ذكر آداب صلاة الجماعة، والأسباب المعينة على المحافظة عليها
لصلاة الجماعة آداب كثيرة، وأسباب تعين على إقامتها، كما شرع الله -﷿-.
ومن أهمها ما يلي:
_________________
(١) في كتابه: «صلاة الجماعة؛ حكمها وأحكامها» (ص ٦٧).
(٢) (ص ٧٢).
[ ٩٩ ]
١ التفرغ التام للصلاة إذا حضر وقتها بالقلب، والبدن، والحزم كل الحزم في ذلك، والحذر كل الحذر من المشاغل والقواطع. ولنعلم أن الظبي أسرع من الكلب، لكنه إذا التفت إلى الكلب لحِق به وأدركه فأمسكه، وهكذا الإنسان إذا التفت بعد دخول وقت الصلاة إلى المشاغل والقواطع؛ من عمل، أو إكمال جلسة، أو قهوة، أو أي شاغل، قطعه ذلك عن الصلاة، ففاتته كلها أو بعضها، فما بعد الأذان إلا المبادرة إلى الصلاة. فينبغي التهيؤ للصلاة، وتحريها قبل دخول وقتها، والتفرغ التام لها بعد دخول وقتها؛ بدءًا من متابعة المؤذن، والذكر، والدعاء، مع الأذان وبعده، والوضوء … إلخ.
والحاجات لا تنتهي، ولا تنقضي، وقد أحسن القائل:
تموت مع المرءِ حاجاتُهُ
وتبقَى له حاجةٌ ما بَقِيْ
نروحُ ونغدو لحاجاتنا
وحاجاتُ من عاش لا تنقضِي
٢ الحرص على التبكير إلى المساجد، والمنافسة في ذلك.
قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد: ٢١]، وقال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]، وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة ١٠ - ١٢]، وقال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦].
وقال -ﷺ-: «ألا أُخبركم بما يمحو الله به الخطايا، ويرفَع به الدرجاتِ؟ إسباغُ الوضوء على المَكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرِّباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط» (^١).
_________________
(١) أخرجه مالك في قصر الصلاة في السفر (١/ ١٦١)، ومسلم في الطهارة (٢٥١)، والنسائي (١٤٣)، والترمذي في الطهارة (٥١)، وابن ماجه في الطهارة وسننها (٤٢٨)، وأحمد ٢/ ٢٣٥ (٧٢٠٩) من حديث أبي هريرة -﵁-.
[ ١٠٠ ]
وفي حديث السبعة الذين يُظِلهم الله في ظله، قال -ﷺ-: «ورجل قلبه معلَّق بالمساجد» (^١).
وعن أبي هريرة -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «من تطهر في بيته، ثم مشى إلى بيتٍ من بيوت الله، ليقضيَ فريضةً من فرائض الله، كانت خُطواته إحداهما تَحُطُّ خطيئةً، والأخرى ترفع درجة» (^٢).
وعن بُريدة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «بشِّر المشائين في الظُّلَمِ إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة» (^٣).
قال سعيد بن المسيَّب -﵀-: «منذ أربعين سنةً ما سمِعت الأذان إلا وأنا في المسجد، وما رأيتُ ظهر مصلٍّ» يعني: أنه دائمًا في الصف الأول، قال: «وما خرجت من بيتي فقابلني الناس خارجين من الصلاة» (^٤).
قال فضيلة الشيخ صالح السدلان، -﵀- (^٥): «وحبُّ الصلاة، والمسارعة إليها، على أكمل الوجوه، وإتمامها ظاهرًا وباطنًا، هي الآية على قدْر ما في القلب من حب الله، والشوق إلى لقائه.
والإعراض عنها، والتكاسل والتباطؤ عن تلبية داعيها، والتثاقل في القيام إليها، أو أداؤها على انفراد في غير المسجد مع جماعة المسلمين، من غير عذر، آية فراغ القلب من محبة الله، والزهد فيما عنده، قال الحسن البصري -﵀- في قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]، قال: «عطلوا
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأذان (٦٦٠)، ومسلم في الزكاة (١٠٣١) من حديث أبي هريرة -﵁-.
(٢) أخرجه مسلم في المساجد ومواضع الصلاة (٦٦٦).
(٣) أخرجه أبو داود في الصلاة (٥٦١)، والترمذي في الصلاة (٢٢٣). قال الترمذي: «هذا حديث غريب». وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٥٧٠). وأخرجه ابن ماجه في المساجد والجماعات (٧٨١) من حديث أنس -﵁-.
(٤) انظر: «حلية الأولياء» (٢/ ١٦٣)، و«شعب الإيمان» (٤/ ٣٧٠).
(٥) في مقدمة كتابه: «صلاة الجماعة حكمها وأحكامها» صـ ٩ - ١٠.
[ ١٠١ ]
المساجد، واشتغلوا بالبضائع، والأسباب، وأخلدوا إلى اللَّذَّات والمعاصي، نعوذ بالله من ذلك» (^١).
٣ أن يتوضأ، ويحسن الوضوء، ويخرج إلى الصلاة على أحسن حال، وأجمل هيئة، وأطيب رائحة، نظيفًا، متجملًا، متطيبًا، متسوكًا، متزينًا بأحسن لباس.
قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١].
ولما قال رجل للنبي -ﷺ-: «إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنًا؛ قال -ﷺ-: «إن الله جميل يحب الجمال» (^٢).
وكثير من الناس لا يبالي بأي لباس جاء به إلى الصلاة، وبأي مظهر كان عليه، وهو يقف بين يدي ربه -﷿- فيناجيه، ولو ذهب لأدنى مناسبة أو لمقابلة الآخرين، أو خرج إلى السوق، لبِس أجمل ثيابه، واهتم بمظهره؛ خوفًا أن ينتقده الناس، فأين التعظيم لله -﷿-؟!
وشتان بين صلاة يتهيأ لها صاحبها، ويأتي إليها على أجمل وأحسن هيئة، وبين صلاة يأتي إليها بقميص النوم، ونحو ذلك!
٤ أن يجتنب الروائح الكريهة، والخبيثة؛ من الثُّوم، والبصل، والكراث، والدخَان، ورائحة عرق الجسم؛ بسبب قلة الاغتسال، ونحو ذلك.
عن جابر -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «من أكل ثُومًا أو بصلًا فلْيعتزِلْنا، وليعتزِلْ مَسجدَنا، ولْيقعد في بيته» (^٣).
٥ أن يتجنب الأمور التي تتنافى مع آداب الصلاة؛ من تشبيك الأصابع، والهرولة، وسرعة المشي، وكثرة الالتفات يمينًا وشمالًا، ورفع الصوت، ونحو ذلك.
_________________
(١) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» ١١/ ١٢٣.
(٢) أخرجه مسلم في الإيمان (٩١)، والترمذي في البر والصلة (١٩٩٩)، وأحمد ١/ ٣٩٩ (٣٧٨٩) من حديث عبد الله بن مسعود -﵁-.
(٣) أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة (٨٥٥)، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة (٥٦٤)، وأبو داود في الأطعمة (٣٨٢٢)، وأحمد ٣/ ٤٠٠ (١٥٢٩٩).
[ ١٠٢ ]
عن كَعْب بن عُجرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا توضأ أحدكم، فأحسنَ وُضوءَه، ثم خرج عامدًا إلى المسجد، فلا يُشبكن بين أصابعه؛ فإنه في صلاة» (^١).
وعن أبي هريرة -﵁-، أن النبي -ﷺ- قال: «إذا أُقيمتِ الصلاة فلا تأتوها تَسعَون، وأْتوها تمشُون وعليكمُ السكينةُ، فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فأتِموا» (^٢).
٦ أن يحافظ على الأدب والدعاء عند الخروج من البيت، فيقدم رجله اليمنى في الخروج ويدعو بما ورد.
عن أنس -﵁-، أن النبي -ﷺ- قال: «إذا خرج الرجل من بيته، فقال: باسم الله، توكلتُ على الله، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله، يقال حينئذ: هُديتَ، وكُفيتَ، ووُقيت. فتتنحى عنه الشياطين، فيقول له شيطان آخرُ: كيف لك برجلٍ قد هُدي، وكُفي، ووُقي» (^٣).
وعن أم سَلَمة -﵂-، أن النبي كان إذا خرج من بيتها، قال: «باسمِ الله، توكلتُ على الله، اللهم إني أعوذُ بك أن أَضِلَّ أو أُضَلَّ، أو أَزِلَّ أو أُزَلَّ، أو أَظلِمَ أو أُظلَمَ، أو أَجهَلَ أو يُجهَلَ عليَّ» (^٤).
٧ أن يستشعر وهو مُقبِل إلى المسجد أنه مقبل على الله، وقاصد بيتًا من بيوت الله -﷿-، وإذا دخل المسجد أنه في بيت من بيوت الله، وذلك بلزوم السكينة، والوقار،
_________________
(١) أخرجه الترمذي في الصلاة (٣٨٦)، والدارمي ١/ ٣٨١ (١٤٠٤). وصححه الألباني في «الصحيحة» (١٢٩٤).
(٢) أخرجه مالك في الصلاة (١/ ٦٨)، والبخاري في الأذان (٦٣٦)، وفي الجمعة (٩٠٨)، ومسلم في المساجد (٦٠٢)، وأبو داود في الصلاة (٥٧٢)، والنسائي في الإمامة (٨٦١)، والترمذي في الصلاة (٣٢٧)، وابن ماجه في المساجد (٧٧٥).
(٣) أخرجه أبو داود في الأدب (٥٠٩٥)، والترمذي في الدعوات (٣٤٢٦). قال الترمذي: «حسن غريب». وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٤٩٩).
(٤) أخرجه أبو داود في الأدب (٥٠٩٤)، والترمذي في الدعوات (٣٤٢٧)، وأحمد ٦/ ٣٠٦ (٢٦٦١٦). قال الترمذي: «حديث حسن صحيح». وصححه الألباني في «الصحيحة» (٣١٦٣)، و«مشكاة المصابيح» (٢٤٤٢).
[ ١٠٣ ]
والخضوع والخشوع. قال الإمام أحمد -﵀- (^١): «ويُستحب للرجل إذا أقبل إلى المسجد أن يُقبِلَ بخوف ووَجَل، وخشوع وخضوع، وأن يكون عليه السكينةُ والوقار، فما أدرك صلى، وما فاته قضى».
وقال أيضًا: «فاعلَمُوا رحِمَكم الله أن العبد إذا خرج من منزله يريد المسجد إنما يأتي لله الجبار، الواحد القهار، العزيز الغفار، وأنه إنما يأتي بيتًا من بيوت الله، يريد الله، ويتوجه إلى الله تعالى في هذه البيوت التي: ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور ٣٦، ٣٧].
فإذا خرج من منزله فليحدِثْ لنفسه تفكرًا، وأدبًا غير ما كان عليه، وغير ما كان فيه قبل ذلك من حالات الدنيا وأشغالها، وليخرج بسكينةٍ ووقار؛ فإن النبي -ﷺ- بذلك أمر، ولْيخرج برهبةٍ ورغبة، وتخوُّفٍ ووَجَل، وخشوع وخضوع، وذل وتواضع لله -﷿-؛ فإنه كلما تواضع لله -﷿- وخشع وخضع وذَلَّ لله تعالى كان أزكى لصلاته، وأحرى لقبولها، وأشرف للعبد، وأقرب له من الله -﷿-، وإذا تكبر قَصَمَه الله، ورد عمله، وليس يقبل من المتكبرين عملًا».
٨ أن يحافظ على الأدب والدعاء عند دخول المسجد وبعد دخوله، فإذا وصل إلى المسجد وضع نعليه يسار الباب أو يمينه، بحيث لا يؤذي الناس، ولا يضعهما في مدخل الباب، أو على عتباته، ثم قدم رجله اليمنى، وقال الدعاء الوارد عند دخول المسجد، «اللهم افتحْ لي أبوابَ رحمتِك» (^٢).
فإذا وصل قرب الصف سلم بصوتٍ يسمَعُه القريب منه، ولا يجلس حتى يصليَ تحية المسجد ركعتين؛ لقوله -ﷺ-: «إذا دخل أحدُكُمُ المسجدَ فلْيَركَعْ ركعتينِ قبل أن يجلِسَ» (^٣).
_________________
(١) في: «رسالة الصلاة» صـ ٣٥ - ٣٦.
(٢) أخرجه مسلم (٧١٣)، وأبو داود (٤٦٥)، وابن ماجه (٧٧٢).
(٣) أخرجه مالك في قصر الصلاة في السفر (١/ ١٦٢)، والبخاري في الصلاة (٤٤٤)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧١٤)، والنسائي في المساجد (٧٣٠)، والترمذي في الصلاة (٣١٦)، وأحمد ٥/ ٢٩٥ (٢٢٥٢٣) من حديث أبي قتادة -﵁-.
[ ١٠٤ ]
ويشتغل بذكر الله تعالى، والدعاء، وقراءة القرآن، ويتوجه بقلبه وقالبه إلى الله تعالى، ويبتعد عن الكلام في أمور الدنيا مع الآخرين، أو بالجوال، ونحو ذلك.
٩ أن يحرص على الدنو من الإمام، والمنافسة على الصف الأول، وميامن الصفوف، بدون مزاحمة، ولا تخطٍّ لرقاب الناس، ولا منازعة أحد في مكانه، أو تضييق على أحد.
قال -ﷺ-: «لو تعلم أُمتي ما في النداء، والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يَستهِموا عليه، لاسْتَهَموا» (^١).
وقال -ﷺ-: «إن الله وملائكته يصلون على مَيامن الصفوف» (^٢)؛ أي: يستغفرون لمن على يمين الإمام من الصفوف.
وينبغي الحذر كل الحذر من الجفاء، وترك المكان الأفضل، واستبداله بالمكان المفضول، لأي اعتبارٍ كان، فإن من الناس من يدركه الشيطان فيخدعه في اللحظات الأخيرة، بعد أن جاهد نفسه وتوضأ وأقبل إلى المسجد، فيُزهده من القرب من الإمام، وفي الصفِّ الأول، وفي مقدِّمات ومَيامن الصفوف، فيترك المكان الأفضل، كأنه مستوحش، فيفوته بسبب ذلك أجر عظيم، لا يقدر قدْره إلا الله -﷿-، وربما برر بعضهم لفعله ذلك بأن مقدمة الصف أو الصف الأول لكبار السن ونحوهم، أو لأن يمين الصف فيه فلان، أو فلان، ونحو ذلك من الذرائع الواهية، والخدع الشيطانية، التي تدل على ضعف الرغبة في المسابقة والمنافسة في الخير، وعلى الزهد في القرب من الله، ولا شك أن هذا من مكائد الشيطان؛ ليحرم الإنسان من الخير، والفضل، وهو من اختيار الذي
_________________
(١) أخرجه مالك في الصلاة (١/ ٦٨)، والبخاري (٦١٥)، ومسلم (٤٣٧)، والنسائي في المواقيت (٥٤٠)، وفي الأذان (٦٧١)، والترمذي في الصلاة (٢٢٥)، وأحمد ٢/ ٢٣٦ (٧٢٢٦).
(٢) أخرجه أبو داود في الصلاة (٦٧٦)، وابن ماجه في إقامة الصلاة والسنة فيها (١٠٠٥) من حديث عائشة -﵂-. قال النووي ﵀ في «رياض الصالحين» (١٠٩٤): «إسناده صحيح على شرط مسلم، وفيه رجل مختلف فيه». وحسَّن الألباني إسناده في «صحيح أبي داود» (٦٨٠).
[ ١٠٥ ]
هو أدنى وتقديمه على الذي هو خير، كما قال موسى -﵇- لبني إسرائيل: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٦١].
وينبغي أن يعلم المسلم أنه إذا دخل بيتًا من بيوت الله فهو ضيفٌ على أكرم الأكرمين، وأجود الأجودِين، فالحزمَ كلَّ الحزم أن يُؤثِر القرب منه -﷿- بالقرب من الإمام، والتقدم ما أمكنه في الصف الأول، وفي ميامن الصفوف، حيث سيقف أمام ربه، وبين يديه، ويناجيه، وهذا المعنى لا يدركه إلا من وفَّقه الله -﷿-، وعظَّم القيام بين يدي ربه -﷿-.
ولله المثل الأعلى، لو أن شخصًا استضاف جماعة من الناس، فلما جاءوا جلسوا عند الباب، أو في أدنى المجلس، وأبَوُا القرب من مقدمته، لعُد ذلك جفاءً في عُرف الناس، وأي جفاء فوق جفاء من دخل المسجد، ووجد مكانًا في الصف الأول خلف الإمام، عن يمينه، أو عن يساره، فاختار مكانًا أبعد ولم ينافس في القرب من الله، واستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير.
١٠ أن يستحضر إذا دخل في الصلاة عظمة الله تعالى، ويستشعر أنه إذا كبَّر للصلاة أنه بذلك كشف الحجاب بينه وبين ربه، وأنه يقف بين يدي الله -﷿-، ملك الملوك، ذي الجبروت والملكوت، والكبرياء والعظمة.
ويستحضر قوله -ﷺ- في حديث جبريل -﵇-: «الإحسان: أن تعبدَ الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (^١).
قال الإمام أحمد -﵀- (^٢): «فإنِ استطاع أحدكم رحمكم الله إذا قام في صلاته كأنه ينظر إلى الله -﷿-، فإنه إن لم يكن يراه، فإن الله يراه.
_________________
(١) أخرجه البخاري في الإيمان (٥٠)، ومسلم في الإيمان (٩)، والنسائي في الإيمان وشرائعه (٤٩٩١)، وابن ماجه في المقدمة (٦٤) من حديث أبي هريرة -﵁-. وأخرجه مسلم في الموضع السابق (٨)، وأبو داود في السنة (٤٦٩٥)، والنسائي في الموضع السابق (٤٩٩٠)، والترمذي في الإيمان (٢٦١٠)، وابن ماجه في الموضع السابق (٦٣) من حديث ابن عمر عن أبيه -﵄-.
(٢) في «رسالة الصلاة» ص (٤٠، ٤١) فقرة (٤٥).
[ ١٠٦ ]
وقد جاء الحديث عن النبي -ﷺ-: أنه أوصى رجلًا بوصية، فقال له في وصيته: «اتقِ اللهَ كأنك تراه، فإنْ لم تكن تراهُ فهو يراك» (^١)، فهذه وصية النبي -ﷺ- للعبد في جميع حالاته، فكيف بالعبد في صلاته إذا قام بين يدي الله -﷿-، في موضعٍ خاص، ومقامٍ خاص، يريد الله ويستقبله بوجهه، ليس موضعه ومقامه وحاله في صلاته كغير ذلك من حالاته.
جاء الحديث: «إن العبد إذا افتتح الصلاة استقبله الله -﷿- بوجهِه، فلا يصرِفه عنه حتى يكون هو الذي ينصرف أو يلتف يمينًا وشمالًا» (^٢).
فرحم الله من أقبل على صلاته خاشعًا، خاضعًا، ذليلًا لله -﷿-، خائفًا، داعيًا، راغبًا، وجِلًا، مشفِقًا، راجيًا، وجعل أكبر همته في صلاته لربه تعالى، ومناجاته إياه، وانتصابه بين يديه قائمًا وقاعدًا وراكعًا وساجدًا، وفرغ لذلك قلبه، وثمرة فؤاده، واجتهد في أداء فرائضه؛ فإنه لا يدري هل يصلي صلاة بعد التي هو فيها أو يعاجَل قبل ذلك، فقام بين يدي ربه -﷿- محزونًا، مشفِقًا، يرجو قبولها، ويخاف ردها، فإن قبِلها سعِد، وإن ردها شقِي، فما أعظمَ خَطَرَكَ أخي في هذه الصلاة، وفي غيرها من عملك.
عن سعيد بن معاذ -﵁-، قال: «ما صليت صلاة قط، فحدثت نفسي فيها بشيء من أمر الدنيا، حتى انصرفت» (^٣).
١١ أن يستشعر عظمة الصلاة، ومكانتها في الدين، وما رتب الله عليها من السعادة والفلاح والنجاح، وصلاح أمر الدين والدنيا والآخرة، والفوز بالجنة، والنجاة من النار، فيحفظها ويقيمها، ويشهَدها بقلبه وقالبه ما استطاع.
١٢ أن يحرص على متابعة الإمام؛ في التكبير، والقيام، والركوع، والسجود، والخفض، والرفع، قال -ﷺ-: «إنما جُعل الإمام ليُؤتَمَّ به، فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا ركع فاركعوا » (^٤).
_________________
(١) أخرجه أحمد في «الزهد» (٧٧٠).
(٢) أخرجه الحاكم (١/ ٢٣٦) من حديث الحارث الأشعري -﵁-. قال الحاكم: «والحديث على شرط الأئمة صحيح محفوظ».
(٣) «رسالة الصلاة» للإمام أحمد ص (٣٩) فقرة (٤٣).
(٤) أخرجه مالك في صلاة الجماعة (١/ ١٣٥)، والبخاري في الصلاة (٣٧٨)، ومسلم في الصلاة (٤١١)، وأبو داود في الصلاة (٦٠١)، والنسائي في الإمامة (٧٩٤)، والترمذي في الصلاة (٣٦١)، وابن ماجه في إقامة الصلاة والسنة فيها (١٢٣٨)، وأحمد ٣/ ١٦٢ (١٢٦٥٦) من حديث أنس بن مالك -﵁-.
[ ١٠٧ ]
فيبادر للائتمام بالإمام، والاقتداء به، والدخول معه بعد تكبيرة الإحرام مباشرة، ومتابعته من بداية الصلاة حتى انتهائها، ولا ينشغل عن ذلك بصلاة سُنة، أو غير ذلك؛ قال -ﷺ-: «إذا أُقيمت الصلاةُ فلا صلاةَ إلا المكتوبة» (^١).
وإن جاء بعد إقامة الصلاة دخل مع الإمام على أية حالٍ كان.
وينبغي الحذر من مسابقة الإمام؛ فإنها تُبطل الصلاة، كما تُكره موافقته، وتحرُم مخالفته إذا طالت، وقد تبطل الصلاة. وقد جاء الوعيد لمن يسابق الإمام، فيرفع رأسه قبله في الركوع، أو السجود، كما في حديث أبي هريرة -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «أما يَخشَى الذي يرفع رأسَه قبل الإمام أن يحوِّلَ الله رأسَه رأسَ حِمار» (^٢).
قال الإمام أحمد -﵀- (^٣): «وليس لمن سبق الإمامَ صلاة، بذلك جاءت الأحاديث عن النبي -ﷺ- وعن أصحابِه رضوان الله عليهم أجمعين» وذكر عددًا من الأحاديث، منها حديث: «أما يخافُ الذي يرفع رأسَه قبل إمامه» الحديث.
قال: «وذلك لإساءته صلاته؛ لأنه لا صلاة له، ولو كانت له صلاة لرُجِيَ له الثواب، ولم يخفْ عليه العقاب أن يحول الله رأسه رأس حمار».
وقال أيضًا -﵀- (^٤): «قول النبي -ﷺ-: «إذا كبَّر فكبِّروا» معناه: أن تنتظروا الإمام حتى يكبِّر، ويفرُغ من تكبيره، وينقطع صوته، ثم تكبرون بعده، والناس يغلطون في هذه الأحاديث، ويجهلونها، مع ما عليه عامتهم من الاستخفاف بالصلاة، والاستهانة بها،
_________________
(١) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها (٧١٠)، وأبو داود في التطوع وركعات السنة (١٢٦٦)، والنسائي في الإمامة (٨٦٥، ٨٦٦)، والترمذي في الصلاة (٤٢١)، وابن ماجه في إقامة الصلاة والسنة فيها (١١٥١)، وأحمد ٢/ ٤٥٥ (٩٨٧٣) من حديث أبي هريرة -﵁-.
(٢) أخرجه البخاري في الأذان (٦٩١)، ومسلم في الصلاة (٤٢٧)، وأبو داود في الصلاة (٦٢٣)، والنسائي في الإمامة (٨٢٨)، والترمذي في الجمعة (٥٨٢)، وابن ماجه في إقامة الصلاة (٩٦١)، وأحمد ٢/ ٢٦٠ (٧٥٣٤).
(٣) في: «رسالة الصلاة» ص (٨) فقرة (٢).
(٤) في: «رسالة الصلاة» ص (١٠ - ١١) فقرة (٩).
[ ١٠٨ ]
فساعةَ يأخذُ الإمامُ في التكبير يأخذون معه في التكبير، وهذا خطأ لا ينبغي لهم أن يأخذوا في التكبير حتى يكبِّر الإمام، ويفرغ من تكبيره، وينقطع صوته، ومن كبر قبل الإمام فليست له صلاة؛ لأنه دخل في الصلاة قبل الإمام، وكبر قبل الإمام، فلا صلاة له».
ولما تكلم -﵀- عن معاني جمل الحديث قال: «وهذا تمام الصلاة فاعقلوه، وأبصِروه، وأحكِموه، واعلموا أن أكثر الناس اليوم ما يكون لهم صلاة؛ لسبقهم الإمام بالركوع والسجود والرفع والخفض، وقد جاء الحديث: «يأتي على الناسِ زمانٌ يصلُّون ولا يصلُّون» وقد تخوفتُ أن يكون هذا الزمان» (^١).
وقال أيضًا -﵀-: «ولْيعلمِ المتهاونُ بصلاته، المستخِفُّ بها، المسابق الإمام فيها، أنه لا صلاة له، وأنه إذا ذهبت صلاتُه ذهب دينُه، فعظِّموا الصلاة رحِمكم الله وتمسَّكوا بها، واتقوا الله فيها خاصة، وفي أموركم عامة» (^٢).
١٣ الحرص على تسوية الصفوف؛ لأن ذلك من كمال الصلاة، وذلك بإكمال الصف الأول فالأول، وتسويتها، والتراص فيها.
عن جابر بن سَمُرة -﵁-، قال: خرج علينا رسول الله -ﷺ- فقال: «ألا تَصُفُّون كما تَصُف الملائكة عند ربها؟» فقلنا: يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: «يتمون الصفوفَ الأولى، ويتراصون في الصف» (^٣).
وعن عبد الله بن عمر -﵄-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «من وصل صفًّا وصله الله، ومن قطع صفًّا قطعه الله» (^٤).
_________________
(١) في: «رسالة الصلاة» ص (١٣) فقرة (١٥).
(٢) السابق ص (١٧) فقرة (٢١).
(٣) أخرجه مسلم في الصلاة (٤٣٠)، وأبو داود في الصفوف (٦٦١)، والنسائي في الإمامة (٨١٦)، وابن ماجه في إقامة الصلاة، والسنة فيها (٩٩٢)، وأحمد ٥/ ١٠١ (٢٠٩٦٤).
(٤) أخرجه أبو داود في الصلاة (٦٦٦)، والنسائي في الإمامة (٨١٩)، وأحمد ٢/ ٩٧ (٥٧٢٤)، والحاكم (١/ ٢١٣). قال الحاكم: «صحيح على شرط مسلم بن الحجاج ولم يخرجاه». ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٦٧٢).
[ ١٠٩ ]
وعن أبي موسى الأشعري -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «إذا صليتم فأقيموا صفوفَكم» (^١).
وقال -ﷺ-: «والله لتُقيمُنَّ صُفوفَكم أو ليُخالِفَنَّ الله بين قلوبكم» (^٢).
وعن عبد الله بن مسعود -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «ولا تختلفوا فتختلِفَ قلوبُكم» (^٣).
ومن الملاحظ أن بعض المصلين وهو واقف أو جالس في الصف يبدو وكأنه خارج الصلاة؛ لعدم استشعاره ما ينبغي من تسوية الصفوف، والتراص فيها.
ويلاحَظ تساهلُ النساء أكثر في تسوية صفوفهن إذا حضرنَ المسجد.
ولهذا ينبغي للإمام تنبيه المصلين إلى تسوية الصفوف قبل التكبير، والدخول في الصلاة، بقوله: «تراصُّوا، سوُّوا صفوفكَم، سُدُّوا الخَلَلَ، حاذوا بين المناكب والأقدام، لا تختلفوا فتختلفَ قلوبُكم»، ونحوَ ذلك من العبارات المأثورة، ويلتفت يمينًا وشمالًا، ويُجِيل نظره في الصفوف، ويحرص على تسويتها.
١٤ التفاهم التام بين الإمام والمأمومين، والتناصح بينهم، وهذا من أهم آداب صلاة الجماعة:
فعلى الإمام مراعاة الوقت المناسب لإقامة الصلاة من غير تبكيرٍ ولا تأخير، وليعلم أن الوقت لله، وليس له، وعليه إعطاء الصلاة حقها من الطمأنينة من غير استعجال مُخِل، ولا تثقيل مُمِل، وعليه أن يكون للجماعة كالطبيب، في مراعاة أحوالهم وظروفهم كلها، يرفُق بهم، ويسعى لتعليم وإرشاد جاهلهم، ومساعدة محتاجهم، وزيارة مريضهم، ويحمد الله -﷿- على أن بوأه هذه المكانةَ العظيمة، والمنزلة الرفيعة.
وعلى المأمومين في المقابل مراعاة حق الإمام واحترامه، والانتظار حتى يأتيَ،
_________________
(١) أخرجه مسلم في الصلاة (٤٠٤)، وأبو داود في الركوع والسجود (٩٧٢)، والنسائي في الإمامة (١٠٦٤)، وابن ماجه في إقامة الصلاة (٨٤٧)، وأحمد ٤/ ٣٩٣ (١٩٥٠٤).
(٢) أخرجه أبو داود في الصفوف (٦٦٢)، وأحمد ٤/ ٢٧٦ (١٨٤٣٠) من حديث النعمان بن بشير -﵄-.
(٣) أخرجه مسلم في الأقضية (٤٣٢)، والنسائي في الإمامة (٨٠٧)، وابن ماجه في إقامة الصلاة (٩٧٦)، وأحمد ٤/ ١٢٢ (١٧١٠٢).
[ ١١٠ ]
وحتى يقيمَ الصلاة، وعدم التدخل في ذلك، باستعجاله بالكلام، أو بالإشارة، أو بكثرة الالتفات يَمنةً ويَسرةً وإلى الخلف، والقيام قبل إقامته الصلاة، ونحو ذلك.
وعليهم تشجيعه والتعاون معه والنصح له، والحذر من تتبع زلاته، وسبه والكلام فيه، فالكمال عزيز ونادر، وكما قيل:
ومن ذا الذي تُرضى سَجاياهُ كلُّها … كَفَى المرءَ نُبلًا أن تُعَدَّ معايبُهْ (^١)
١٥ التعاون بين الإمام، والمؤذن، وجماعة المسجد، وأهل الحي على البر والتقوى.
قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، وقال -ﷺ-: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشُد بعضُه بعضًا» (^٢)، وقال -ﷺ-: «مثل المؤمنين في توادِّهِم وتراحُمِهم وتعاطُفِهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسدِ بالسهرِ والحُمَّى» (^٣).
ومن أهم ذلك وألزمه أن يحرص أهل الحي كلهم على الصلاة في مسجدهم جميعًا، ويحذروا كل الحذر من التفرق والتشتت؛ بسبب علل واهية.
ولن يتأتى هذا إلا إذا قام الإمام بدوره كما ينبغي، وكان هو أولَ من يحرص على جمع شمل الجماعة، بالتزامه بالوقت، وإعطاء الصلاة حقها، والرفق بهم، وكونه لهم كالطبيب- كما سبق-. والحذر كل الحذر أن يكون هو السببَ في تفرق جماعة المسجد وتشتتهم بتثاقله، وكثرة غيابه وتخلفه، أو عدم إعطائه الصلاةَ حقَّها من العناية والاهتمام، أو بسبب سوء خلقه، وعدم احترامه وتقديره لجماعة مسجده، وعدم مراعاته لهم، وبخاصة كبار السن، ممن يجب إجلالهم، وإكرامهم، وإنزالهم منازلهم، فإن تفرق بعض جماعات المساجد سببه غالبًا يرجع إلى الإمام.
_________________
(١) البيت يُنسب لبشار بن بُرد، ولعلي بن الجهم، وليزيد المهلبي، انظر: «جمهرة الأنساب المولدة» صـ ٣٨٩.
(٢) أخرجه البخاري في الصلاة (٤٨١)، ومسلم في البر (٢٥٨٥)، والنسائي في الزكاة (٢٥٦٠)، والترمذي في البر والصلة (١٩٢٨)، وأحمد ٤/ ٤٠٤ (١٩٦٢٤) من حديث أبي موسى الأشعري رضي لله عنه.
(٣) أخرجه البخاري في الأدب (٦٠١١)، ومسلم في البر والصلة والآداب (٢٥٨٦)، وأحمد ٤/ ٢٧٠ (١٨٣٧٣) من حديث النعمان بن بشير -﵄-.
[ ١١١ ]
فإذا بذل الإمام جهده بالقيام بدوره ومسؤوليته، من الالتزام بالوقت، وعدم التخلف أو التأخر أو التقدم، والعناية بإقامة الصلاة، ونظافة المسجد، وحسن الخلق في التعامل مع الجماعة، فلا عليه ممن يشذ منهم، فإن رضا الناس غاية لا تُدرك، فمن الناس من لا يعجبه العجب، فتراه لعلل واهية يترك مسجد الحي الذي هو فيه وجماعته، ويركب سيارته يبحث عن مسجد آخر، في جميع الصلوات، فيشق على نفسه، ويستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؛ لفرط حساسية في نفسه، أو عجلة، أو علل واهية.
ولا شك أن هذا ليس من المروءة، ولا من حسن الخلق والأدب في حق جيرانه وإمام مسجدهم ومؤذنه وجماعته، وأهل حيِّه، بل من التقصير في حقهم؛ لأن هذا يؤلمهم ويفت في عضدهم؛ لما فيه من السلبية التي تُخِل بما ينبغي أن يكون بينهم من التعارف والتآلف، والتناصح والتآزر، والتعاون على البر والتقوى، ويد الله على الجماعة، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصيةَ.
قال الشيخ صالح السدلان -﵀- (^١) في كلامه عن حكمة مشروعية صلاة الجماعة: «والخلاصة أن أداء الصلاة في جماعة ينشئ الاتحاد والمحبة والإخاء بين المسلمين، ويجعل منهم كتلة متراصة، وينشئ فيهم المواساة والتراحم، وائتلاف القلوب، وكذلك يربيهم على النظام والانضباط، والمحافظة على الأوقات».