حقيقة تقوى الله تعالى ومعناها، ومضمونها ومقتضاها
أ- حقيقة تقوى الله تعالى ومعناها:
عرف السلف -﵃- من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل العلم تقوى الله تعالى بتعاريف فيها بيان حقيقتها، ومعناها، وتدل على سعة مضمونها ومقتضاها.
فعن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: «حق تقاته: أن يُطاعَ فلا يُعصَى، وأن يُشكَرَ فلا يُكفَر، وأن يُذكَر فلا ينسى» (^١).
وعن علي -﵁- أنه قال: «التقوى: الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل» (^٢).
وعن طَلْقِ بن حَبيب -﵀- قال: «تقوى الله: أن تعمل بطاعة الله، على نورٍ من الله، ترجو ثوابَ الله، وأن تترك معصيةَ الله، على نورٍ من الله، تخاف عقاب الله» (^٣).
وعرَّفها بعض أهل العلم بعدهم بقوله: «أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقايةً؛ بفعل ما أَمَرَ الله به، وترك ما نَهَى الله عنه».
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» ١/ ١٢٩ (٤٤١)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» ١٩/ ١٧٠ (٣٥٦٩٥)، والطبري في «جامع البيان» (٥/ ٦٣٧)، وابن المنذر في «تفسيره» ١/ ٣١٧ (٧٦٨)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ٣/ ٧٢٢ (٣٩٠٨)، والنحاس في «الناسخ والمنسوخ» بتحقيقنا (١/ ٤٥٤) الأثر (٢١)، والطبراني في «الكبير» ٩/ ٩٢ (٨٥٠١، ٨٥٠٢)، والحاكم (٢/ ٢٩٤). ورُوي مرفوعًا. قال ابن كثير في «تفسيره» (٢/ ٧١، ٧٢): «وهذا إسناد صحيح موقوف».
(٢) انظر: «سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد» (١/ ٤٢١).
(٣) أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (١٣٤٣)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٦٤)، وأخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» الأثر ١٥/ ٥٩٩، ١٩/ ٣٥٧ (٣٠٩٩٣، ٣٦٣٠٨)، وفي «كتاب الإيمان» (٩٩). وابن أبي حاتم في «تفسيره» ١/ ٩٨ (٤٥٣). وانظر: «مجموع الفتاوى» (٧/ ٦٣)، (٢٠/ ١٣٢).
[ ١٣٢ ]
ب- مضمون تقوى الله تعالى ومقتضاها:
في التعاريف السابقة خلاصة ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة من حقيقة تقوى الله -﷿- ومعناها، وسَعة مضمونها ومقتضاها، وأنها تشمل الدين كله، فتشمل أركان الإيمان، وأركان الإسلام، والإحسان.
كما جاء في حديث عمر بن الخطاب -﵁- قال: بينما نحن عند رسول الله -ﷺ- إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، فجلس إلى النبي -ﷺ- فقال: يا محمد، أخبرني عن الإيمان. فقال: «الإيمان: أن تؤمنَ بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» فقال: أخبرني عن الإسلام. فقال: «الإسلام: أن تشهد أنْ لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إنِ استطعت إليه سبيلًا» قال عمر: فعجِبنا له يسأله ويصدِّقه. قال: أخبرني عن الإحسان. قال: «أن تعبدَ الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» الحديث (^١).
فأركان الإيمان ستة، وهي:
الإيمان بالله تعالى؛ أي: الإيمان بوجوده وربوبيته وأُلوهيته وأسمائه وصفاته.
والإيمان بالملائكة؛ أي: الإيمان بوجودهم، وأنهم خلقٌ من خلق الله تعالى، خلقهم الله -﷿- من نور، كما قال -ﷺ-: «خُلقت الملائكة من نورٍ» (^٢).
والإيمان بما ذُكر من أسمائهم، وعبادتهم لله تعالى، وأحوالهم، وأعمالهم التي وكلهم الله تعالى بها على جهة الإجمال والتفصيل، كما جاء في القرآن والسنة.
والإيمان بالكتب؛ أي: الإيمان بجميع الكتب التي أنزلها الله تعالى على رسله، ما سمى الله تعالى لنا منها في القرآن الكريم، وما لم يسمِّه.
_________________
(١) أخرجه مسلم في الإيمان (٨)، وأبو داود في السنة (٤٦٩٥)، والنسائي في الإيمان وشرائعه (٤٩٩٠)، والترمذي في الإيمان (٢٦١٠)، وابن ماجه في المقدمة (٦٣) من حديث ابن عمر عن أبيه -﵄-.
(٢) أخرجه مسلم في الزهد والرقائق (٢٩٩٦)، وأحمد ٦/ ١٦٨ (٢٥٣٥٤) من حديث عائشة -﵂-.
[ ١٣٣ ]
والإيمان بالرسل؛ أي: الإيمان بجميع الأنبياء والرسل الذين أرسلهم الله تعالى، مَن قص الله تعالى علينا منهم في القرآن، ومن لم يقصصهم علينا.
والإيمان باليوم الآخر؛ أي: الإيمان بيوم القيامة وما فيه من بعث الناس من قبورهم، ومن الأهوال، والحساب، والجزاء على الأعمال، والإيمان به من أهم أركان الإيمان؛ ولهذا يقرن الله -﷿- الإيمان باليوم الآخر في القرآن الكريم بالإيمان به -﷾-؛ وذلك لأن الإيمان باليوم الآخر من أعظم ما يحفز على العمل؛ لأن فيه الحساب والجزاء على الأعمال، وربط الدنيا بالآخرة، مما يحمل على الاجتهاد في العمل والمنافسة والمسارعة والمسابقة، إضافة إلى تهوين مصائب الدنيا؛ قال الشاعر:
الأمر جِدٌّ وَهْوَ غيرُ مِزاحِ … فاعمَلْ لنفسِكَ صالحًا يا صَاحِ (^١)
وقال الآخر:
قد رشَّحوك لأمرٍ لو فطِنتَ له … فاربَأْ بنفسِكَ أن تَرعَى مع الهَمَلِ (^٢)
والإيمان بالقدر خيره وشره؛ أي: الإيمان بأن الله قدر في الأزل مقادير كل شيء، قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما جاء في الحديث (^٣).
والإيمان بأن ما أصاب العبد لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا، كما جاء في حديث ابن عباس -﵄- (^٤).
_________________
(١) البيت لنشوان الحِميري. انظر: «ملوك حمير وأقيال اليمن» ص ١.
(٢) البيت للطغرائي. انظر: «شرح لامية العجم» ص ١٢٤.
(٣) أخرجه مسلم في القدر (٢٦٥٣)، والترمذي في القدر (٢١٥٦)، وأحمد ٢/ ١٦٩ (٦٥٧٩) من حديث عبد الله بن عمرو -﵄-.
(٤) أخرجه أحمد ١/ ٣٠٧ (٢٨٠٣)، والطبراني في «الكبير» ١١/ ١٢٣ (١١٢٤٣)، والحاكم (٣/ ٥٤١، ٥٤٢) من حديث ابن عباس -﵄-. قال الحاكم: «هذا حديث كبير عالٍ من حديث عبد الملك بن عمير، عن ابن عباس -﵄-، إلا أن الشيخين -﵄- لم يخرجا شهاب بن خراش، ولا القداح في الصحيحين». وقال السخاوي في «المقاصد الحسنة» ص (٢٥٧): «وأصل الحديث بدون لفظ الترجمة عند الترمذي [في صفة القيامة والرقائق والورع (٢٥١٦)]، وصححه من حديث حَنش عن ابن عباس مرفوعًا، بل أخرجه أحمد، والطبراني، وغيرهما من هذا الوجه أيضًا بتمامه، وهو أصح وأقوى رجالًا».
[ ١٣٤ ]
وأركان الإسلام خمسة، وهي:
الأول: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.
ومعنى شهادة أن لا إله إلا الله؛ أي: شهادة أن لا معبود بحق إلا الله، وهي نفي وإثبات، نفي الإلهية عن غير الله تعالى، وإثباتها لله تعالى وحده.
ومعنى شهادة أن محمدًا رسول الله؛ أي: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يُعبد الله إلا بما شَرع.
الثاني: إقام الصلاة؛ أي: أداؤها والمحافظة عليها، وإقامتها كما شرع الله تعالى، بشروطها، وأركانها، وواجباتها، وسننها.
والصلاة في اللغة: الدعاء.
وفي الشرع: التعبد لله تعالى بأفعال وأقوال مخصوصة، مبتدأَة بالتكبير، مختتَمة بالتسليم.
الثالث: إيتاء الزكاة؛ أي: إعطاؤها لمستحقيها من الأصناف الثمانية، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠].
والزكاة في اللغة: النماء والزيادة.
وفي الشرع: حق مالي مخصوص، في مال مخصوص، لطائفة مخصوصة، في زمن مخصوص.
الرابع: صوم رمضان.
والصوم في اللغة: الإمساك.
وفي الشرع: التعبد لله تعالى بالإمساك عن المفطِرات الحسية والمعنوية، من
[ ١٣٥ ]
طلوع الفجر إلى غروب الشمس، طيلة شهر رمضان المبارك.
والخامس: حج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلًا.
والحج في اللغة: القصد.
وفي الشرع: قصد البيت الحرام، وأداء مناسك الحج لمن استطاع إلى ذلك سبيلًا.
والإحسان: ركن واحد: وهو: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك».
كما تشمل تقوى الله تعالى: امتثال كل ما أمر الله تعالى به من الأقوال والأفعال.
هذا كله في جانب المأمورات والأفعال.
كما تشمل تقوى الله: ترك ما نهى الله تعالى عنه، والبراءة منه، ومن ذلك:
١ البراءة من الشرك بنوعيه:
أ- الشرك الأكبر: من عبادة القبور والأشجار والأحجار، ودعاء الأموات، والاستعانة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله، ونحو ذلك، وصاحبه مخلَّد في النار، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦].
ب- الشرك الأصغر: كالرياء، والحلف بغير الله، ونحو ذلك.
قال -ﷺ-: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» فسئل عنه، فقال: «الرياء» (^١). وقال -ﷺ-: «مَن حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» (^٢).
٢ البراءة من النفاق بنوعيه:
أ- النفاق الاعتقادي: وهو أن يظهِر الإنسان الإيمان، ويبطِن الكفر، وهذا
_________________
(١) أخرجه أحمد ٥/ ٤٢٨، ٤٢٩ (٢٣٦٣٠، ٢٣٦٣٦) من حديث محمود بن لبيد -﵁-. قال الهيثمي في «المجمع» (١/ ١٠٢): «رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح». وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٩٥١).
(٢) أخرجه أبو داود في الأيمان والنذور (٣٢٥١)، والترمذي في النذور والأيمان (١٥٣٥) من حديث ابن عمر -﵄-. قال الترمذي: «حديث حسن». وصححه ابن حبان ١٠/ ١٩٩ - ٢٠٠، ٢٠٧ (٤٣٥٨، ٤٣٦٥)، والحاكم (١/ ١٨، ٥٢، ٤/ ٢٩٧)، ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في «الصحيحة» (٢٠٤٢).
[ ١٣٦ ]
أشد من الكفر الصريح، وصاحبه في الدرك الأسفل من النار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥].
ب- النفاق العملي: من الكذب، والغدر، وخلف الوعد، وخيانة العهد، والفجور في الخصومة، ونحو ذلك. وهذا من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر لمخالفته صفات المؤمنين، ومشابهته صفات الكافرين.
عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتُمن خان» (^١).
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال: «أربعٌ مَن كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلةٌ منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يَدَعَها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدَّث كذَب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» (^٢).
٣ ترك كل ما نهى الله تعالى عنه من الأقوال والأفعال:
كما قال -﷿-: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحشر: ٧].
وبهذا يتبين أن مضمون تقوى الله تعالى ومدلولها يشمل الدين كله؛ فعلًا لما أمر الله تعالى به، وتركًا لما نهى الله -﷿- عنه.
فهي دين الله الذي بعث به رسله، وأنزل به كتبه، وهي الهدى ودين الحق الذي أرسل به رسوله محمدًا -ﷺ-، وهي توحيد الله، واتباع شريعته، وتعظيم أمره، وطاعته وطاعة رسوله -ﷺ-.
هي عبادة الله تعالى التي خلق الله الثقلين لأجلها، هي الإيمان والإسلام والإحسان والبر، والاستقامة، ونحو ذلك.
_________________
(١) أخرجه البخاري في الإيمان (٣٣)، ومسلم في الإيمان (٥٩)، والنسائي في الإيمان وشرائعه (٥٠٢١)، والترمذي في الإيمان (٢٦٣١).
(٢) أخرجه البخاري في الإيمان (٣٤)، ومسلم في الإيمان (٥٨)، وأبو داود في السنة (٤٦٨٨)، والنسائي (٥٠٢٠)، والترمذي (٢٦٣٢).
[ ١٣٧ ]
هي ضد الشرك والكفر، والنفاق والفسوق والعصيان، أمر الله -﷿- بها الناس عامة والمؤمنين خاصة.