بيان مكانة الصلاة في الإسلام، وفي سائر الشرائع
للصلاة مكانة عظيمة، ومنزلة كبيرة في الإسلام، وفي سائر الشرائع، فهي عماد الدين، وأعظم مستلزمات الإيمان في الشرائع كلها؛ لهذا جاء الأمر بها، والترغيب فيها، والحث على إقامتها في الشرائع السابقة على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام.
قال إبراهيم -﵇-: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٤٠].
وقال تعالى عن إسماعيل -﵇-: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٥].
وقال تعالى مخاطبًا نبيه موسى -﵇-: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤].
وقالت الملائكة -﵈- لمريم -﵍-: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣].
وقال عيسى -﵇-: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١].
_________________
(١) ص ٥.
[ ٤٩ ]
وشأن الصلاة في الإسلام أعظم وأعظم، ومنزلتها فيه أهم، ومكانتها فيه أكبر؛ حيث «فرضها الله -﷿- على رسوله -ﷺ- بدون واسطة، من فوق سبع سموات، ليلة أُسرِيَ به -ﷺ- إلى بيت المقدس، وعُرِجَ به إلى السماء» (^١).
وهي أول فرائض الإسلام، وأعظمها، وثاني أركانه بعد الشهادتين، وهي عمود الإسلام، وأجلُّ مبانيه العِظام، وركنه الرَّكين الذي لا يقوم بدونه، وقُطب رَحاه الذي يدور عليه.
عن معاذ بن جبل -﵁- قال: قال رسول -ﷺ-: «رأسُ الأمرِ الإسلامُ، وعمودُه الصلاةُ، وذِروة سَنامِه الجهادُ» (^٢).
قال الإمام أحمد -﵀- (^٣): «ألستَ تعلم أن الفُسطاط إذا سقط عموده سقط الفسطاط، ولم ينتفع بالطُّنُب، ولا بالأوتاد؟ فكذلك الصلاة من الإسلام».
وهي أعظم العبادات، وأجلها، وأوجبها، وآكدها، وأفضل الذكر، وجماع الخيرات، وشعار التمسك بالقرآن، والصلاح، والإصلاح. قال الله تعالى مخاطبًا لنبيه موسى -﵇-: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤].
وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٣]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠].
وقال -ﷺ-: «استقيموا، ولن تُحْصُوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاةُ، ولا يحافظ على
_________________
(١) أخرجه البخاري في التوحيد (٧٥١٧)، ومسلم في الإيمان (١٦٢)، والنسائي في الصلاة (٤٥٠)، وابن ماجه في إقامة الصلاة، والسنة فيها (١٣٩٩)، وأحمد ٢/ ١٤٨ - ١٤٩ (١٢٥٠٥) من حديث أنس بن مالك -﵁-.
(٢) أخرجه الترمذي في الإيمان (٢٦١٦)، وابن ماجه في الفتن (٣٩٧٣)، وأحمد ٥/ ٢٣١ (٢٢٠١٦). قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح». وصححه الألباني في «الصحيحة» (٣٢٨٤)، وفي «الإرواء» (٤١٣).
(٣) في «رسالة الصلاة» ص ١٦ فقرة (٢٠).
[ ٥٠ ]
الوضوء إلا مؤمنٌ» (^١).
وهي آخر ما يُفقد من الدين، فهي أول الإسلام وآخره، قال -ﷺ-: «أولُ ما تَفقِدون من دِينِكُمُ الأمانةُ، وآخرُ ما تفقدون من دينكم الصلاةُ» (^٢).
قال الإمام أحمد -﵀- (^٣): «فصلاتنا آخرُ دِيننا، وهي أول ما نُسأل عنه غدًا من أعمالنا، فليس بعد ذهاب الصلاةِ إسلامٌ ولا دين، فإذا صارت الصلاة آخرَ ما يذهب من الإسلام، فكل شيءٍ يذهب آخِرُه فقد ذهب جميعُه، فتمسكوا رحمكم الله بآخرِ دِينكم».
عظَّم الله -﷿- شأنها، فأوجب التطهر لها من الحدث الأصغر والأكبر، ومن النجاسات، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، وقال -ﷺ-: «لا يَقبَلُ الله صلاةً بغيرِ طهورٍ» (^٤).
وجعلها -﷿- من أجلِّ صفات المؤمنين والمتقين في مواضعَ كثيرةٍ من كتابه المبين، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [الأنعام: ٩٢]، وقال
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في الطهارة وسننها (٢٧٧)، وأحمد ٥/ ٢٧٦ - ٢٧٧ (٢٢٣٧٨) من حديث ثوبان -﵁-. وأخرجه ابن ماجه في الموضع السابق (٢٧٨) من حديث عبد الله بن عمرو -﵄-. وصححه الألباني في «الإرواء» (٤١٢).
(٢) أخرجه الخرائطي في «مكارم الأخلاق» (١٧١)، وابن الجارود في «المنتقى» (٧٧)، وتمام الرازي في «الفوائد» ١/ ٨٤ (١٩١)، والضياء في «المختارة» (١/ ٤٩٥) من حديث أنس -﵁-. وحسنه الألباني في «الصحيحة» (١٧٣٩).
(٣) في «رسالة الصلاة» ص ١٧، فقرة (٢١).
(٤) أخرجه مسلم في الطهارة (٢٢٤)، والترمذي في الطهارة (١)، وابن ماجه في الطهارة (٢٧٢) من حديث ابن عمر -﵄-. وأخرجه أبو داود في الطهارة (٥٩)، والنسائي في الطهارة (١٣٩) من حديث أبي المَليح، عن أبيه أسامة بن عمير الهُذَلي -﵁-. وأخرجه ابن ماجه في الطهارة وسننها (٢٧٣) من حديث أنس -﵁-، (٢٧٤) من حديث أبي بكرة -﵁-.
[ ٥١ ]
تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٩]، وفي المعارج: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [الآية: ٣٤].
وهي الصلة بين العبد وبين ربه؛ ولهذا فإنها لا تسقُط بحالٍ من الأحوال، ما دام العقل موجودًا، لا في حال الخوف، ولا في حال المرض، أو غير ذلك، قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]؛ أي: فصلوا رجالًا أو ركبانًا.
وقال -ﷺ- لعِمرانَ بنِ حُصَينٍ -﵁-: «صلِّ قائمًا، فإنْ لم تستطِعْ فقاعدًا، فإنْ لم تَستطِعْ فعلى جَنْبٍ» (^١).
وقال أبو بكر -﵁-: «واعلَموا أن لله عملًا في الليل لا يَقبَلُه في النهار، وعملًا في النهار لا يقبله في الليل» (^٢).
قال ابن تيميَّةَ -﵀- بعد ذكره قول أبي بكر -﵁-: «وأما عمل النهار الذي لا يقبله بالليل، وعمل الليل الذي لا يقبله بالنهار، فهما صلاة الظهر والعصر، لا يحِل للإنسان أن يؤخِّرَهما إلى الليل» (^٣).
وقال أيضًا: «وبالجملة، فليس لأحدٍ قطُّ شُغلٌ يُسقِطُ عنه فعلَ الصلاة في وقتها، بحيث يؤخر صلاةَ النهار إلى الليل، وصلاةَ الليل إلى النهار، بل لا بد من فِعلِها في الوقت» (^٤).
وبقية أركان الإسلام بعد الشهادتينِ قد تسقط، فالزكاة تسقط عمن لا مال عنده، والصوم يسقط عمن لا يستطيعه؛ لمرضٍ، أو كِبَر، أو غير ذلك، والحج يسقط عمن لا يستطيع إليه سبيلًا؛ ولهذا كانت الصلاة عمادَ الدين، وعموده؛ لأنها تقوم مقام جميع
_________________
(١) أخرجه البخاري في الجمعة (١١١٧)، وأبو داود في الصلاة (٩٥٢)، والنسائي في قيام الليل (١٦٦٠)، والترمذي في الصلاة (٣٧٢)، وابن ماجه في إقامة الصلاة (١٢٢٣)، وأحمد ٤/ ٤٢٦ (١٩٨١٩) من حديث عمران بن حُصين -﵁-.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنَّفه» ١٩/ ١٣٤ (٣٥٥٧٤)، وعمر بن شبة في «تاريخ المدينة» (٢/ ٦٧٢)، والآجُرِّيُّ في «الشريعة» ٤/ ١٧٣٩ (١٢٠٢). وانظر: «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٣٨ - ٤٠).
(٣) «الفتاوى الكبرى» (٢/ ١٧).
(٤) «الفتاوى الكبرى» (٢/ ١٦).
[ ٥٢ ]
الأركان عند سقوطها، ما عدا الشهادتين.
قال الإمام أحمد -﵀- (^١): «فالصلاة خطرها عظيم، وأمرها جسيم، وبالصلاة أمَر الله -﵎- رسولَه أول ما أَوحى إليه بالنبوة، قبل كل عمل، وقبل كل فريضة، وبالصلاة أوصى النبي -ﷺ- عند خروجه من الدنيا، قال: «اللهَ، اللهَ في الصلاة، وفيما مَلَكَتْ أيمانُكم» (^٢) في آخر وصيته إياهم.
وجاء الحديث أنها آخر وصية كل نبيٍّ لأُمته، وآخر عهده إليهم عند خروجه من الدنيا، وجاء في حديث آخر عن النبي -ﷺ- أنه كان يَجُودُ بنفسه ويقول: «الصلاةَ، الصلاةَ، الصلاةَ» (^٣).
فالصلاة أول فريضة فُرضت عليه، وهي آخر ما وصى به أمته، وآخر ما يذهب من الإسلام، وهي أول ما يُسأل عنه العبد من عمله يوم القيامة، وهي عمود الإسلام، وليس بعد ذهابها إسلام ولادين».
وقال ابن القيم -﵀- في «مفتاح دار السعادة» (^٤) في فضل الصلاة، وعِظم منزلتها: «فالصلاة قد وُضعت على أكمل الوجوه وأحسنها، التي تعبَّد الخالق -﵎- عباده؛ من تضمنها للتعظيم له، بأنواع الجوارح؛ من نطق اللسان، وعمل اليدين والرجلين، والرأس، وحواسه، وسائر أجزاء البدن، كلٌّ يأخذ حظه من الحكمة في هذه العبادة العظيمة المقدار، مع أخذ الحواسِّ الباطنة بخِطامها، وقيام القلب بواجب عبوديته فيها، فهي مشتمِلة على الثناء والمدح، والتحميد، والتسبيح، والتكبير، وشهادة الحق، والقيام بين يديِ الرب مقام العبد الذليل، الخاضع المدبَّر المربوب، ثم التذلُّل له في هذا المقام، والتضرع، والتقرب إليه بكلامه …».
ثم ذكر تذلُّلَه وخشوعه له -﷿- في كل أحوال الصلاة، في ركوعه، ورفعه، وسجوده، واستوائه، وجلوسه، وتشهده، وثنائه على ربه، وسلامه على نبيه، وعلى عباده الصالحين، وصلاته على رسوله، ثم سؤاله ربه من خيره، وبره، وفضله، ثم قال: «فأيُّ
_________________
(١) في «رسالة الصلاة» ص (٢٢)، فقرة (٢٤).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) سبق تخريجه قريبًا.
(٤) / ٦، الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ، ١٩٩٤ م.
[ ٥٣ ]
شيءٍ بعد هذه العبادة من الحُسن؟ وأي كمال فوق هذا الكمال؟ وأي عبوديةٍ أشرف من هذه العبودية؟!».
وقال فضيلة الشيخ صالح السدلان -﵀- (^١): «نعم، إن الصلاة رأس الإسلام، وعموده، وهي الصلة بين العبد العارف لعبوديته، الناصح لنفسه، وبين ربه الذي يربِّيه ويربي جميع العالمين بنعمه وفضله، وهي آية محبة العبد لربه، وتقديره لنعمه، وشكره لفضله وإحسانه، وهي الفارق الحقيقي بين المؤمن والكافر، نعم، إن من ضيع الصلاة فهو لغيرها أضيع، وانقطعت كل صلة له بالله تعالى، ورأس العبادة وأهمها الصلاة؛ فهي إحدى فرائض الدين، وأركان الشريعة، ونظام شمل الإسلام، وهي الركن الثاني الذي يحقق الركن الأول: «شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله» شعوريًّا وعمليًّا، وكل الإسلام بعد ذلك يأتي أثرًا عنها، ومن أجل هذا كان خير ما يفعله المسلم، وأعظم ما يقربه إلى الله الصلاة».