِ راجعًا … يُبَكِّيهِ جفنُ المرسلاتِ ويحمدُ
وأمستْ بِلادُ الحَرْم وَحشًا بقاعُها … لِغَيْبَةِ ما كانَتْ منَ الوَحْيِ تعهدُ
قِفارًا سِوَى مَعْمورَةِ اللَّحْدِ ضَافَها … فَقِيدٌ يُبَكِّيهِ بَلاطٌ وغَرْقدُ
وَمَسْجِدُهُ فالموحِشاتُ لِفَقْدِهِ … خلاءٌ لهُ فيهِ مقامٌ ومقعدُ
فبكِّي رسولَ الله يا عينُ حسرةً … ولا أَعرِفَنْكِ الدهرَ دمعك يجمدُ
وما لي لا أبكي لذي النعمة التي … على الناس منها سابغ يُتغمدُ!
فجودي عليه بالدموع وأعولي … لفقد الذي لا مثله الدهر يُوجدُ
فما فقد الماضون مثل محمد … ولا مثله حتى القيامة يُفقدُ
خامسًا: أن يعلم المصاب أن المصيبة الكبرى والبلية العظمي أن يصاب الإنسان في دينه فيخسر دنياه وأخراه؛ كما قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣].
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥].
قال شريح -﵀-: «إني لأصاب بالمصيبة فأحمد الله عليها أربع مرات: أحمده إذ لم تكن أعظم مما هي، وأحمده إذ رزقني الصبر عليها، وأحمده إذ وفقني للاسترجاع لما أرجو فيه من الثواب، وأحمده إذ لم يجعلها في ديني» (^١)؛ فإن من كل شيء عوضًا إلا الدين.
سادسًا: على المصاب انتظار الفَرَج من الله تعالى: كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الانشراح: ٥، ٦].
وقال -ﷺ- لابن عباس -﵄-: «واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن
_________________
(١) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» ٧/ ١٩٨ (٩٩٨٠)، وابن عساكر في «تاريخه» (٢٣/ ٤٢). وانظر: «الكبائر» للذهبي ص (١٩٥)، «سير أعلام النبلاء» (٤/ ١٠٥).
[ ٣١ ]
مع العسر يسرًا» (^١).
ولهذا قال عمر بن الخطاب -﵁-: «لن يغلب عسرٌ يسرين» (^٢).
قال الشاعر:
وكل الحادثات إذا تناهت … فموصول بها الفرج القريبُ (^٣)
وقال الآخر:
ولرُبَّ نازلة يضيق بها الفتى … ذرعًا وعند الله منها المخرجُ
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها … فُرِجَت وكان يظنها لا تفرجُ (^٤)
وقال الآخر:
عسى فرج يأتي به الله إنه … له كلَّ يوم في خليقته أمرُ (^٥)
وقال أبو العتاهية (^٦):
يا صاحب الهم إن الكرب منفرجٌ … أبشر بخير فإن الفارج اللهُ
أَلْيأس يقطع أحيانًا بصاحبه … لا تيأسنَّ فإن الكافي اللهُ
أَلله يحدث بعد العسر ميسرة … لا تجزعنَّ فإن الكاشف اللهُ
إذا بليت فثق بالله وارضَ به … إن الذي يكشف البلوى هو اللهُ
_________________
(١) أخرجه أحمد ١/ ٣٠٧ (٢٨٠٣)، والطبراني في «الكبير» ١١/ ١٢٣ (١١٢٤٣)، قال السخاوي في «المقاصد الحسنة» ص (٢٥٧): وأصل الحديث بدون لفظ الترجمة عند الترمذي، وصححه من حديث حَنش عن ابن عباس مرفوعًا، بل أخرجه أحمد، والطبراني، وغيرهما من هذا الوجه أيضا بتمامه، وهو أصح وأقوى رجالًا. قلت: أخرجه الطبراني من حديث ابن أبي مليكة عن ابن عباس به.
(٢) ذكره البخاري معلقا دون نسبة في تفسير سورة ﴿ألم نشرح لك﴾ قبل حديث (٤٩٥٢)، وأخرجه مالك في الجهاد (٢/ ٤٤٦)، والطبري في «جامع البيان» (٦/ ٣٣٤).
(٣) البيت لابن السكيت. انظر: «الكشكول» (٢/ ٥٢).
(٤) البيتان لإبراهيم بن العباس الصولي. انظر: «الفرج بعد الشدة» (٥/ ١٥).
(٥) البيت لمحمد بن إسماعيل. انظر «الصاحبي في فقه اللغة» ص (١٥٧).
(٦) انظر: «المحاسن والأضداد» ص (١٥٧).
[ ٣٢ ]
والله ما لك غير الله من أحد … فحسبك الله في كلٍّ لك اللهُ
سابعًا: ينبغي أن يتأسى المصاب ويتسلى بأحوال السلف عند المصائب وما هم عليه من قوة الصبر، والتسليم لقضاء الله وقدره، والرضا به.
والأخبار عنهم في هذا مستفيضة، فقد رُوي أن أبا ذر -﵁- كان لا يعيش له ولد، فقيل له في ذلك، فقال: «الحمد لله الذي يأخذهم في دار الفناء، ويدخرهم في دار البقاء» (^١).
ولما حضرت بلالًا -﵁- الوفاةُ أنشأ يقول: «غدًا نَلقى الأحبَّهْ؛ محمدًا وحزبَهْ»، فقالت امرأته: «واويلاه!». فقال: «وافرحاه!» (^٢).
وقد روي أن عروة بن الزبير -﵁- وقعت في رجله الآكلة، فقطعها من الساق، ولم يمسكه أحد وهو شيخ كبير، ولم يدَعْ وِرْده تلك الليلة، ومات أحد أبنائه، فقال -﵀-: «اللهم إن كنت ابتليت فقد عافيت، وإن كنت أخذت فقد أبقيت، أخذت عضوًا وأبقيت أعضاءً، وأخذت ابنًا وأبقيت أبناءً»، وتمثل بهذه الأبيات:
لعمري ما أهويت كفي لريبة … ولا نقلتني نحو فاحشة رِجْلِي
ولا قادني سمعي ولا بصري لها … ولا دلني رأيي عليها ولا عقْلِي
وأعلم أني لم تصبني مصيبة … من الدهر إلا قد أصابت فتًى مثْلِي (^٣)
ولما مات عبد الملك بن عمر بن عبدالعزيز -﵀- قال عمر: «الحمد لله الذي جعلك في ميزاني، ولم يجعلني في ميزانك، رضينا بقضاء الله، وسلمنا لأمر الله، والحمد لله رب العالمين، وإنا لله وإنا إليه راجعون».
ومات ولد لعقبة اسمه يحيى، فلما أنزله في قبره قيل له: «والله لقد كان نعم القائد للجيش! فاحتسِبْه. فقال: وما لي لا أحتسبه وقد كان من زينة الحياة الدنيا، وهو اليوم من الباقيات الصالحات».
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» ١٩/ ٢١٢ (٣٥٨٣٢)، والطبراني في «الكبير» ٢/ ١٥٠ (١٦٢٩)، وأبو نعيم في «الحلية» (١/ ١٦٠).
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في «المحتضرين» (٢٩٤)، وانظر: «سير أعلام النبلاء» (١/ ٣٥٩).
(٣) انظر: «الكبائر» للذهبي ص (١٩٢)، «تاريخ دمشق» لابن عساكر (٥٩/ ٤٢٩).
[ ٣٣ ]
وقيل لرجل: كم لك من الولد؟ فقال: تسعة، فقيل له: نحن لا نعرف لك إلا ولدًا واحدًا. فقال: «الحمد لله كان لي عشرة من الولد فقدمت تسعة أحتسبتهم عند الباري -جل وعلا-، وبقي واحد، لا أدري هل أنا له، أم هو لي؟».
وقال علي بن أبي طالب -﵁- لمصابٍ: «إنك إن صبرت جرَتْ عليك المقادير؛ وأنت مأجور، وإن جزِعْت جرَتْ عليك المقادير؛ وأنت مأزور» (^١).
وروي في «مناقب الشافعي» للبيهقي (^٢): أن عبد الرحمن بن مهدي مات له ولد فجزع عليه جزعًا شديدًا؛ حتى امتنع من الطعام والشراب. فبلغ ذلك الشافعيَّ، فكتب إليه: أما بعد، فعزِّ نفسك بما تعزي غيرك، واستقبح من فعلك ما تستقبحه من فعل غيرك، واعلم أن أمضَّ المصائب فَقْدُ سرور وحرمان أجر، فكيف إذا اجتمعا مع اكتساب وزرٍ؟! ألهمك الله عند المصائب صبرًا، وأجزل لنا ولك بالصبر أجرًا. وكتب إليه:
إني معزِّيكَ لا أني على ثقة … من الخلود ولكن سُنة الدِّينِ
فما المعزَّى بباق بعد ميتهِ … ولا المعزِّي وإن عاشا إلى حينِ
ويشاء الله أن يموت بعدها ابن للشافعي -﵀- الذي كان يعزِّي أصبح يعزَّى، فتمثل بهذا البيت:
ما الدهر إلا هكذا فاصطبر له … رزية مال أو فراق حبيبِ
ولما قتل أبناء الخنساء الأربعة في معركة القادسية وجاءها الخبر ما زادت على أن قالت: «الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته» (^٣)، وهي التي كادت تهلك جزعًا لما مات أخوها صخر في الجاهلية؛ حيث تقول:
يذكرني طلوع الشمس صخرًا … وأذكره لكل غروب شمسِ
ولولا كثرة الباكين حولي … على إخوانهم لقتلت نفسِي
_________________
(١) أخرجه ابن المقرئ في «معجمه» (٣٦٩) عن الفريابي.
(٢) (٢/ ٩٠ - ٩١).
(٣) انظر: «الاستيعاب في معرفة الصحاب» (٤/ ١٨٢٩) وما بعدها، «شرح ديوان الحماسة» (٢/ ٢٧٨)، «خزانة الأدب» (١/ ٤٣٨).
[ ٣٤ ]
فلا والله لا أنساك حتى … أفارق مهجتي ويشق رمسِي
فقد ودعت يوم فراق صخر … أبي حسان لذاتي وأنسِي
فيا لهفي عليه ولهف أمي … أيصبح في الضريح وفيه يمسي؟! (^١)
ثامنًا: ينبغي أن يُعلم أنه ما سلم أحد من المصائب، حتى الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكما قيل:
ولو كانت الدنيا تدوم لأهلها … لكان رسول الله حيًّا مخلدَا (^٢)
بل لم يسلم الوحوش في القفار، والأسود في الغابات، والحيتان في أعماق البحار، وكما قيل:
هي الليالي وقاك الله صولتها … تصول حتى على الآساد في الأجمِ (^٣)
وقد روي أن الإسكندر المقدوني ويقال: ذا القرنين. لما حضرته الوفاة أمر أمه أن تصنع طعامًا إذا مات وتدعو له جميع الناس، وأن تكتب على الباب أنه لا يأتي إليها إلا من لم يصب بمصيبة قط، ففعلت ذلك، فلم يأتها أحد، فقالت: لِمَ لَمْ يأتِ إليَّ أحد؟ فقيل لها: إنك كتبت أنه لا يأتي إليك إلا مَن لم يُصَبْ بمصيبة قط، وما من أحد إلا وقد أصيب بمصيبة، فعلمت السر في وصية ابنها لها بذلك وقالت: «لقد عزيتني عن نفسك بنفسك» (^٤).
_________________
(١) انظر: «ديوان الخنساء» ص (٨٤).
(٢) البيت ينسب لحسان. انظر: «الكشكول» (١/ ٢٨٩) وليس في ديوانه.
(٣) البيت لأبي عبد الله العربي العقيلي. انظر: «نفح الطيب» (٤/ ٥٢٩).
(٤) انظر: «العقد الفريد» (٣/ ٢٣٣)، «المستطرف» (٢/ ٥٨٧)، «مروج الذهب» (١/ ٢٩٢)، «مختار الحكم» ص (٢٣٩)، وانظر: «تاريخ دمشق» (١٧/ ٣٥٨)، «التبصرة» لابن الجوزي (١/ ١٧٣).
[ ٣٥ ]