التنبيه على أمور تتعلق بالجنائز:
هناك أمور كثيرة مما يتعلق بالجنائز ينبغي التنبيه لها، ومراعاتها، منها ما يلي:
١ عدم تأخير الصلاة على الميت ودفنه لغير حاجةٍ؛ لأن في ذلك تعديًا على حقه، وتأخيرًا له عن الوصول إلى ما عند الله تعالى له من الخير، قال -ﷺ-: «أسرعوا بالجنازة؛ فإنْ تكُ صالحةً فخيرٌ تقدِّمونها إليه، وإن تكن غير ذلك فشرٌّ تَضَعُونه عن رِقابِكم» (^٢).
وعن أبي هريرة -﵁-: أن رجلًا أسودَ- أوِ امرأةً سوداءَ- كان يَقُمُّ المسجدَ، فمات، فسأل النبي -ﷺ- عنه، فقالوا: مات. قال: «أفلا آذَنْتُمُوني به، دُلُّوني على قبرِه» أو قال: «قبرِها» فأتى قبرَها فصلى عليها (^٣).
وفي بعض الروايات: قالوا: «إنه كان ليلًا» (^٤)؛ أي: أنه توفي ليلًا. وفي بعضها: «فكرِهنا أن نُوقِظَك».
_________________
(١) انظر: «أحكام الجنائز وبدعها» للألباني -﵀- ص ٣٠٣ - ٣٣٦.
(٢) أخرجه البخاري في الجنائز (١٣١٥)، ومسلم في الجنائز (٩٤٤)، وأبو داود في الجنائز (٣١٨١)، والنسائي في الجنائز (١٩١٠، ١٩١١)، والترمذي في الجنائز (١٠١٥)، وابن ماجه في الجنائز (١٤٧٧) من حديث أبي هريرة -﵁-.
(٣) أخرجه البخاري في الصلاة (٤٥٨)، وفي الجنائز (١٣٣٧)، ومسلم في الجنائز (٩٥٦)، وأبو داود في (الجنائز ٣٢٠٣)، وابن ماجه في الجنائز (١٥٢٧).
(٤) أخرجها أحمد ٢/ ٣٨٨ (٩٠٣٧).
[ ٣٧ ]
فلم ينتظر الصحابة رضوان الله عليهم استيقاظَه -ﷺ- ليصليَ عليها معهم، ولم ينكر -ﷺ- ذلك عليهم، وإنما قال لهم: «أفلا آذنتموني»؟ أي: أخبرتموني، فبيَّنوا له سبب ذلك، وهو أن ذلك كان ليلًا.
ولهذا لا ينبغي أن تؤخَّر الصلاةُ على الميت ودفنُه انتظارًا لمن كان بعيدًا أو مسافرًا من أقاربه أو معارفه وأصدقائه، أو لأجل حشد أكبر عددٍ من المصلين، ونحو ذلك، إلا في حدود وقت كافٍ لتجهيزه وتغسيله وتكفينه، وحفر قبره، أو انتظار وقت صلاةٍ قريبٍ، ونحوِ ذلك، كما قال الفقهاء -﵏-.
٢ استبدال الكتابة للناس في وسائل الاتصال بأن العزاء في المقبرة بغيرها، كأن يكتب للناس: ليس هناك جلوس في البيت للتعزية، ونحو ذلك؛ لأن التعزية ليس لها مكان محدود ولا وقت محدود. قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -﵀-: «ليس للعزاء أيام محدودة، بل يُشرع من حين خروج الروح، قبل الصلاة على الميت وبعدها، وليس لغايته حد في الشرع المطهر، سواء كان ذلك ليلًا أو نهارًا، وسواء كان ذلك في البيت أو الطريق، أو المسجد، أو في المقبرة، أو في غير ذلك من الأماكن» (^١).
٣ ينبغي لكل من دخل المقبرة من المشيِّعين وغيرهم الحرص على السلام على الأموات، والدعاء لهم، وعدم نسيان ذلك.
٤ ينبغي لأهل الميت ومَن شيَّعه معهم تقديمُ دفنِه، والدعاء له بعد ذلك بالمغفرة والثبات، وعدم الانشغال عن ذلك بالتعزية؛ لأن دفنه والدعاء له بعد الدفن من حقه عليهم، وهو أولى وآكد، ويفوت وقته بخلاف التعزية.
عن عثمان بن عفان -﵁- قال: كان النبي -ﷺ- إذا فرَغ من دفن الميت وقف عليه، فقال: «استغفِرُوا لأخيكم، وسَلُوا له التثبيتَ؛ فإنه الآنَ يُسأل» (^٢).
_________________
(١) «فتاوى اللجنة الدائمة وسماحة الشيخ ابن باز» رقم (٧٤٠٨).
(٢) أخرجه أبو داود في الجنائز (٣٢٢١) من حديث عثمان -﵁-. قال النووي في «الخلاصة» (٢/ ١٠٢٨): «رواه أبو داود بإسناد حسن». وقال الألباني في «أحكام الجنائز» ص (١٥٦): «أخرجه أبو داود والحاكم (١/ ٣٧٠)، والبيهقي (٤/ ٥٦) وعبد الله بن أحمد في «زوائد الزهد» ص (١٢٩). وقال الحاكم: «صحيح الإسناد». ووافقه الذهبي، وهو كما قالا».
[ ٣٨ ]
٥ التعزية إنما تكون لأهل الميت وأقاربه، ومَن أُصيب وتأثر بموته، لا لكل مَن شيع الجنازة وحضرها.
٦ يُستحسن ممن ليس لديه القدرة على الصبر والتحمل، ومقابلة المعزين، من أقارب الميت، ويُخشى أن يتأثر أو يتضرر: عدم الجلوس للتعزية، ولا يُلزَم بذلك؛ لأن التعزية إنما شُرعت للمواساة، وتخفيف المصاب، والدعاء للميت، وهي في الأصل سُنة، فإذا ترتب عليها ضرر، وجب تركها.
٧ اعتاد الناس في المدن والبلدان الكبيرة الصلاة في وقت واحد على عدة أموات، ووصيتي لكل مَن شيعهم وحضر دفنهم ألا يغادرَ المقبرة حتى يدعو لهم جميعًا بالمغفرة والثبات، فإن تمكن من الوقوف عند قبر كل واحدٍ منهم والدعاء له فحسَن، وإلا عمَّ بالدعاء لهم جميعًا. ولا يكتفي بالدعاء فقط لميته، كما هو حال كثير من الناس اليوم.
٨ رغَّب النبي -ﷺ- في الصلاة على الجنائز واتباعها، فقال -ﷺ-: «من شهد الجنازة حتى يصليَ فله قِيراط، ومن شهِدها حتى تُدفَنَ له قيراطان» (^١).
وهذا فضل عظيم ينبغي للمسلم أن يحرص ألا يفوته هذا الأجر، إذا قدَر على ذلك دون تعطيل سائر أعماله، والتخلي عما عليه من حقوق قد يكون بعضها لله -﷿-، أو لوالديه وأهله وأولاده، وأقاربه وجيرانه وإخوانه، أو للأمة عامة؛ لأن هناك أناسًا فرغوا أنفسهم للصلاة على الجنائز واتباعها، فجلسوا ينتظرون الجنائز، وفرطوا في كثيرٍ من الحقوق المذكورة وغيرها.
وهذا أمر لم يفعله الرسول -ﷺ-، ولا القرون المفضلة من الصحابة والتابعين وتابعيهم، ولا مَن بعدهم مِن خيرة هذه الأمة، وقد وصل الحال ببعض من ذُكر أنه يمر على الجنائز في بعض المساجد فيصلي عليها بمفرده قبل صلاة الناس عليها
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٣٢٥)، ومسلم (٩٤٥)، وأحمد في «مسنده» ٢/ ٢ (٤٤٥٣).
[ ٣٩ ]
ليدرك الصلاة على الجنائز في المساجد الأخرى، وربما فاتته صلاة الجماعة بسبب ذلك، وهذا أمر لا ينبغي ولا يجوز، والصلاة على الجنائز مهما كثُرت لا تعوِّض فوات هذه الحقوق.
٩ يتعاطف بعض أقارب الميت وأصدقائه ومعارفه معه فيقوم بعضهم بجمع التبرعات لأجل الصدقة عنه، أو الوقف له. وهذا العمل لم يُنقل عن الرسول -ﷺ-، ولا عن خلفائه وأصحابه، والقرون المفضلة، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه. مع ما فيه من مجاملة البعض، وإحراجهم، والميت في غنًى عن هذا، ولو كان حيًّا ما رضي بذلك، فينبغي تركه.
١٠ يتوسع أقارب بعض الأموات في الثناء عليهم بعد موتهم، وإطرائهم، وامتداح سيرتهم، وتَعداد أعمالهم الخيرية، والمبالغة في ذلك، ويُخشى أن يدخل ذلك في باب النعي المذموم، فالأولى الحرص بدلًا من ذلك على ما ينفع الميت، وهو الدعاء له بالمغفرة والرحمة ونحو ذلك.