فضل العفو والصفح
العفو: التجاوز، وترك المؤاخذة على الذنب، وأعلى درجاته «الصفح»، وهو الإعراض عما حصل كليةً، وترك اللوم والتثريب.
والعفو من أفضل الصفات وأعظمها وأجلها وأكملها، وصف الله -﷿- به نفسه في آيات كثيرة، وقرنه في عدد منها بالمغفرة؛ ليبين أن عفوه -﷿- مقرون بالستر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [الحج: ٦٠، والمجادلة: ٢].
كما قرنه -﷿- بالقدرة؛ ليبين أن عفوه -﷿- مقرون بالقدرة التامة على العقوبة، لا عن عجز، فقال تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩].
وقرنه -﷿- بالتوبة؛ ليبين أن عفوه -﷿- مقرون بالتوبة على من تاب من عباده، فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: ٢٥].
وبيَّن -﷿- عفوه سبحانه عن كثير من كسب العباد مما يستحقون عليه العقوبة، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٤].
وأمر -﷿- به رسوله -ﷺ- فقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].
وأمر -﷿- به المؤمنين، فقال تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩].
[ ٧٢ ]
وقرنه -﷿- بصفات المسارعين إلى مغفرته -﷿- وجنته، المتقين المنفقين، الكاظمين الغيظ، المحسنين، الذين يحبهم الله -﷿-، فقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣، ١٣٤].
وقرنه -﷿- بالإصلاح، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠].
وجعله -﷿- من الصبر الذي هو شطر الإيمان، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦].
وهو من صفات المصطفى -ﷺ-، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ [التحريم: ٣]؛ أي: عفا وتغافل عن بعضٍ صلواتُ الله وسلامُه عليه.
ولهذا كان -ﷺ- يقول: «اللهم اغفِرْ لقومي فإنهم لا يعلمون» (^١)، وفي المغفرة عفو وسَتر.
ولما سأله مَلَكُ الجبال أن يُطبِق عليهم الأَخْشَبَيْنِ، قال: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم مَن يَعبُدُ الله وحدَه، لا يشرك به شيئًا» (^٢)
ولما دخل مكة فاتحًا عفا -ﷺ- عن قريش.
وعفا عن غَوْرَث بن الحارث الذي استلَّ سيفه من الشجرة وأراد قتله (^٣).
ونزل عليه -ﷺ- ثمانون رجلًا من التنعيم يريدون قتله، فعفا عنهم لَما قَدَرَ عليهم (^٤).
وقد تكفل -﷿- بأجر من عفا وأصلح، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾
_________________
(١) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٤٧٧)، وفي استتابة المرتدين (٦٩٢٩)، ومسلم في الجهاد والسير (١٧٩٢)، وابن ماجه في الفتن (٤٠٢٥)، وأحمد ١/ ٣٨٠ (٣٦١١) من حديث عبد الله بن مسعود -﵁-.
(٢) أخرجه البخاري في بدء الخلق (٣٢٣١)، ومسلم في الجهاد والسير (١٧٩٥) من حديث عائشة -﵂-.
(٣) أخرجه البخاري في الجهاد والسير (٢٩١٠)، وفي المغازي (٤١٣٥، ٤١٣٦، ٤١٣٩)، ومسلم في صلاة المسافرين (٨٤٣)، وأبو داود في الطهارة (١٩٨)، وأحمد ٣/ ٣٦٤ (١٤٩٢٨) من حديث جابر -﵁-.
(٤) أخرجه مسلم في الجهاد والسير (١٨٠٨)، وأحمد ٣/ ١٢٢ (١٢٢٢٧) من حديث أنس -﵁-.
[ ٧٣ ]
[الشورى: ٤٠]، فلا أحد يقدِّر قدْر أجره إلا مَن تكفل به، وهو الله -﷿-، كما قال تعالى في الصوم: «الصوم لي وأنا أَجْزي به» (^١).
وامتدح -﷿- من صبر وغفر بأنه من أهل عزائم الأمور، فقال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]؛ وذلك لأنه جمع بين الصبر والعفو والستر.
ورغَّب -﷿- بالعفو، وبيَّن أنه أقرب للتقوى، فقال -﷿-: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧].
ورتَّب -﷿- على العفو والصفح المغفرة والرحمة، فقال تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التغابن: ١٤].
ورغَّب -﷿- بدفع السيئة بالحسنة مبينًا أثرها العظيم في جعل العدو صديقًا، وأنه لا يلقاها إلا أهل الصبر والحظ العظيم، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٤، ٣٥].
وقال -ﷺ-: «ما نَقَصَ مالٌ من صدقة، وما زاد اللهُ عبدًا بعفوٍ إلا عِزًّا، وما تواضع أحدٌ لله إلا رَفَعَه الله» (^٢).
وعن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا كان يومُ القيامة نادى منادٍ يقول: أين العافون عن الناس؟ هلُمُّوا إلى ربكم وخُذوا أجورَكم، وحقٌّ على كل امرئٍ عفا أن يدخلَ
_________________
(١) أخرجه مالك في الصيام (١/ ٣١٠)، والبخاري في الصوم (١٩٠٤)، وفي التوحيد (٧٤٩٢)، ومسلم في الصيام (١١٥١)، والنسائي في الصيام (٢٢١٦ - ٢٢١٨)، والترمذي في الصوم (٧٦٤)، وابن ماجه في الصيام (١٦٣٨)، والدارمي ٢/ ٤٠ (١٧٧٠)، وأحمد ٢/ ٢٥٧ (٧٤٩٤) من حديث أبي هريرة -﵁-. وأخرجه النسائي في الموضع السابق (٢٢١١) من حديث علي -﵁-. وفي (٢٢١٢) من حديث ابن مسعود -﵁-. وفي (٢٢١٣) من حديث أبي سعيد -﵁-.
(٢) أخرجه مسلم في البر والصلة (٢٥٨٨)، والترمذي في البر والصلة (٢٠٢٩)، وأحمد ٢/ ٢٣٥ (٧٢٠٦)، والدارمي ١/ ٤٨٦ (١٦٧٦) من حديث أبي هريرة -﵁-.
[ ٧٤ ]
الجنة» (^١).
وعن عقبة بن عامر -﵁- قال: قلت: يا رسولَ الله، أخبِرني بفواضل الأعمال، قال: «يا عقبةُ، صِلْ مَن قطعك، وأعطِ مَن حرَمك، وأعرِضْ عمن ظَلَمك» (^٢).
وفي الأثر: «من ترك شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه» (^٣).
قال الشاعر:
لما عفوتُ ولم أحقِدْ على أحدٍ … أرحتُ نفسيَ من همِّ العَداواتِ (^٤)
فيا سعادة من وفقه الله تعالى للعفو والصفح والتسامح، فقضى حياته سليم القلب، منشرح الصدر، حسن المعشر، مرتاح البال.
ويا بشارته في الآخرة بما تكفل الله -﷿- به من الفوز العظيم، والثواب الجزيل، والأجر الكريم لمن عفا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠].
فليجعل كلٌّ منا العفو والصفح والتسامح ديدنه وشعاره، وليحذر كل الحذر من نزغات الشيطان، ومن النفس الأمَّارة بالسوء، ومن الحرج، وضيق الخلق، ومن فظاظة القلب وقساوته؛ فإن أبعد الناس من الله -﷿- القلب القاسي.
وليسأل كلٌّ منا ربه على الدوام أن يجازيَه عما له من حقوق على إخوانه المسلمين من
_________________
(١) أخرجه ابن شاهين في «الترغيب في فضائل الأعمال» (٥١٩)، وأبو الشيخ في «الثواب» كما في «الجامع الكبير» للسيوطي (٢٧٠١)، و«كنز العمال» للمتقي الهندي (٧٠١٥).
(٢) أخرجه أحمد ٤/ ١٤٨، ١٥٨ (١٧٣٣٤، ١٧٤٥٢)، والطبراني في «الكبير» ١٧/ ٢٦٩ - ٢٧٠ (٧٣٩، ٧٤٠). قال الهيثمي في «المجمع» (٨/ ١٨٨): «رواه أحمد والطبراني، وأحد إسنادي أحمد رجاله ثقات». وصححه الألباني في «الصحيحة» (٨٩١).
(٣) أخرجه نعيم بن حماد في روايته «الزهد والرقائق» لابن المبارك (٢/ ١٠) عن أُبَيٍّ -﵁- بلفظ: «ما ترك عبد شيئًا لا يتركه إلا لله إلا آتاه الله مما هو خير منه من حيث لا يحتسب». قال العجلوني في «كشف الخفاء» (٢٤٢٨): «قال في «الدرر»: «رواه أحمد [٥/ ٧٨، ٧٩ (٢٠٧٣٩، ٢٠٧٤٦)] عن بعض أصحابه مرفوعًا بلفظ: «إنك لا تدع شيئًا اتقاء لله؛ إلا أعطاك خيرًا منه».
(٤) البيت للشافعي. انظر: «روض الأخيار، المنتخب من ربيع الأبرار» ص (١٧٧).
[ ٧٥ ]
قريب أو بعيد، وأن يعفو عنهم، كما يسأل ربه أن يجازيَ مِن فضلِه -﷿- مَن لهم عليه حقوقٌ، وأن يعفو عنه ويتجاوز، ففضله -﷿- واسع، وعفوه عظيم.
وشتان شتان بين من يَرِد غدًا على أكرم الأكرمين، وأجود الأجودين، ذي الفضل العظيم، فيوفيه أجره بغير حساب، وبين من يرد على الناس الضعفاء الفقراء المساكين من أقاربه وجيرانه وإخوانه المسلمين؛ ليقتص منهم، وربما اقتص من أقرب الأقربين إليه؛ من أمه وأبيه، وزوجه وولده وغيرهم، بسبب حرجه وشح نفسه.
فارفع رأسك أخي الكريم وأختي الكريمة، بطلب معالي الأمور، واجعل العفو والصفح والتسامح ديدنك؛ ابتغاء ما عند الله تعالى، تُوفَّق في دينك وتسعد في دنياك، وتجني بذلك عند لقاء الله عظيم الأجور.
على قدْرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ … وتأتي على قدْرِ الكرامِ المكارمُ
وتكبُر في عينِ الصغيرِ صِغارُها … وتصغُر في عين العظيم العظائمُ (^١)