فضل الحلم، وكظم الغيظ
الحِلم (^٢)؛ بكسر الحاء: ترك المعاجلة في العقوبة، والرفق والتثبت والأناة.
والغيظ: الغضب الشديد، وكظمه: حبسه، وهو من أعظم آثار الحلم.
والحلم من أفضل الصفات وأعظمها وأجلها وأكملها، وقد سمى الله -﷿- نفسه بـ (الحليم) ووصف نفسه بالحلم في آيات كثيرة من كتابه الكريم.
قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾
_________________
(١) البيتان للمتنبي، انظر: «ديوانه» (٢/ ٢٧٢).
(٢) انظر: «لسان العرب» مادة «حلم».
[ ٧٦ ]
[البقرة: ٢٦٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٢]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [المائدة: ١٠١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤، وفاطر: ٤١]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج: ٥٦]، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥١]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١٧].
فالحلم من أجل صفات الله -﷿- وأعظمها، و(الحليم) من أعظم أسمائه -﷿-؛ أي: الذي لا يعاجل من عصاه بالعقوبة.
قال ابن القيم (^١):
وهو الحليمُ فلا يُعاجِلُ عَبدَهُ … بعقوبةٍ؛ ليتوبَ مِن عِصيانِ
وقد وصَف -﷿- بالحلم خليلَه إبراهيم -﵊- فقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥].
وكان نبينا محمد -ﷺ- من أشد الناس حلمًا، كما تقدم في الكلام على صفة العفو.
فلقد لقِي من قومه من التكذيب والأذى ما لم يَلقَه نبي قبله من الأنبياء، وكان مع ذلك صلوات الله وسلامه عليه يقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون».
وأبى على مَلَك الجبال أن يُطبِق على أهل مكة الأخشَبَين، وقال: «بل أرجو أن يُخرِجَ الله من أصلابهم مَن يعبد الله وحدَه، ولا يشرك به شيئًا»، ولما دخل مكة فاتحًا عفا عن أهلها.
فالحلم وكظم الغيظ من أنبل وأجلِّ وأفضل الصفات، قال تعالى في مدح المتقين: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]؛ أي: الذين يحبسون الغيظ، وهو الغضب، كما قال تعالى في وصف المؤمنين المتوكلين: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧].
وقال -ﷺ- لأَشَجِّ عبدِ القيسِ: «إن فيك خَصلتينِ يحبهما الله: الحِلم والأناة» (^٢)؛ والأناة:
_________________
(١) «النونية» (ص ١٤٨).
(٢) أخرجه مسلم في الإيمان (١٧)، والترمذي في البر والصلة (٢٠١١) من حديث ابن عباس -﵄-. وأخرجه مسلم في الموضع السابق (١٨) من حديث أبي سعيد -﵁-.
[ ٧٧ ]
التأني في الأمور، والتثبت والرفق والتؤدة.
قال الشاعر:
الرفق يُمنٌ والأناةُ سعادةٌ (^١)
وقال رجل: يا رسول الله، أوصني، قال: «لا تغضَبْ»، قال: أوصني، قال: «لا تغضب»، قال: أوصني، قال: «لا تغضب» (^٢).
وقال -ﷺ-: «الغضب جمرةٌ من جمْر جَهنمَ يُوقِدُها الشيطانُ في قلبِ ابنِ آدمَ» (^٣).
وقال -ﷺ-: «إن الله رفيقٌ يحب الرفق في الأمر كله، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يُعطي على ما سواه» (^٤).
وقال -ﷺ-: «إن الرفق لا يكون في شيءٍ إلا زانه، ولا يُنزَع من شيءٍ إلا شانه» (^٥).
وقد قيل: «في التأني السلامَة، وفي العجلة الندامة» (^٦).
والحلم إنما يُمدح ويُستحق في مكانه المناسب؛ كما قال -ﷺ-: «ليس الشديد بالصُّرَعَة، إنما الشديد الذي يملِك نفسه عند الغضب» (^٧).
_________________
(١) انظر: «لسان العرب»، مادة «أني».
(٢) أخرجه البخاري في الأدب (٦١١٦) من حديث أبي هريرة -﵁-.
(٣) أخرجه الترمذي في الفتن (٢١٩١)، وأحمد ٣/ ١٩، ٦١ (١١١٤٣، ١١٥٨٧) من حديث أبي سعيد الخدري -﵁- بلفظ: «الغضب جمرة توقد في جوف ابن آدم». قال الترمذي: «حديث حسن صحيح».
(٤) أخرجه البخاري في الاستئذان (٦٢٥٦)، ومسلم في البر (٢٥٩٣)، وابن ماجه في الأدب (٣٦٨٩) من حديث عائشة -﵂-. وأخرجه أبو داود في الأدب (٤٨٠٧)، وأحمد ٤/ ٨٧ (١٦٨٠٢) من حديث عبد الله بن مغفَّل -﵁-. وأخرجه مالك في الاستئذان (٢/ ٩٧٩) من حديث خالد بن معدان -﵁-. وأخرجه ابن ماجه في الموضع السابق (٣٦٨٨) من حديث أبي هريرة -﵁-.
(٥) أخرجه مسلم في البر (٢٥٩٤)، وأبو داود في الجهاد (٢٤٧٨)، من حديث عائشة -﵂-.
(٦) انظر: «فتح ذي الجلال والإكرام، بشرح بلوغ المرام» للشيخ ابن عثيمين (٦/ ٤١١)، و«معجم اللغة العربية المعاصرة» للدكتور أحمد مختار عمر (٢/ ١٠٥٩).
(٧) أخرجه مالك في حسن الخلق (٢/ ٩٠٦)، والبخاري في الأدب (٦١١٤)، ومسلم في البر والصلة (٢٦٠٩)، وأحمد ٢/ ٢٣٦ (٧٢١٩) من حديث أبي هريرة -﵁-.
[ ٧٨ ]
ورأى -ﷺ- رجلًا قد انتفخت أوداجه من شدة الغضب، فقال -ﷺ-: «إني أعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» (^١).
قال النابغة الجَعْدِيُّ (^٢):
ولا خيرَ في حلمٍ إذا لم تكنْ له … بوادرُ تَحمي صفوَه أنْ يُكَدَّرَا
ولا خيرَ في جهلٍ إذا لم يكن له … حَليمٌ إذا ما أوردَ الأمرَ أَصْدَرَا
وقال الآخر:
حليمٌ إذا ما الحلمُ زيَّنَ أهلَه … معَ الحلمِ في عينِ العدوِّ مَهيبُ (^٣)
فلنأخذ بالحلم والعفو فعاقبتهما الحسنى، والأجر العظيم والنجاة، ولنحذرْ كل الحذر من الغيظ والغضب، فعاقبتهما الندامة، والإثم الكبير، والهلاك.
_________________
(١) أخرجه البخاري في بدء الخلق (٣٢٨٢)، ومسلم في البر والصلة والآداب (٢٦١٠) من حديث سليمان بن صُرَد -﵁-. وأخرجه أبو داود في الأدب (٤٧٨٠)، والترمذي في الدعوات (٣٤٥٢) من حديث معاذ بن جبل -﵁-.
(٢) انظر: «ديوانه» ص (٦٩)، و«الشعر والشعراء» لابن قتيبة (١/ ٢٨٠).
(٣) البيت لمحمد بن كعب الغنوي. انظر: «جمهرة أشعار العرب» (ص ٥٦٠)، أو لكعب بن سعد. انظر: «ديوان المعاني» (٢/ ١٧٨).
[ ٧٩ ]