عِظم مسؤولية الأمة عن إصلاح ذات البين
من أعظم المسؤوليات وأوجبها على الأمة الإسلامية، على مستوى الدول والشعوب، جماعاتٍ وأفرادًا: السعي لإصلاح ذات البَين بين المسلمين، والقضاء على أسباب النزاعات والخلافات والخصومات، وأسباب الشحناء والبغضاء والعداوات بين المسلمين؛ امتثالًا لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠].
فهذا يُوجِب على جميع الدول الإسلامية التعاون فيما بينهم في الإصلاح والسعي بكل ما تملك من مقومات سياسية، واقتصادية، وغير ذلك؛ لإصلاح ما يحصل بين بعض الدول الإسلامية من نزاعات وحروب حسب استطاعتها.
فلا يجوز للدول الإسلامية أن تقف حيال ما يجري بين بعض الدول الإسلامية من نزاعات وحروب موقف المشاهد فقط، كما هو حال كثير من الدول اليوم، بل ربما سعى البعض إلى تأجيج الصراع والنزاع، بدلًا من السعي بالإصلاح، وقد قال الله -﷿-: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢]، وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥].
وقال -ﷺ-: «انصرْ أخاك ظالمًا أو مظلومًا». قال: أنصره إذا كان مظلومًا، فكيف نصره إذا كان ظالمًا؟ قال: «تمنَعه من الظلم» (^١).
_________________
(١) أخرجه البخاري في المظالم (٢٤٤٣، ٢٤٤٤)، وفي الإكراه (٦٩٥٢)، والترمذي في الفتن (٢٢٥٥)، وأحمد ٣/ ٩٩ (١١٩٤٩) من حديث أنس -﵁-.
[ ١٩٩ ]
ولا شك أن أعداء الإسلام تمكنوا من تشتيت كلمة المسلمين، وتمزيق وحدتهم، ونشر العداوة بينهم، وما كان هذا ليحصل لو اعتصم المسلمون بحبل الله جميعًا، لكن هذا لا يعفي المسلمين أمام الله -﷿- من وجوب التعاون بينهم، وإصلاح ذات بينهم، ولقد كان لولاة الأمر في هذه البلاد جزاهم الله خيرًا منذ عهد المؤسس الملك عبد العزيز -﵀- إلى يومنا هذا جهود مباركة في هذا المجال، تُذكر فتُشكر، سطرها التاريخ بمِداد من ذهب خلال أكثر من مئة وعشرين سنة.
كما يجب على المسلمين- جماعاتٍ وأفرادًا- التعاون بينهم في الإصلاح، والسعي في إصلاح ذات بينهم.
ولا يجوز لمسلم أن يتنصل من هذا الواجب العظيم، ويقف موقفًا سلبيًّا، وهو يرى فساد ذات البين يستشري بين إخوانه المسلمين؛ بين الأزواج، والإخوة، والأقارب، والجيران، والشركاء، والخصوم، وغيرهم.
فإن من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، ومن لم يصبح ويُمسِ ناصحًا للمسلمين فليس منهم (^١).
وقد قال -ﷺ-: «الدين النصيحة لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم» (^٢).
وقال جَرير بن عبد الله -﵁-: «بايعتُ رسول الله -ﷺ- على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم» (^٣).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في «الأوسط» ٧/ ٢٧٠ (٧٤٧٣)، وأبو نعيم في «تاريخ أصبهان» (٢/ ٢٢٢) من حديث حذيفة -﵁-. قال الهيثمي في «المجمع» (١/ ٢٦٤): «رواه الطبراني في «الأوسط» و«الصغير»، وفيه عبد الله بن أبي جعفر الرازي، ضعفه محمد بن حميد ووثقه أبو حاتم وأبو زرعة وابن حبان».
(٢) أخرجه مسلم في الإيمان (٥٥)، وأبو داود في الأدب (٤٩٤٤)، والنسائي في البيعة (٤١٩٧) من حديث تميم الداري -﵁-. وأخرجه النسائي في الموضع السابق (٤١٩٩)، والترمذي في البر والصلة (١٩٢٦) من حديث أبي هريرة -﵁-.
(٣) سبق تخريجه.
[ ٢٠٠ ]