الإخبار بوقوع الفتن وخطرها على الدين وشدتها،
وكثرتها في آخر الزمان، ووجوب اتقائها، والحذر منها،
والتعوذ بالله منها
قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٢٥].
وعن الزُّبير بن العوام -﵁- قال: إنَّا قرأنا على رسول الله -ﷺ-، وأبي بكر، وعمر، وعثمان -﵃-: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ لم نكن نحسب أنَّا أهلها حتى وقعت منا حيث وقعت (^٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم في الإمارة (١٨٤٤)، وأبو داود في الفتن والملاحم (٤٢٤٨)، والنسائي في البيعة (٤١٩١)، وابن ماجه في الفتن (٣٩٥٦).
(٢) أخرجه أحمد ١/ ١٦٥ (١٤١٤). قال الهيثمي في «المجمع» (٧/ ٢٧): «رواه أحمد بإسنادين، رجال أحدهما رجال الصحيح».
[ ٢١٠ ]
وعن حذيفة بن اليمان -﵁- قال: كان الناس يسألون رسول الله -ﷺ- عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافةَ أن يدركَني، فقلت: يا رسول الله، كنا في جاهليةٍ وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: «نعم». قلتُ: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: «نعم، وفيه دخَن». قلت: وما دخنُه؟ قال: «قوم يَستنُّون بغير سُنتي، ويَهدون بغير هَدْيِي، تعرف منهم وتنكر». فقلت: وهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: «نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها». قلت: يا رسول الله، صفهم لنا. قال: «هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا». قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم». قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفِرَق كلها، ولو أن تعَضَّ بأصل شجرةٍ حتى يدركَك الموتُ وأنت على ذلك» (^١).
وعن العِرباض بن سارية -﵁- قال: وعَظَنا رسول الله -ﷺ- موعظةً وجِلت منها القلوب، وذَرَفتْ منها العيون، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودِّعٍ فأوصنا. قال: «أوصيكم بتقوى الله -﷿-، والسمع والطاعة، وإن تأمَّر عليكم عبد، فإنه مَن يعِش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسُنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدَثاتِ الأمور؛ فإن كلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة» (^٢).
وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لا تقوم الساعة حتى يُقبض العلم، وتكثُر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهَرْجُ- وهو القتل القتل- حتى يكثر فيكم المال فيفيض» (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في المناقب (٣٦٠٦)، ومسلم في الإمارة (١٨٤٧)، وأبو داود في الملاحم (٤٢٤٤).
(٢) أخرجه أبو داود في السنة (٤٦٠٧)، والترمذي في العلم (٢٦٧٦)، وابن ماجه في المقدمة (٤٣)، وأحمد ٤/ ١٢٦ (١٧١٤٢). قال الترمذي: «حديث حسن صحيح». وصححه الألباني في «الصحيحة» (٩٣٧، ٢٧٣٥).
(٣) أخرجه البخاري في الاستسقاء (١٠٣٦)، وأحمد ٢/ ٥٣٠ (١٠٨٦٣).
[ ٢١١ ]
وعن أسامة بن زيد -﵄- قال: أشرف النبي -ﷺ- على أُطُمٍ من آطام المدينة، فقال: «هل تَرَون ما أرى؟»، قالوا: لا. قال: «فإني لأرى مواقع الفتن خِلالَ بيوتكم كمواقع القَطْر» (^١).
وعن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنمًا يتبع بها شَعَفَ الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن» (^٢).
وعن حذيفة -﵁- قال: والله إني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة، وما بي إلا أن يكون رسول الله أسرَّ إليَّ في ذلك شيئًا لم يحدثه غيري، ولكن رسول الله -ﷺ- قال وهو يحدث مجلسًا أنا فيه عن الفتن، فقال رسول الله -ﷺ- وهو يَعُد الفتن: «منهن ثلاث لا يكدن يذرنَ شيئًا، ومنهن فتن كرياح الصيف، منها صغار، ومنها كبار» قال حذيفة: فذهب أولئك الرهط كلهم غيري (^٣).
وعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «بادروا بالأعمال فِتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا، ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا، ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرَضٍ من الدنيا قليل» (^٤).
وعن كُرْز الخزاعي -﵁- قال: قال رجل: يا رسول الله، هل للإسلام من منتهى؟ قال: «نعم، أيما أهل بيت من العرب أو العجم أراد الله بهم خيرًا أدخل عليهم الإسلام». قال: ثم مَهْ؟ قال: «ثم تقع الفتن كأنها الظُّلَل». قال: كلا والله إن شاء الله. قال: «بلى والذي نفسي بيده، ثم تعودون فيها أساود صُبًّا، يضرب بعضكم رقاب بعض، وأفضل الناس يومئذ مؤمن معتزل في شِعب من الشِّعاب يتقي ربه -﵎-، ويدع الناس من شره». قال
_________________
(١) أخرجه البخاري في فضائل المدينة (١٨٧٨)، وفي المظالم والغصب (٢٤٦٧)، ومسلم في الفتن (٢٨٨٥)، وأحمد ٥/ ٢٠٠ (٢١٧٤٨).
(٢) أخرجه مالك في الاستئذان (٢/ ٩٧٠)، والبخاري في الإيمان (١٩)، وأبو داود في الفتن والملاحم (٤٢٦٧)، والنسائي في الإيمان وشرائعه (٥٠٣٦)، وابن ماجه في الفتن (٣٩٨٠)، وأحمد ٣/ ٣٠ (١١٢٥٤).
(٣) أخرجه مسلم في الفتن وأشراط الساعة (٢٨٩١)، وأحمد ٥/ ٤٠٧ (٢٣٤٦٠).
(٤) أخرجه مسلم في الإيمان (١١٨)، والترمذي في الفتن (٢١٩٥)، وأحمد ٢/ ٣٠٣ (٨٠٣٠).
[ ٢١٢ ]
سفيان: أساود صبًّا: الحية السوداء تنصب؛ أي: ترتفع (^١).
وعن عوف بن مالك -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة، وسبعون في النار، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، والذي نفس محمد بيده لَتفترِقَنَّ أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة في الجنة، وثنتان وسبعون في النار»، قيل: يا رسول الله، من هم؟ قال: «الجماعة» (^٢).
وفي حديث أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لَتتبعُنَّ سَنَنَ من كان قبلكم شبرًا شبرًا، وذِراعًا بذراعٍ، حتى لو دخلوا جُحْرَ ضَبٍّ تبِعتموهم»، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمَن؟!» (^٣).
إلى غير ذلك من الأحاديث والأخبار في الفتن التي يشيب من هولها الوليد، فتن كالظُّلَل، وكقِطَع الليل المظلم، تموج كموج البحر، ويرقق بعضها بعضًا، يكثُر فيها التفرق والاختلاف، ويلتبس فيها الحق بالباطل، يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعَرَض من الدنيا قليل، فتن تذهب بعقول الرجال، وتدع الحليم حيرانَ، فتن لا تذر شيئًا، تُحرِق الدين والعقل والبدن، وكل خير، وتُهلِك الحرث والنسل، والرطب واليابس، وتذر الديار بلاقِعَ، وتعم الصالح والطالح، كما في حديث
_________________
(١) أخرجه أحمد ٣/ ٤٧٧ (١٥٩١٧، ١٥٩١٨)، وابن أبي شيبة في «المصنف» ٢١/ ٣٦ (٣٨٢٨١)، والحاكم (١/ ٣٤، ٤/ ٤٥٤). قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه بهذه السياقة». وصححه الألباني في «الصحيحة» (٣٠٩١).
(٢) أخرجه ابن ماجه في الفتن (٣٩٩٢). وأخرجه أبو داود في السنة (٤٥٩٦)، والترمذي في الإيمان (٢٦٤٠)، وابن ماجه في الموضع السابق (٣٩٩١)، وأحمد ٢/ ٣٣٢ (٨٣٩٦) من حديث أبي هريرة -﵁-. قال الترمذي: «حسن صحيح». وأخرجه ابن ماجه في الموضع السابق (٣٩٩٣)، وأحمد أيضًا ٣/ ١٢٠، ١٤٥ (١٢٢٠٨، ١٢٥٠١) من حديث أنس -﵁-. وصححه الألباني في «الصحيحة» (١٤٩٢).
(٣) أخرجه البخاري في الاعتصام بالكتاب والسنة (٧٣٢٠)، ومسلم في العلم (٢٦٦٩). وأخرجه الترمذي في الفتن (٢١٨٠) من حديث أبي واقد الليثي -﵁-. وأخرجه ابن ماجه في الفتن (٣٩٩٤) من حديث أبي هريرة -﵁-.
[ ٢١٣ ]
زينب بنت جحش -﵂- قالت: يا رسول الله، أنهلِك وفينا الصالحون؟! قال: «نعم، إذا كثُر الخَبَث» (^١).
ولهذا أمر الله -﷿- باتقائها، وحذر منها النبي -ﷺ- وتعوذ منها، وأمر بالحذر، والتعوذ منها قبل وقوعها، وبعد وقوعها، وهذا يوجب على المسلم الحذر كل الحذر منها، والتعوذ بالله منها، والأخذ بأسباب النجاة والعصمة منها.