بيان وجوب صلاة الجماعة
صلاة الجماعة في المساجد مع المسلمين بالنسبة للرجال واجبة، بل إنها من أوجب واجبات الصلاة، وآكدها، بل ذهب بعض العلماء إلى أن الجماعة شرط لصحة الصلاة (^١)، فإن تركها من غير عذرٍ لم تُقبَلْ صلاتُه.
وقد دل الكتاب والسنة القولية، والفعلية الثابتة عن النبي -ﷺ-، والإجماع على وجوبها (^٢).
ومن الأدلة على ذلك:
١ قوله تعالى مخاطبًا نبيه -ﷺ-: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢].
فأمر -﷿- نبيه -ﷺ- في حال الحرب والخوف أن يصلي بأصحابه جماعة، ولو كانت صلاة الجماعة غير واجبة لكان لهم مندوحة أن يصلوا فُرادَى في هذه الحال.
_________________
(١) انظر: «المحلى» (٤/ ٢٦٥)، و«المجموع» (٤/ ٧٧)، و«مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٣/ ٣٣٣)، و«كتاب الصلاة» لابن القيم (ص ٤٦٠)، و«طبقات الشافعية» للسبكي (٣/ ١٩٩)، و«صلاة الجماعة» للسدلان (٦٤ - ٦٥).
(٢) انظر: «الصلاة وحكم تاركها» لابن القيم (ص ٨٢، ٨٣).
[ ٩٠ ]
قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -﵀- (^١): «فأوجب سبحانه أداء الصلاة في الجماعة في حال الحرب، فكيف بحال السِّلم؟! ولو كان أحد يُسامَحُ في ترك الصلاة في جماعة، لكان المُصافُّون للعدو، والمهدَّدون بهجومه عليهم، أولى بأن يُسمَحَ لهم في ترك الجماعة، فلما لم يقع ذلك عُلم أن أداء الصلاة في جماعةٍ من أهم الواجبات، وأنه لا يجوز لأحدٍ التخلف عن ذلك».
٢ قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، والأمر للوجوب. قال ابن باز -﵀- (^٢): «وهذه الآية الكريمة نصٌّ في وجوب صلاة الجماعة، والمشاركة للمصلين في صلاتهم، ولو كان المقصود إقامتها فقط لم تظهر مناسبة واضحة في ختم الآية بقوله سبحانه: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾؛ لكونه قد أمر بإقامتها في أول الآية».
٣ قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، والأمر هنا كذلك للوجوب.
٤ قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم: ٤١، ٤٢].
قال ابن القيم (^٣): «ووجه الاستدلال بها أنه سبحانه عاقَبَهم يوم القيامة بأن حالَ بينهم وبين السجود، لمَّا دعاهم إلى السجود في الدنيا فأبَوا أن يجيبوا الداعيَ، إذا ثبت هذا فإجابة الداعي هي إتيان المسجد بحضور الجماعة، لا فِعلُها في بيته وحده، فهكذا فسر النبي -ﷺ- الإجابة. وقد قال غير واحد من السلف في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾، قال: هو قول المؤذن: «حيَّ على الصلاة، حي على الفلاح».
٥ وعن أبي هريرة -﵁-، أن رجلًا أعمى أتي النبي -ﷺ-، فقال: يا رسول الله، إنه ليس لي قائد يلائمني إلى المسجد، فهل لي رخصةٌ أن أصليَ في بيتي؟ فقال له النبي
_________________
(١) في كتابه: «رسالتان في الصلاة» (ص ١٣).
(٢) في كتابه: «رسالتان في الصلاة» (ص ١٣).
(٣) في كتاب: «الصلاة وحكم تاركها» (ص ٧٢ - ٧٣).
[ ٩١ ]
-ﷺ-: «هل تسمَع النداء بالصلاة؟» قال: نعم. قال: «فأجب» (^١). وفي رواية: «لا أجد لك رخصةً» (^٢).
٦ وعن أبي هريرة -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «والذي نفسي بيدِه لقد هَمَمْتُ أن آمُرَ بحَطَبٍ فيُحطب، ثم آمُر بالصلاة فيؤذَّن لها، ثم آمُر رجلًا فيؤم الناس، ثم أُخالف إلى رجالٍ فأحرِّق عليهم بيوتَهم، والذي نفسي بيدِه لو يعلم أحدُهم أنه يجد عَرْقًا سمينًا، أو مِرماتَينِ (^٣) حسنتين، لشهِد العشاء» (^٤). وفي رواية: « ثم أنطلق برجالٍ معهم حُزَمٌ من حطبٍ إلى قومٍ لا يشهدون الصلاة، فأحرِّق عليهم بيوتهم» (^٥).
٧ أن ترك صلاة الجماعة، والتساهل فيها من صفات المنافقين، كما قال تعالى في وصفهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢].
وعن أبي هريرة -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إن أثقلَ صلاةٍ على المنافقين صلاةُ العشاء، وصلاةُ الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتَوْهُما ولو حَبْوًا، ولقد هممتُ أن آمُر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجالٍ معهم حُزَمٌ من حَطَبٍ إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرِّق عليهم بيوتَهم بالنار» (^٦).
_________________
(١) أخرجه مسلم في المساجد ومواضع الصلاة (٦٥٣)، والنسائي في الإمامة (٨٥٠).
(٢) أخرجها أبو داود في الصلاة (٥٥٢)، والحاكم (١/ ٢٤٧) وسكت عنها، من حديث ابن أم مكتوم -﵁-. وصححها الألباني في «صحيح أبي داود» (٥٦١).
(٣) العَرق: العظم الذي أُخذ منه معظم اللحم، والمِرماة: ظِلف الشاة، وقيل: ما بين ظلفيها. وهذا كناية عن قوة همتهم في طلب الدنيا، دون ما عند الله من الأجر والثواب.
(٤) أخرجه مالك في صلاة الجماعة (١/ ١٢٩)، والبخاري في الأذان (٦٤٤)، والنسائي في الإمامة (٨٤٨)، والدارمي في الصلاة ١/ ٢٩٨ (١٢١٢)، وأحمد ٢/ ٢٤٤ (٧٣٢٨).
(٥) أخرجها مسلم في المساجد ومواضع الصلاة (٦٥١)، وأبو داود في الصلاة (٥٤٨)، وابن ماجه في المساجد والجماعات (٧٩١)، وأحمد ٢/ ٤٢٤ (٩٤٨٦).
(٦) أخرجه البخاري في الأذان (٦٥٧)، ومسلم في المساجد (٦٥١)، وابن ماجه في المساجد والجماعات (٧٩٧)، وأحمد ٢/ ٤٢٤ (٩٤٨٦).
[ ٩٢ ]
وعلامات المنافقين لا تكون إلا بترك واجب، أو ارتكاب محرَّم.
وعن عبد الله بن مسعود -﵁-، قال: «لقد رأيُتنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافقٌ عُلم نفاقُه، أو مريض، وإن كان المريض ليمشيَ بين الرجلينِ حتى يأتيَ الصلاة» (^١).
٨ وعن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: «مَن سرَّه أن يَلقَى الله غدًا مسلمًا، فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث يُنادَى بهن، فإن الله شرع لنبيكم -ﷺ- سُنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلِّف في بيته، لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجلٍ يتطهر فيُحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجدٍ من هذه المساجد، إلا كتب الله له بكل خطوةٍ يخطوها حسنةً، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئةً، ولقد رأيتُنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلومُ النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادى بين الرجلين حتى يُقامَ في الصف» (^٢).
وعنه -﵁- قال: «إن رسول الله -ﷺ- علمنا سنن الهدى، وإن من سنن الهدى الصلاةَ في المسجد الذي يؤذَّن فيه» (^٣).
٩ وعن أبي سعيد الخدري -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا كانوا ثلاثةً فليؤمَّهم أحدُهم» (^٤).
١٠ وعن أبي الدرداء -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «ما من ثلاثة نَفَرٍ في قرية، ولا بدو، لا يُؤذَّن، ولا تقام فيهم الصلاة، إلا قد استحوذ عليهم الشيطانُ، فعليك بالجماعة،
_________________
(١) أخرجه مسلم في المساجد ومواضع الصلاة (٦٥٤)، وأبو داود في الصلاة (٥٥٠)، والنسائي في الإمامة (٨٤٩)، وابن ماجه في المساجد والجماعات (٧٧٧)، وأحمد ١/ ٤١٤ (٣٩٣٦).
(٢) أخرجه مسلم في المساجد ومواضع الصلاة (٦٥٤)، وأبو داود في الصلاة (٥٥٠)، والنسائي في الإمامة (٨٤٩)، وابن ماجه في المساجد والجماعات (٧٧٧)، وأحمد ١/ ٣٨٢ (٣٦٢٣).
(٣) أخرجه مسلم في المساجد ومواضع الصلاة (٦٥٤).
(٤) أخرجه مسلم في المساجد ومواضع الصلاة (٦٧٢)، والنسائي في الإمامة (٧٨٢، ٨٤٠)، وأحمد ٣/ ٢٤ (١١١٩٠).
[ ٩٣ ]
فإنما يأكل الذئبُ من الغنمِ القاصيةَ» (^١).
١١ وعن مالكِ بنِ الحُويرث -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال لهم: «ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم، وعلموهم، ومروهم، فإذا حَضَرتِ الصلاةُ فليؤذنْ لكم أحدكم، ثم لْيؤمَّكم أكبرُكم» (^٢).
١٢ وعن ابن عباس -﵄-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «من سمع النداء فلم يأتِهِ فلا صلاة له إلا مِن عُذر» (^٣). قال الترمذي (^٤): «وقد رُوي عن غير واحد من أصحاب النبي -ﷺ- أنهم قالوا: من سمع النداء، فلم يجب، فلا صلاة له. وقال بعض أهل العلم: هذا على التغليظ والتشديد، ولا رخصةَ لأحدٍ في ترك الجماعة إلا من عذرٍ».
١٣ وعن أُبي بن كعب -﵁-، قال: صلى بنا رسول الله -ﷺ- يومًا الصبح، فقال: «أشاهدٌ فلان؟» قالوا: لا. قال: «أشاهدٌ فلان؟» قالوا: لا. قال: «إن هاتين الصلاتين أثقلُ الصلوات على المنافقين، ولو تَعلَمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حَبْوًا على الرُّكب …» (^٥).
_________________
(١) أخرجه أحمد ٥/ ١٩٦ (٢١٧١٠)، والحاكم (١/ ٢١١) من طريق زائدة بن قدامة عن السائب بن حبيش الكَلَاعي عن معدان بن أبي طلحة اليعمري عن أبي الدرداء. قال الحاكم: «هذا حديث صدوق رواته، شاهد لما تقدمه، متفَق على الاحتجاج برواته إلا السائب بن حبيش، وقد عُرف من مذهب زائدة أنه لا يحدث إلا عن الثقات». وحسن الألباني إسناده في «الثمر المستطاب» (١/ ١١٧).
(٢) أخرجه البخاري في الأذان (٦٢٨، ٦٣١)، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة (٦٧٤)، والنسائي في الأذان (٦٣٥)، وأحمد ٣/ ٤٣٦ (١٥٥٩٨).
(٣) أخرجه أبو داود في الصلاة (٥٥١)، وابن ماجه في المساجد والجماعات (٧٩٣)، والدارقطني (١/ ٤٢٠)، وابن حبان ٥/ ٤١٥ (٢٠٦٤)، والحاكم (١/ ٢٤٥)، والبيهقي (٣/ ٧٥، ١٨٥). قال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين». ووافقه الذهبي، قال الألباني في «الإرواء» (١/ ٢٤٥): «وهو كما قالا». وضعف إسناد أبي داود في «ضعيف أبي داود» (٥٦٠)، و«الإرواء» (٥٥١).
(٤) في كتاب الصلاة، ما جاء فيمن يسمع النداء ولا يجيب، بعد حديث (٢١٧).
(٥) أخرجه أبو داود في الصلاة (٥٥٤)، والنسائي في الإمامة (٨٤٣)، وأحمد ٥/ ١٤٠ (٢١٢٦٥)، والدارمي ١/ ٣٢٦ (١٢٦٩)، وابن حبان ٥/ ٤٠٥ (٢٠٥٦). وحسنه الألباني في «صحيح أبي داود» (٥٦٣)، و«التعليقات الحسان» (٢٠٥٤).
[ ٩٤ ]
وهذا يدل على وجوب الصلاة جماعةً من وجهين؛ الأول: تفقده -ﷺ- للمصلين، والثاني: وصفه المتخلفين عن الصلاة جماعةً بالمنافقين.
١٤ وعن مجاهد، قال: سئل ابن عباس -﵄- عن رجلٍ يصوم النهار، ويقوم الليل، ولا يشهد جمعةً ولا جماعة، فقال: «هو في النار» (^١).
١٥ أن النبي -ﷺ- طول حياته داوم على صلاة الجماعة، وحافظ عليها، ولم يتركها لا حَضَرًا ولا سَفَرًا، وكان -ﷺ- يكون في حاجة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة (^٢).
وهكذا كان الصحابة -﵃- من بعده، والتابعون، وتابعوهم، وهم القرون المفضَّلة، كما قال -ﷺ-: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (^٣).
١٦ أن الله -﷿- قد أذِن وأمر برفع المساجد، ببنائها وتشييدها حسيًّا، ورفعها بعمارتها معنويًّا بالصلاة، وذِكر الله تعالى فيها، فقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ﴾ [النور ٣٦، ٣٧].
فلو كانت صلاة الجماعة غير واجبة، لما أمر ببناء المساجد، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة: ١٨].
فامتدح -﷿- عُمَّار المساجد بحصر الإيمان بالله، واليوم الآخر، وإقام الصلاة، وإيتاء
_________________
(١) أخرجه الترمذي في الصلاة (٢١٨)، وعبد الرزاق في «المصنف» ١/ ٥١٩ (١٩٨٩، ١٩٩٠)، وابن أبي شيبة في «المصنف» ٣/ ١٩٩ (٣٤٩٤)، ٤/ ١٧١ (٥٥٨٣). وقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه عليه: «هذا إسناد صحيح، وهذا الحديث وإن كان موقوفًا ظاهرًا على ابن عباس، إلا أنه مرفوع حكمًا؛ لأن مثل هذا مما لا يُعلم بالرأي، وليس من القصص ينقل عن أهل الكتاب وغيرهم، ولا يجزم ابن عباس في رجل يصوم النهار ويقوم الليل بأنه في النار إلا عن خبر عنده عن رسول الله -ﷺ- إن شاء الله».
(٢) أخرجه البخاري (٦٧٦)، وأحمد في مسنده (٢٤٢٢٦).
(٣) أخرجه البخاري في الشهادات (٢٦٥٢)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٥٣٣)، والترمذي في المناقب (٣٨٥٩)، وابن ماجه في الأحكام (٢٣٦٢) من حديث عبد الله بن مسعود -﵁-. وأخرجه البخاري في الشهادات (٢٦٥١)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٥٣٥)، وأبو داود في السنة (٤٦٥٧)، والنسائي في الأيمان والنذور (٣٨٠٩)، والترمذي في الفتن (٢٢٢١) من حديث عمران بن حصين -﵁-.
[ ٩٥ ]
الزكاة، وخشية الله تعالى فيهم، وهذا يدل على عِظم أمر صلاة الجماعة، ووجوبها؛ ولهذا قال -ﷺ-: «من بنى لله مسجدًا يبتغي به وجه الله، بنى الله له مثله في الجنة» (^١).
١٧ إجماع الصحابة رضوان الله عليهم على وجوب صلاة الجماعة (^٢).
قال ابن هُبَيرة (^٣): «وأجمعوا على أن صلاة الجماعة مشروعة، وأنه يجب إظهارها في الناس، فإن امتنع من ذلك أهل بلد قُوتلوا عليها».
إلى غير ذلك من الأدلة الكثيرة الدالة على وجوب صلاة الجماعة، وأنها فرض عين.
وإنك لتعجب أن يذهب بعض أهل العلم -﵏- إلى خلاف ذلك مع كثرة أدلة وجوبها، ووضوحها، لكن العبرة بالدليل، واتباع الحق، لا بقول أحد غير النبي -ﷺ- من الخلق.
والحقيقة أنه ليس لدى القائلين بعدم وجوب صلاة الجماعة أي دليل؛ لا من الكتاب، ولا من السنة، ولا غير ذلك؛ لأن غاية ما استدلوا به على عدم وجوبها الأحاديث الواردة في المفاضلة بين صلاة الجماعة وصلاة الفَذِّ (^٤)، كما في حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب -﵄-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «صلاة الجماعة تَفضُلُ على صلاة الفذ بسبعٍ وعشرين درجة» (^٥).
وعن أبي سعيد الخدري -﵁-، أنه سمع رسول الله -ﷺ-، يقول: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة» (^٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري في الصلاة (٤٥٠)، ومسلم في المساجد (٥٣٣)، والترمذي في الصلاة (٣١٨)، وابن ماجه في المساجد والجماعات (٧٣٦) من حديث عثمان -﵁-. وأخرجه أحمد ١/ ٢٤١ (٢١٥٧) من حديث ابن عباس -﵄-. وأخرجه ابن ماجه في المساجد والجماعات (٧٣٨) من حديث جابر بن عبد الله -﵄-.
(٢) انظر كتاب: «الصلاة وحكم تاركها» لابن القيم ص (٨٢ - ٨٣).
(٣) في «الإفصاح عن معاني الصحاح» (١/ ١٤٢).
(٤) انظر: «معالم السنن» للخطابي (١/ ١٦٠).
(٥) أخرجه مالك في صلاة الجماعة (١/ ١٢٩)، والبخاري في الأذان (٦٤٥)، ومسلم في المساجد (٦٥٠)، والنسائي في الإمامة (٨٣٧)، وأحمد ٢/ ٦٥ (٥٣٣٢).
(٦) أخرجه البخاري (٦٤٦)، وأحمد ٢/ ٥٢٥ (١٠٧٩٨).
[ ٩٦ ]
وعن أبي هريرة -﵁-، عن النبي -ﷺ-: «تفضُل صلاةٌ في الجميع على صلاة الرجل وحده خمسًا وعشرين درجةً» (^١).
وأحاديث المفاضلة لا حجة فيها على عدم وجوب صلاة الجماعة؛ لأن المفاضلة بين صلاة الجماعة وصلاة الفذ لا تدل على عدم وجوب صلاة الجماعة، كيف وقد فاضل الله -﷿- بين الإيمان أوجب الواجبات، وبين الكفر، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف: ١٠، ١١]، أفيقول قائل: إن الإيمان ليس بواجب؛ لأن الله فاضل بينه وبين الكفر؟ لا أحد يقول هذا.
كما أن المفاضلة قد ترِد بين أمرين ليس في أحدهما شيء من الفضل، كما في قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]، ففاضل -﷿- بين مستقر أهل الجنة ومَقِيلهم، وبين مستقر أهل النار ومقيلهم، مع أنه لا شيء من الفضل البتة في مستقر أهل النار ومقيلهم.
وهكذا نص كثير من السلف، والعلماء المحققين على أن صلاة الجماعة فرض واجب على الأعيان. قال عطاء بن أبي رباح -﵀-: «فحق واجب لا بد منه، ولا يحل غيره إذا سمع الأذان أن يأتي ويشهد الصلاة» (^٢).
وقال ابن قُدامة -﵀-: «وهي- أي: صلاة الجماعة- واجبة للصلوات الخمس على الرجال» (^٣).
وقال ابن القيم -﵀- (^٤): «ومن تأمَّل السنة حق التأمل تبين له أن فعلها في المساجد فرض على الأعيان إلا لعارض يجوز معه ترك الجمعة والجماعة، فترك حضور المسجد
_________________
(١) أخرجه مالك في صلاة الجماعة (١/ ١٢٩)، والبخاري في الصلاة (٤٧٧)، وفي الأذان (٦٤٨)، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة (٦٤٩)، وأبو داود في الصلاة (٥٥٩)، والنسائي في الصلاة (٤٨٦)، والترمذي في الصلاة (٢١٦)، وأحمد ٢/ ٢٣٣ (٧١٨٥).
(٢) «مختصر الفتاوى المصرية» (ص ٥٠).
(٣) «المقنع» ١/ ١٩٣.
(٤) في كتاب: «الصلاة وحكم تاركها» صـ ٨٩.
[ ٩٧ ]
لغير عذر كترك أصل الجماعة لغير عذر، وبهذا تتفق جميع الأحاديث والآثار، فالذي ندين الله به أنه لا يجوز لأحد التخلف عن الجماعة إلا من عذر».
وقال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -﵀- (^١): «والأحاديث الدالة على وجوب الصلاة في الجماعة، وعلى وجوب إقامتها في بيوت الله التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه كثيرة جدًّا، فالواجب على كل مسلم العناية بهذا الأمر، والمبادرة إليه، والتواصي به مع أبنائه وأهل بيته وجيرانه وسائر إخوانه المسلمين؛ امتثالًا لأمر الله ورسوله، وحذرًا مما نهى الله عنه ورسوله، وابتعادًا عن مشابهة أهل النفاق الذين وصفهم الله بصفات ذميمة، من أخبثها تكاسلهم عن الصلاة، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢، ١٤٣]، ولأن التخلف عن أدائها في الجماعة من أعظم أسباب تركها بالكلية. ومعلوم أن ترك الصلاة كفر وضلال وخروج عن دائرة الإسلام».
وقال أيضًا: «ولا يخفى ما في صلاة الجماعة من الفوائد الكثيرة، والمصالح الجمّة، ومن أوضح ذلك التعارف، والتعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق والصبر عليه، وتشجيع المتخلف، وتعليم الجاهل، وإغاظة أهل النفاق، والبعد عن سبيلهم، وإظهار شعائر الله بين عباده، والدعوة إليه سبحانه بالقول والعمل، إلى غير ذلك من الفوائد».
وقال فضيلة الشيخ صالح السدلان -﵀- (^٢) بعد أن ذكر عددًا من الأدلة من القرآن الكريم، والسنة النبوية الدالة على وجوب صلاة الجماعة: «قال ابن القيم في كتابه: «الصلاة»: فدلت هذه النصوص السالفة الذكر من القرآن الكريم والسنة النبوية على وجوب صلاة الجماعة، وأنه لا يجوز التخلف عنها، إلا لعذر كالمرض أو الخوف،
_________________
(١) في كتابه «رسالتان في الصلاة». صـ ١٥ - ١٦، وانظر: «مجموع فتاوى» ابن باز ١٢/ ١٨، ٣٨.
(٢) في كتابه: «صلاة الجماعة؛ حكمها وأحكامها» صـ ٧١ - ٧٢، وانظر كتاب: «الصلاة وحكم تاركها» لابن القيم صـ ٧٠ - ٧١.
[ ٩٨ ]
وبهذا قال جمهور العلماء من الصحابة والتابعين، وهو ظاهر مذهب الإمام أحمد، وبه قال الشافعي، وقد أُثر عنه أنه قال: «وأما الجماعة فلا أُرَخِّص في تركها إلا من عذر» نقل ذلك عنه المُزَنِيُّ -﵀-».
قال الشيخ صالح بعد هذا: «ويتبين مما تقدم أن الأئمة الأربعة -﵏- اتفقوا على وجوب صلاة الجماعة، وأن تاركها بدون عذر آثم، وإن اختلفت عباراتهم.
ويشهد لذلك كلام الله -﷾-، وسنة رسوله -ﷺ-، ولا كلام لأحدٍ مع كلام الله تعالى، وسنة رسوله -ﷺ- الثابتة عنه -﵊-».
وقال الشيخ صالح أيضًا (^١) - بعد أن ذكر القول بأن صلاة الجماعة فرض، ومن قال به وأدلتهم، وعباراتهم-: «وعلى هذا لو تركها المسلم بدون عذر يأثم، وصلاته صحيحة؛ استدلالًا بالنصوص الواردة من القرآن والسنة».
وقال أيضًا (^٢) - بعد أن ذكر الأقوال في حكم صلاة الجماعة، وذكر من قال بذلك من المتقدمين والمتأخرين، وفصَّل أقوالهم وأدلتهم-: «يتضح والله أعلم أن أقرب الأقوال إلى الصواب القول الرابع، وهو: أن صلاة الجماعة فرض عين؛ أي: واجبة على الأعيان؛ وذلك لقوة أدلة هذا القول وصراحتها، وإعمال النصوص من القرآن الكريم والسنة النبوية».