آداب الدعاء، وأسباب الإجابة
آداب الدعاء وأسباب الإجابة كثيرة، من أهمها ما يلي:
١ الحمد لله، والثناء على الله -﷿-:
كما علَّم الله -﷿- المؤمنين في قوله -﷿- في سورة الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤] فهذه الآيات حمد وثناء وتمجيد لله تعالى، وهو إخبار وأمر للمؤمنين بأن يقدموا بين يدي دعائهم الحمد والثناء والتمجيد له -﷿-؛ ليجيبهم، ولهذا قال في الحديث القدسي عن قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]: «هذه بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل». وقال عن قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخر السورة، [٦ - ٧]، «وهذه لعبدي ولعبدي ما سأل» (^١).
وكما جاء في دعاء ذي النون -﵇-، قال تعالى: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧].
وعن شداد بن أوس الداري -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «سيِّد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء لك بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت»، قال: «من قالها من النهار مُوقِنًا بها فمات من يومه قبل أن يُمسيَ فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة» (^٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم في الصلاة (٣٩٥)، وأبوداود (٨٢١)، والنسائي في الافتتاح (٨٧٢)، والترمذي في التفسير (٢٩٥٣)، وابن ماجه- في إقامة الصلاة (٨٣٨) من حديث أبي هريرة -﵁-.
(٢) أخرجه البخاري في الدعوات (٦٣٠٦)، والنسائي في الاستعاذة (٥٥٢٢)، والترمذي في الدعوات (٣٣٩٣).
[ ١٥٦ ]
وعن أبي بكر الصديق -﵁- أنه قال للنبي -ﷺ-: يا رسول الله، علمني دعاء أدعو به في صلاتي. قال: «قلِ: اللهم إني ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك، إنك أنت الغفور الرحيم» (^١).
وعن عائشة -﵂- أنها قالت: يا رسول الله، أرأيت إن وافقت ليلة القدر، ما أدعو، أو ما أقول؟ قال: «تقولين: اللهم إنك عفوٌّ تحب العفو فاعف عني» (^٢).
وعن أنس -﵁- قال: جاءت أم سليم -﵂- إلى النبي -ﷺ- فقالت: يا رسول الله، علمني كلماتٍ أدعو بهن. قال: «تسبحين الله عشرًا، وتحمدينه عشرًا، وتكبرينه عشرًا، ثم سلي حاجتكِ، فإنه يقول: قد فعلتُ» (^٣).
٢ الصلاة على النبي -ﷺ-:
فعن أُبَيِّ بن كعب -﵁- قال: قلت: يا رسول الله، إني أُكثِر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ فقال: «ما شئت»، قال: قلت: الربع، قال: «ما شئتَ، فإن زدتَ فهو خير لك»، قلت: النصف؟ قال: «ما شئت، فإن زدت فهو خير لك»، قال: قلت: فالثلثين، قال: «ما شئت، فإن زدت فهو خير لك»، قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: «إذن تُكفى همَّك، ويُغفَر لك ذنبُك» (^٤).
والمراد بقوله: كم أجعل لك من صلاتي؟ أي: من دعائي.
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأذان (٨٣٤)، ومسلم في الذكر والدعاء (٢٧٠٥)، والنسائي في السهو (١٣٠٢)، والترمذي في الدعوات (٣٥٣١)، وابن ماجه في الدعاء (٣٨٣٥).
(٢) أخرجه الترمذي في الدعوات (٣٥١٣)، وابن ماجه في الدعاء (٣٨٥٠)، وأحمد ٦/ ١٧١ (٢٥٣٨٤). قال الترمذي: «حسن صحيح». وصححه الألباني في «الصحيحة» (٣٣٣٧).
(٣) أخرجه الترمذي في الوتر (٤٨١)، والنسائي في السهو (١٢٩٩)، وأحمد ٣/ ١٢٠ (١٢٢٠٧). وصححه الألباني في «الصحيحة» (٣٣٣٨).
(٤) أخرجه الترمذي في صفة القيامة (٢٤٥٧)، والحاكم (٢/ ٤٢١). قال الترمذي: «هذا حديث حسن». وقال الحاكم: «صحيح الإسناد ولم يخرجاه». وحسنه الألباني في «مشكاة المصابيح» (٩٢٩).
[ ١٥٧ ]
٣ الطهارة:
عن أبي بكر الصديق -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «ما من رجلٍ يذنب ذنبًا، ثم يقوم ويتطهر، ثم يصلي، ثم يستغفر، إلا غفر الله له» ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥]» (^١).
وعن أبي موسى -﵁- قال: لما فرغ النبي -ﷺ- من حُنَين، وذكر الحديث، وفيه: فدعا بماء فتوضأ، ثم رفع يديه فقال: «اللهم اغفر لعبيد أبي عامر». ورأيت بياض إِبْطَيْهِ» (^٢).
ومن الطهارة: السواك قبل الدعاء تطهيرًا للفم.
٤ استقبال القبلة:
عن عبد الله بن زيد -﵁- قال: خرج النبي -ﷺ- إلى هذا المصلَّى يستسقي، فدعا واستسقى، واستقبل القبلة، وقلب رداءه (^٣).
وفي يوم بدر لما رأى كثرة جيش المشركين استقبل القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتِ ما وعدتني، اللهم إن تهلِك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض»، فما زال يهتف بربه، مادًّا يديه مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه (^٤).
واستقبل -ﷺ- القبلة لما دعا عند المشعر الحرام، كما جاء في حديث جابر -﵁-، كما استقبلها لما دعا عند الجمرات في منًى؛ كما جاء في حديث ابن عمر -﵄- (^٥).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الصلاة (١٥٢١)، والترمذي في الصلاة (٤٠٦)، وابن ماجه في إقامة الصلاة (١٣٩٥)، وأحمد ١/ ٢ (٢). قال الترمذي: «حسن». وحسنه الألباني في «مشكاة المصابيح» (١٣٢٤).
(٢) أخرجه البخاري في المغازي (٤٣٢٣)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٩٨).
(٣) أخرجه البخاري في الدعوات (٦٣٤٣)، ومسلم في الاستسقاء (٨٩٤)، والنسائي في الاستسقاء (١٥٠٥)، وابن ماجه في إقامة الصلاة، والسنة فيها (١٢٦٧).
(٤) أخرجه مسلم في الجهاد (١٧٦٣) من حديث عمر بن الخطاب -﵁-.
(٥) سيأتي تخريجهما.
[ ١٥٨ ]
وعن ابن مسعود -﵁- قال: استقبل رسول الله -ﷺ- الكعبة فدعا على نفر من قريش (^١).
قال النووي في «شرح مسلم» (^٢) في شرح حديث عبد الله بن زيد -﵁-: «فيه استحباب استقبال القبلة»، يعني: في الدعاء.
٥ الإخلاص في الدعاء:
قال الله تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٤]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ٦٥]
٦ إظهار الرغبة والرهبة والضراعة والخشوع، والشكوى إلى الله تعالى، والافتقار إليه -﷿-:
قال تعالى في الثناء على زكريا وزوجه وابنه يحيى -﵈-: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، وقال موسى -﵇-: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤].
وقال أيوب -﵇-: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣].
وقال زكريا -﵇-: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩].
وكما في دعاء نبينا محمد -ﷺ- يوم بدر (^٣).
٧ أن يعزم المسألة:
عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ-: قال: «لا يقولنَّ أحدُكم: اللهم اغفر لي إن شئتَ، اللهم ارحَمْني إن شئت، لِيعزِمِ المسألة؛ فإن الله لا مُكرِهَ له» (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي (٣٩٦٠)، ومسلم في الجهاد والسير (١٧٩٤).
(٢) / ١٨٩.
(٣) سيأتي تخريجه قريبًا.
(٤) أخرجه مالك في القرآن (١/ ٢١٣)، والبخاري في الدعوات (٦٣٣٩)، ومسلم في الذكر والدعاء والتوبة (٢٦٧٩/ ٩)، وأبو داود في الصلاة (١٤٨٣)، والترمذي في الدعوات (٣٤٩٧).
[ ١٥٩ ]
وفي رواية: «فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه» (^١).
٨ أن يكرر الدعاء ثلاثًا، ويُلِحَّ على الله تعالى في الدعاء:
عن عبد الله بن مسعود -﵁-، من حديث طويل عن النبي -ﷺ- وفيه: فلما قضى صلاته رفع صوته، ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا دعا ثلاثًا، ثم قال: «اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش» (^٢).
وفي قصة سحر النبي -ﷺ- قالت عائشة -﵂-: «فدعا ثم دعا ثم دعا» (^٣).
وقال -ﷺ-: «إذا جاء الرجل يعود مريضًا فليقلِ: اللهم اشفِ عبدك ثلاثًا» (^٤).
قال ابن عبد البر (^٥): «مَن أدمنَ قَرْعَ الباب يوشك أن يُفتح له، ولا يمل الله -﷿- من العطاء حتى يمل العبد من الدعاء، ومن عجِل وتبرم فنفسَه ظَلَمَ».
٩ رفع اليدين في الدعاء:
عن أبي موسى الأشعري -﵁-، قال: دعا النبي -ﷺ- ثم رفع يديه، ورأيتُ بياض إِبْطَيه» (^٦).
وعن ابن عمر -﵄- قال: رفع النبي -ﷺ- يديه وقال: «اللهم أبرَأ إليك مما فعل خالد» (^٧).
وعن سلمان الفارسي -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «إن ربكم -﵎- حَيِيٌّ يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صِفرًا خائبتينِ» (^٨).
ورفع اليدين إنما يكون فيما ثبت رفع اليدين فيه عن النبي -ﷺ-؛ كالاستسقاء، ولو كان في خطبة الجمعة، ويوم عرفة، وليلة مُزدلِفة، وعند الجمرتين الأولى والثانية أيام التشريق،
_________________
(١) أخرجها مسلم (٢٦٧٩/ ٨).
(٢) أخرجه البخاري في الصلاة (٥٢٠)، ومسلم في الجهاد والهجرة (١٧٩٤)، والنسائي في الطهارة (٣٠٧).
(٣) أخرجه مسلم في السلام (٢١٨٩)، وابن ماجه في الطب (٣٥٤٥).
(٤) سيأتي تخريجه قريبًا.
(٥) في الاستذكار ٢/ ٥٢٦.
(٦) سبق تخريجه قريبًا.
(٧) أخرجه البخاري في المغازي (٤٣٣٩)، والنسائي في آداب القضاة (٥٤٠٥)، وأحمد ٢/ ١٥٠ (٦٣٨٢).
(٨) أخرجه أبو داود في الصلاة (١٤٨٨)، والترمذي في الدعوات (٣٥٥٦)، وابن ماجه في الدعاة (٣٨٦٥). قال الترمذي: «حسن غريب». وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٣٣٧).
[ ١٦٠ ]
وعلى الصفا والمروة، وغير ذلك.
ويكون أيضًا في الدعاء العام، دون الأدعية الموظَّفة بأوقات وأماكن وأحوال، ولم يرد رفع اليدين فيها؛ ولهذا لا يُشرع بعد الفريضة، ولم يُنقل رفعهما بعد النافلة، فالأولى عدم المداومة عليه، أو تركه.
أما مسح الوجه باليدين بعد الدعاء فالأحاديث فيه ضعيفة، وقال بعض أهل العلم: «لا يُنكَر على من فعله».
١٠ تحري أوقات الإجابة وأحوالها وأماكنها:
كدبر الصلوات، وثلث الليل الآخِر، ويوم الجمعة، وكحال السجود، والصوم، والسفر، وحال حضور القلب وصفائه وإقباله على الله تعالى، وفي أماكن الإجابة كعرفة، وعند المشعر الحرام، وعند الجَمَرات، وعلى الصفا والمروة.
١١ الاستعانة بالله تعالى:
عن معاذ بن جبل -﵁- أن رسول الله -ﷺ- أخذ بيده وقال: «يا معاذ، والله إني لأحبك، والله إني لأحبك» فقال: «أوصيك يا معاذ لا تَدَعَنَّ في دُبُر كل صلاة تقول: اللهم أعِنِّي على ذِكرك وشكرك وحُسن عبادتك» (^١).
ومن عونه -﷿- على ذكره وشكره وحسن عبادته التوفيق للدعاء؛ إذ لا شيء يتم للعبد الا بعون الله تعالى وتوفيقه، قال علي بن أبي طالب -﵁- (^٢):
إذا لم يكن عونٌ من الله للفَتَى … فأولُ ما يَجني عليه اجتهادُهُ
١٢ الإقرار والاعتراف بالذنب والظلم للنفس، وسؤال الله تعالى المغفرة والرحمة:
قال تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الصلاة (١٥٢٢)، والنسائي في الصلاة (١٣٠٣)، وأحمد ٥/ ٢٤٤ (٢٢١١٩)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٦٩٠). وصححه الألباني «الأدب المفرد»، وفي «صحيح أبي داود» (١٣٦٢).
(٢) انظر: «ديوان علي -﵁-» ص (٣٧)، و«الفرج بعد الشدة» (١/ ١٧٧)، و«محاضرات الأدباء» (١/ ٥٣٢).
[ ١٦١ ]
الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧، ٨٨]، وقال موسى -﵊-: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦].
وقال نبينا محمد -ﷺ-: «أنت ربي وأنا عبدُك، ظلمتُ نفسي، واعترفتُ بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعًا، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» (^١).
وقالت ملكة سَبَأ: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤].
وعن أبي بكر الصديق -﵁- أنه قال: يا رسول الله، علمني دعاءً أدعو به في صلاتي، قال: «قلِ: اللهم إني ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» (^٢).
وعن شدَّاد بن أوسٍ -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خَلَقْتَني وأنا عبدُك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعتُ، أعوذ بك من شر ما صنعتُ، أبوءُ لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. فمن قالها في النهار مُوقِنًا بها فمات من يومه قبل أن يُمسيَ فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة» (^٣).
١٣ أن يبدأ بالدعاء لنفسه، ولوالديه، ويُثَنِّي بالدعاء لإخوانه المؤمنين:
قال نوح -﵇-: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نوح: ٢٨]، وقال إبراهيم -﵇-: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١].
وقال -﷿- لنبينا محمد -ﷺ-: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩].
وامتدح -﷿- المؤمنين بقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].
_________________
(١) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين (٧٧١)، وأبو داود في استفتاح الصلاة (٧٦٠)، والنسائي في الاستفتاح (٨٩٧)، والترمذي في الدعوات (٣٤٢١) من حديث علي -﵁-.
(٢) سبق تخريجه قريبًا.
(٣) سبق تخريجه قريبًا.
[ ١٦٢ ]
وعن أُبيِّ بنِ كعبٍ -﵁- أن رسول الله -ﷺ- كان إذا ذكر أحدًا فدعا له بدأ بنفسه (^١).
ولمشروعية دعاء الإنسان لغيره من إخوانه شُرع التأمين على الدعاء، كما في التأمين بعد الفاتحة، وكما جاء أن هارون -﵇- كان يؤمِّن على دعاء أخيه موسى -﵇-: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾، ولهذا قال الله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٨، ٨٩]، بضمير التثنية.
١٤ اليقين بالإجابة وحضور القلب:
لقوله تعالى في الحديث القدسي: «ولعبدي ما سأل» (^٢).
وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء قلب غافل لاهٍ» (^٣).
وعن أبي سعيد الخُدْري -﵁-، أن رسول الله -ﷺ- قال: «ما من مسلمٍ يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها؛ إما أن يعجل له دعوته في الدنيا، وإما أن يَدَّخِرَها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مِثلَها». قالوا: إذن نُكْثِر. قال: «الله أكثرُ» (^٤).
قال ابن القيم (^٥): «قال يحيى بن معاذ: من جمع الله له قلبه في الدعاء لم يردَّه».
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الحروف والقراءات (٣٩٨٤)، والترمذي في الدعوات (٣٣٨٥)، وأحمد ٥/ ١٢١ (٢١١٢٦). قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب صحيح».
(٢) سبق تخريجه قريبًا.
(٣) أخرجه الترمذي في الدعوات (٣٤٧٩)، والحاكم (١/ ٤٩٣). قال الترمذي: «هذا حديث غريب». وقال الحاكم: «هذا حديث مستقيم الإسناد تفرد به صالح المري، وهو أحد زهاد أهل البصرة، ولم يخرجاه». وأخرجه أحمد ٢/ ١٧٧ (٦٦٥٥) من حديث عبد الله بن عمرو -﵄-. وصححه الألباني في «الصحيحة» (٥٩٤).
(٤) أخرجه أحمد ٣/ ١٨ (١١١٣٣)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٧١٠). وصححه الألباني في تحقيقه «الأدب المفرد». وأخرجه الترمذي في الدعوات (٣٥٧٣) من حديث عبادة بن الصامت -﵁-. قال الترمذي: «حديث حسن صحيح غريب».
(٥) في «الفوائد» (ص ٤٧).
[ ١٦٣ ]
ثم قال ابن القيم: «قلتُ: إذا اجتمع عليه قلبُه، وصدقتْ ضرورتُه وفاقَتُه، وقوِي رجاؤُه، فلا يكاد يُرَدُّ دعاؤه».
قال ابن حَجَر (^١): «كل داعٍ يستجاب له، لكن تتنوَّع الإجابة، فتارَةً تقع بعين ما دعا به، وتارَةً بعِوَضه».
١٥ عدم استعجال الإجابة:
عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «يُستجاب لأحدكم ما لم يُعَجِّلْ، يقول: دعوتُ، ودعوتُ فلم يُستجَبْ لي» (^٢).
وفي رواية: «لا يزال يُستجاب للعبد ما لم يدعُ بإثمٍ أو قطيعةِ رحِمٍ ما لم يَستعجِل». قيل: يا رسول الله، ما الاستعجال؟ قال: «يقول: قد دعوتُ، وقد دعوتُ فلم أرَ يستجيب لي. فيستحسِر عند ذلك ويدَعُ الدعاء» (^٣).
قال داود بن أبي هند: «الإجابة عند حلاوة الدعاء» (^٤).
أي: عندما يستشعر العبد لذة مناجاة الله تعالى، ويجد الأنس والسعادة بالدعاء، يكرمه الله -﷿- بالإجابة والعطاء.
ومقام الدعاء مقام عظيم، فمن فتح الله عليه بالدعاء، فقد جمع له مفاتح الخير كلها؛ من قوة الإيمان واليقين، وحُسن الظن بربه، وأجر الدعاء وثوابه، والسلامة من القنوط واليأس والإحباط، والاستغناء عن الخلق.
ومن تأمل سير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ظهر له ذلك، فهذا إبراهيم خليل الرحمن -﵊- صبر على الابتلاء ولازم الدعاء، ففاز بالإجابة وأعظم على ربه الثناء: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩].
_________________
(١) في «فتح الباري» (١١/ ٩٥).
(٢) أخرجه البخاري في الدعوات (٦٣٤٠)، ومسلم في الذكر والدعاء (٢٧٣٥/ ٩٠)، وأبو داود في الصلاة (١٤٨٤)، والترمذي في الدعوات (٣٣٨٧)، وابن ماجه في الدعاء (٣٨٥٣).
(٣) أخرجها مسلم (٢٧٣٥/ ٩٢).
(٤) أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٤/ ٢٧٤)، وانظر: «سير أعلام النبلاء» (٤/ ٣٤٠).
[ ١٦٤ ]
وُلد له إسماعيل وعمره (٩٠) عامًا، وولد له إسحاق وعمره (١١٢) عامًا، وكانت امرأته عقيمًا، ومع ذلك لم يستعجل -﵇- الإجابة، ولم ييأس من رحمة الله تعالى ويترك الدعاء.
١٦ خفض الصوت بالدعاء.
قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠].
وقال تعالى عن زكريا -﵇-: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣].
وعن أبي موسى الأشعري -﵁- قال: كنا مع رسول الله -ﷺ- في غَزاة، فجعلنا لا نصعد شَرَفًا، ولا نعلو شرفًا، ولا نهبط واديًا إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير، قال: فدنا منا فقال: «يا أيها الناس، ارْبَعُوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدْعون أصمَّ ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا بصيرًا، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عُنق راحلته، يا عبدَ الله بن قيس، ألا أُعلمك كلمةً من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله» (^١).
قال الحسن البصري -﵀-: «بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفًا، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يُسمع لهم صوت، إن كان إلا همسًا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾، وإن الله ذكر عبدًا صالحًا، ورضي بفعله فقال: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾» (^٢).
قال ابن تيمية -﵀-: «وفي إخفاء الدعاء فوائد عديدة: أنه أعظم إيمانًا؛ لأن صاحبه يعلم أن الله يسمع الدعاء الخفي، وأنه أعظم في الأدب والتعظيم، وأنه أبلغ في التضرع والخشوع الذي هو روح الدعاء ولُبه ومقصوده، وأنه أبلغ في الإخلاص، وأنه أبلغ في جمعية القلب على الذلة في الدعاء، فإن رفع الصوت يفرِّقه، وأنه دال على قرب صاحبه من الله، وأنه لاقترانه منه وشدة حضوره يسأله مسألة مناجاة القريب للقريب، لا مسألة نداء البعيد للبعيد، وأنه أدعى بدوام الطلب والسؤال، فإن اللسان لا يمل والجوارح لا
_________________
(١) أخرجه البخاري في الجهاد والسير (٢٩٩٢)، وفي القدر (٦٦١٠)، ومسلم في الذكر (٢٧٠٤)، وأبو داود في الصلاة (١٥٢٦ - ١٥٢٨)، والترمذي في الدعوات (٣٣٧٤).
(٢) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٥/ ١٥)، و«بدائع الفوائد» (٣/ ٦).
[ ١٦٥ ]
تتعب، بخلاف ما إذا رفع صوته، وأنه أبعد له من القواطع والمشوِّشات، فإن الداعي إذا أخفى دعاءه لم يدر به أحد، فسلِم من الممانع والمعارض والحاسد، وقد قال يعقوب ليوسف -﵉-: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: ٥]» (^١).
١٧ أن يقدم بين يدي دعائه عملًا صالحًا يتقرب به إلى الله -﷿-، ويتوسل به:
من صدقة وصلاة وقراءة القرآن، فهذا أحرى للإجابة؛ كما جاء في حديث الثلاثة الذين أَوَوْا إلى غار، فانطبقت عليهم الصخرة، فتوسل كل منهم بأفضل أعماله، فاستجاب الله تعالى لهم، فانفرجت الصخرة وخرجوا يمشون (^٢).
١٨ أن يتوسل إلى الله تعالى بأمرٍ يرتَّب على إجابة دعائه:
كما في قوله -ﷺ- لما كان يدعو قبيل معركة بدر: «اللهم أنجز لي ما وعدتَني، اللهم آتِ ما وعدتني، اللهم إن تهلِك هذه العصابةُ من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض» (^٣).
ومن ذلك قول موسى -﵇-: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾ [طه: ٢٧ - ٣٥].
وعن عبد الله بن عمرو -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا جاء الرجل يعود مريضًا فليقلِ: اللهم اشفِ عبدَكَ ثلاثًا، يَنكَأُ لك عدوًّا، أو يمشي لك إلى الصلاة» (^٤).
١٩ البكاء:
عن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- أن النبي -ﷺ- تلا قوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا
_________________
(١) انظر: «مجموع الفتاوى» (١٥/ ١٥ - ١٩)، و«بدائع الفوائد» لابن القيم (٣/ ٦ - ١٠).
(٢) أخرجه البخاري في البيوع (٢٢١٥)، وفي الإجارة (٢٢٧٢)، ومسلم في الذكر والدعاء (٢٧٤٣)، وأبو داود في البيوع (٣٣٨٧)، وأحمد ٢/ ١١٦ (٥٩٧٣) من حديث عبد الله بن عمر -﵄-.
(٣) أخرجه أحمد ١/ ١١٧ (٩٤٨)، والبزار ٢/ ٢٩٦ (٧١٩)، والطبري في «جامع البيان» (١١/ ٦٢ - ٦٣). وقال الهيثمي في «المجمع» (٦/ ٧٦): «رواه أحمد والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح غير حارثة بن مضرب وهو ثقة».
(٤) أخرجه أبو داود في الجنائز (٣١٠٧)، وأحمد ٢/ ١٧٢ (٦٦٠٠)، والحاكم (١/ ٣٤٤). قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه». وصححه الألباني في «الصحيحة» (١٣٠٤، ١٣٦٥).
[ ١٦٦ ]
مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: ٣٦]، وقال عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، فرفع يديه وقال: «اللهمَّ أمتي، أمتي». وبكى، فقال الله -﷿-: «يا جبريل، اذهب إلى محمد- وربك أعلم- فسله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل -﵇- فسأله فأخبره رسول الله -ﷺ- بما قال، وهو أعلم، فقال الله: يا جبريل، اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك» (^١).
٢٠ ألا يستحييَ الداعي أن يسأل الله كل ما يجوز سؤاله:
كبيرًا كان أو صغيرًا، فإن الله -﷿- يغفر الكبير كما يغفر الصغير، ويعطي الكثير كما يعطي القليل، ولا يتعاظمه شيء أعطاه.
قال سليمان -﵇-: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥]، فأعطاه الله -﷿- ذلك بتسخير الريح له والشياطين.
وعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه» (^٢).
وعن أنس -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «قال الله -﵎- يا ابن آدم، إنك ما دعوتَني ورجوتني غفرتُ لك على ما كان فيك ولا أُبالي، يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبُك عَنان السماء ثم استغفرتني، غفرتُ لك ولا أبالي، يا ابن آدم لو أتيتني بقُرابِ الأرض خطايا، ثم لقِيتَني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مَغفرةً» (^٣).
وعن عائشة -﵂- قالت: «سلوا الله كل شيءٍ حتى الشِّسْع (^٤)؛ فإن الله إن لم ييسِّرْه لم يتيسرْ» (^٥).
_________________
(١) أخرجه مسلم في الإيمان (٢٠٢)، والنسائي في «الكبرى» ٦/ ٣٧٣ (١١٢٦٩).
(٢) سبق تخريجه.
(٣) أخرجه الترمذي في الدعوات (٣٥٤٠). وقال: «حسن غريب». وصححه الألباني في «الصحيحة» (١٢٧).
(٤) الشسع: سير النعل، انظر: «لسان العرب» مادة «شسع».
(٥) أخرجه أحمد في «الزهد» (١١٣٨)، وأبو يعلي في «مسنده» ٨/ ٤٤ (٤٥٦٠)، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» (٣٥٥)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٢/ ٤٢ (١١١٩). قال الهيثمي في «المجمع» (١٠/ ١٥٠): «رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن عبد الله بن نمير، وهو ثقة». وقال الألباني في «الضعيفة» (١/ ٧٦): «أخرجه ابن السني بسند حسن». وصححه في «الصحيحة» (٢١٣).
[ ١٦٧ ]
فاسأل أخي المسلم ربك ما بدا لك، وكن عاليَ الهمة طموحًا حريصًا على سؤال معالي الأمور، وأعلى المطالب الدينية والدنيوية والأخروية، وأعلى ذلك وأعظمه الفوز بالزحزحة عن النار، ودخول الجنة مع الأبرار، ورؤية العزيز الغفار.
قال الشاعر:
إذا غامرتَ في شَرَفٍ مَرُومٍ … فلا تَقنَعْ بما دونَ النجومِ (^١)
وقال الآخر:
على قَدْرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ … وتأتِي على قدرِ الكِرامِ المَكارمُ
وتعظُمُ في عينِ الصغيرِ صِغارُها … وتصغُر في عين العظيمِ العظائمُ (^٢)
٢١ ملازمة الأدعية المقيَّدة في أوقاتها وأحوالها وأماكنها:
كالأدعية دُبُرَ الصلوات، وأدعية الصباح والمساء، وعند النوم، وغير ذلك، والأدعية عند دخول المسجد والخروج منه، وعند دخول المنزل والخروج منه، ودخول الخلاء والخروج منه، وبدعاء السفر، ودعاء هبوب الريح، ودعاء الكَرب، وغير ذلك، وفي عَرَفةَ وفي مُزدلِفة، وعند الجمرتينِ الأولى والثانية أيام التشريق، وفي المطاف، وعلى الصفا والمروة، وعند نزول منزل، وغير ذلك.
٢٢ اختيار الأسماء والصفات المناسبة لكل دعاء، كأن يقول: يا غفور اغفر لنا، يا رحمن ارحمنا، يا كريم أكرِمنا، يا رزاق ارزقنا، يا تواب تُبْ علينا، يا حفيظ احفظنا، يا لطيف الطف بنا، وهكذا.
كما في قول موسى -﵇-: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٥١]، وقوله -﵇-: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٥]، وقول سليمان -﵇-: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥].
_________________
(١) البيت لأبي الطيب المتنبي، انظر: «ديوانه» ص (٢٣٢).
(٢) البيتان لأبي الطيب المتنبي، انظر: «ديوانه» ص (٣٨٥).
[ ١٦٨ ]
وقول الراسخين في العلم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].
وقوله -﷿-: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٩]، وقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٨].
٢٣ أن يختار من الأدعية أفضلها، وأحراها بالإجابة، ومن ذلك:
أ- الدعاء باسم الله الأعظم:
عن بُريدة -﵁- قال: سمع النبي -ﷺ- رجلًا يدعو ويقول: اللهم أسألك بأني أشهد أنك الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلدْ ولم يولد ولم يكن له كُفُوًا أحد، فقال: «والذي نفسي بيده لقد سأل اللهَ باسمِه الأعظمِ الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل به أَعطَى».
وعن أنس بن مالك -﵁- أن رسول الله -ﷺ- سمع رجلًا يدعو: اللهم إني أسالك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنَّان، بديع السماوات والأرض، ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، فقال: «لقد سأل الله باسمِه الأعظم» (^١).