أسباب العصمة من الفتن والنجاة منها
أسباب العصمة من الفتن والنجاة منها قبل وقوعها وبعد وقوعها كثيرة جدًّا، بتوفيق الله تعالى وعونه، ومن أهمها ما يلي:
١ تحقيق التوحيد لله -﷿-:
توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، بتحقيق معنى قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨]، وقوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
فما ضل من ضل عن الإسلام، وما انحرف من انحرف عن الدين الصحيح، ووقع في الفتن إلا بسبب خلل في التوحيد والعقيدة.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]، أي: لم يلبسوا إيمانهم وتوحيدهم بشرك، أولئك لهم الأمن المطلق؛ الأمن النفسي، والأمن الاجتماعي، الأمن في الدنيا من الفتن، والشرور، والضلال، وفي الآخرة من العذاب والأهوال.
٢ الاعتصام بالكتاب والسنة:
قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ
[ ٢١٧ ]
آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٣ - ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ١٧٥].
وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٣، ١٢٤].
قال ابن عباس -﵄-: «تضمَّن الله لمن قرأ القرآن واتبع ما فيه: ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة» ثم تلا: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ (^١).
وقال -ﷺ-: «تركت فيكم أمرين، لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسُنة نبيه» (^٢).
فالاعتصام بالكتاب والسنة ضمانة وأمان من الفتن والاختلاف والتنازع والتفرق.
قال الإمام مالك -﵀-: «لن يصلح آخِرَ هذه الأمة إلا ما أصلح أولها».
قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -﵀-: «والذي أصلح أولها هو تمسكهم بكتاب الله وسنة رسوله -﵊-، وسيرهم على ذلك، والتواصي بذلك، والتعاون في ذلك، هذا هو الذي ساروا عليه، وهو الذي أصلحهم الله به، ولن يصلح آخِرُهم إلا بذلك» (^٣).
٣ الثبات عند الفتن وقوة الإيمان والتوكل على الله -﷿-:
والاستعانة به والإكثار من قول: «يا مقلِّبَ القلوب ثبِّت قلبي على دينك» (^٤). فقد كان -ﷺ- وهو أخشى الناس لله وأتقاهم له (^٥) - يكثر من هذا الدعاء.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» ١٥/ ٤٤٦ (٣٠٥٧٦)، ١٩/ ٢٤٣ (٣٥٩٢٦)، والطبري في «جامع البيان» (١٦/ ١٩١).
(٢) أخرجه مالك بلاغًا في القدر (٢/ ٨٩٩). وحسنه الألباني في «المشكاة» (١٨٦).
(٣) «الفقه في الدين عصمة من الفتن» (ص ٤٩)، لفضيلة الشيخ صالح الفوزان وتعليق الشيخ عبد العزيز بن باز.
(٤) أخرجه الترمذي في القدر (٢١٤٠)، وابن ماجه في الدعاء (٣٨٣٤)، وأحمد ٣/ ١١٢ (١٢١٠٧)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٥٨٣) من حديث أنس -﵁-. قال الترمذي: «حديث حسن». وصححه الألباني في تحقيقه لـ «الأدب المفرد».
(٥) كما قال -ﷺ-: «والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له …» الحديث. وقد سبق تخريجه.
[ ٢١٨ ]
وقول: «حسبنا الله ونعم الوكيل»؛ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٣، ١٧٤].
قال ابن عباس -﵄-: «حسبنا الله ونعم الوكيل» قالها إبراهيم حين أُلقي في النار، وقالها محمد حين قالوا له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾» (^١).
وقد وعد الله -﷿- بتثبيت المؤمنين، وأمرهم بالثبات، قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: ٤٥].
٤ الاستعانة بالصبر والصلاة:
قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [أل عمران: ٢٠٠]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠].
وكان -ﷺ- إذا حزبه أمر فزِع إلى الصلاة (^٢).
وعن أنس -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر» (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في التفسير (٤٥٦٣).
(٢) أخرجه أبو داود في الصلاة (١٣١٩)، وأحمد ٥/ ٣٨٨ (٢٣٢٩٩)، والطبري في «جامع البيان» (١/ ٦١٨) من حديث حذيفة -﵁-.
(٣) أخرجه الترمذي في الفتن (٢٢٦٠). قال الترمذي: «حديث غريب». وصححه الألباني في «الصحيحة» (٩٥٧).
[ ٢١٩ ]
وقال -ﷺ- وذكر آخر الزمان: «المتمسك يومئذٍ بدينه كالقابض على الجمر، وأجرُه أجر خمسين». قالوا: يا رسول الله، منَّا أو منهم؟ قال: «بل منكم» (^١).
وذلك لقلة المعين، وكثرة المخَذِّلين، ولهذا وصفهم -ﷺ- بالغرباء، فقال: «طوبى للغرباء، الذين يصلحون إذا فسد الناس». وفي رواية: «يُصلحون ما أفسد الناس» (^٢).
٥ التقوى، وملازمة العبادة، والعمل الصالح:
من صلاة وصدقة، وبر للوالدين، وصلة للأرحام، وصيام وذكر وقراءة القرآن وغير ذلك، وأعظم ذلك المحافظة على أداء الواجبات واجتناب المنهيات.
عن مَعقِلِ بن يَسَارٍ -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: «العبادة في الهَرْجِ كهجرة إليَّ» (^٣).
وعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «بادِروا بالأعمال فتنًا كقِطَعِ الليل المظلِم» (^٤).
٦ الدعاء والتضرع إلى الله -﷿-، والاستعاذة به من الفتن:
قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا
_________________
(١) أخرجه الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» (١٠١٠). وأخرجه ابن وضاح في «البدع» ٢/ ١٣٧ (١٩٢) بلفظ: «المتمسك بديني وسنتي في زمان المنكر كالقابض على الجمر، للعامل منهم يومئذ بسنتي أجر خمسين منكم». وأخرجه أبو الشيخ في «الأمثال» (٢٣٣)، وأبو نعيم في «الحلية» (٨/ ٤٩): «القائمون يومئذٍ بالكتاب والسنَّة لهم أجرُ خمسين صِدِّيقًا» جميعًا من حديث أنس -﵁-. وأخرج ابن بطة في «الإبانة» ١/ ٣٤٤ (٢١٦) عن عمر -﵁- مرفوعًا: «المتمسِّك بديني وسنتي في زمان المنكر كالقابض على الجمر، للعامل منهم يومئذ بسنتي أجر خمسين منكم».
(٢) أخرجه الترمذي في الإيمان (٢٦٣٠) من حديث عمرو بن عوف -﵁-. قال الترمذي: «حديث حسن». وضعفه الألباني في «مشكاة المصابيح» (١٧٠). وأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد «المسند» ٤/ ٧٣ (١٦٦٩٠) من حديث عبد الرحمن بن سَنَّة -﵁-. وأخرجه أبو عمرو الداني في «السنن الواردة في الفتن» (٢٨٨) من حديث ابن مسعود -﵁-. وصححه الألباني في «الصحيحة» (١٢٧٣).
(٣) أخرجه مسلم في الفتن وأشراط الساعة (٢٩٤٨)، والترمذي في الفتن (٢٢٠١)، وابن ماجه في الفتن (٣٩٨٥)، وأحمد ٥/ ٢٥ (٢٠٢٩٨).
(٤) سبق تخريجه قريبًا.
[ ٢٢٠ ]
كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨]، وقال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢].
وقال -ﷺ-: «دعوة ذي النون وهو في بطن الحوت: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، إنه لم يدعُ بها مسلم في شيءٍ قطُّ إلا استجاب الله له بها» (^١).
وعن زيد بن ثابت -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «تعوَّذوا بالله من الفِتَن ما ظهر منها وما بطن» (^٢).
وفي حديث أبي هريرة -﵁- أنه -ﷺ- كان يأمر في التشهد بالتعوذ من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال (^٣).
وعن عائشة -﵂- أن النبي -ﷺ- كان يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الكسل، والهَرَم، والمأثم، والمَغرَم، ومن فتنة القبر، وعذاب القبر، ومن فتنة النار، وعذاب النار، ومن شر فتنة الغنى، وأعوذ بك من شر فتنة الفقر، وأعوذ بك من فتنة المَسيح الدجال» (^٤).
وعن أنس -﵁-: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والهَرَم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات» (^٥).
وعن سعد بن أبي وقاص -﵁- قال: كان رسول الله -ﷺ- يعلمنا هذه الكلمات كما تُعلَّم الكتابة: «اللهم أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك من أن أُرد إلى أرذل العُمُر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا وعذاب القبر» (^٦).
_________________
(١) سبق تخريجه من حديث سعد بن أبي وقاص -﵁-.
(٢) أخرجه مسلم في صفة الجنة ونعيمها وأهلها (٢٨٦٧).
(٣) سبق تخريجه.
(٤) أخرجه البخاري في الدعوات (٦٣٦٨)، ومسلم في الذكر والدعاء (٥٨٩)، والنسائي في الاستعاذة (٥٤٦٦)، والترمذي في الدعوات (٣٤٩٥)، وابن ماجه في الدعاء (٣٨٣٨).
(٥) أخرجه البخاري في الجهاد والسير (٢٨٢٣)، وفي الدعوات (٦٣٦٧)، ومسلم في الذكر والدعاء (٢٧٠٦)، وأبو داود في الوتر (١٥٤٠)، والنسائي في الاستعاذة (٥٤٤٨).
(٦) سبق تخريجه.
[ ٢٢١ ]
وعن عائشة -﵂- أن النبي -ﷺ- كان يتعوذ في صلاته من فتنة المحيا والممات (^١).
٧ لزوم جماعة المسلمين وإمامهم:
قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥].
وعن عُبادة بن الصامت -﵁- أن النبي -ﷺ- قال فيما أخَذ علينا: «أنْ بايَعَنا على السمع والطاعة، في مَنْشَطِنا ومَكْرَهِنا، وعُسْرِنا ويُسْرِنا، وأَثَرَةً علينا، وأنْ لا نُنَازِعَ الأْمرَ أهلَه، إلا أنْ ترَوْا كفرًا بَوَاحًا، عندكم من الله فيه بُرهانٌ» (^٢).
وعنه -﵁- قال: «بايعنا رسول الله -ﷺ- على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وألا ننازِعَ الأمرَ أهلَه، وأن نقومَ أو نقولَ بالحق حيثما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم» (^٣).
وفي حديث العِرباض بن سارية -﵁- قال -ﷺ-: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة» (^٤) يعني: لولاة أمور المسلمين؛ لما في ذلك من اجتماع كلمة المسلمين وقوتهم وهيبتهم أمام أعدائهم (^٥).
وكان -ﷺ- يقول في خطبته: «وخير الحديث كتاب الله، وخير الهَدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة» (^٦).
قال فضيلة الشيخ صالح الفوزان حفظه الله تعالى (^٧): «كذلك من أعظم الفتن فتنة
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأذان (٨٣٢)، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة (٥٨٩)، وأبو داود في الصلاة (٨٨٠)، والنسائي في السهو (١٣٠٩).
(٢) أخرجه البخاري (٧٠٥٥)، ومسلم (١٧٠٩).
(٣) أخرجه البخاري (٧١٩٩)، ومسلم (١٧٠٩).
(٤) سبق تخريجه.
(٥) انظر: «الفقه في الدين عصمة من الفتن» (ص ١٨ - ١٩).
(٦) أخرجه مسلم في الجمعة (٨٦٧)، والنسائي في صلاة العيدين (١٥٧٨)، وابن ماجه في المقدمة (٤٥) من حديث جابر -﵁-.
(٧) في كتابه: «الفقه في الدين عصمة من الفتن» (ص ١٨ - ١٩).
[ ٢٢٢ ]
التفرق والاختلاف، وظهور الفِرَق والجماعات، هذا من أعظم الفتن، وهذا شيء أخبر عنه الرسول -ﷺ-»، ثم ذكر حديث العرباض بن سارية -﵁-.
وقال أيضًا حفظه الله تعالى: «من أسباب النجاة: لزوم جماعة المسلمين، والبعد عن الانتماء للفِرق، والجماعات المخالفة لما كان عليه سلف هذه الأمة؛ لأن الرسول -ﷺ- يقول في الفرقة الناجية: «هم من كان على مِثل ما أنا عليه وأصحابي».
قال -ﷺ-: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله» (^١).
نعم، سيكون هناك من يهون من شأنهم، من يجهلهم، من يستغفلهم، من يقول: هؤلاء ناس صالحون، ولكن ما يعرفون الواقع، ولا يعرفون كذا، كل هذا يجب على المسلم ألا يلتفت إليه، «وهم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» لا نجاة إلا بهذا: لزوم جماعة المسلمين «وعليكم بالجماعة فإن يد الله على الجماعة».
والنبي -ﷺ- في أكثر من حديث حثنا على أن نكون مع الجماعة المتمسكة بطريقة النبي -ﷺ-، وطريقة أصحابه، وطريقة سلف الأمة؛ لأن سلف هذه الأمة أدرى وأقرب للحق ممن جاء بعدهم» (^٢).
وسأل عمرو بن ميمون التابعي الجليل عبد الله بن مسعود -﵁- عن الجماعة؟ فقال له عبد الله: «الجماعة ما وافق الحق، وإن كنت وحدك» (^٣).
٨ التفقه في الدين:
التفقه في الدين أن يعقل المؤمن ويفهم ويعرف أحكام دينه، وما يجب عليه وما يحرُم، وما ينبغي وما لا ينبغي، حتى يتعبد لله تعالى على بصيرة من أمره، ويعرف الحكم فيما
_________________
(١) أخرجه مسلم في الإمارة (١٩٢٠)، وأبو داود في الفتن والملاحم (٤٢٥٢)، والترمذي في الفتن (٢٢٢٩)، وابن ماجه في المقدمة (١٠)، وأحمد ٥/ ٢٧٩ (٢٢٤٠٣) من حديث ثوبان -﵁-.
(٢) «الفقه في الدين عصمة من الفتن» (ص ٣٥ - ٣٧).
(٣) أخرج الطبراني في «مسند الشاميين» ١/ ١٣٨ (٢٢٠)، واللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» ١/ ١٢١ (١٦٠) عن عمرو بن ميمون، أن ابن مسعود -﵁- قال: «الجماعة ما وافق طاعة الله وإن كنت وحدك». وانظر: «الفقه في الدين عصمة من الفتن» للشيخ صالح الفوزان ص (٥١).
[ ٢٢٣ ]
يعرِض له من مشكلات، وما يُعرض عليه من الفتن؛ لأن من أعظم أسباب الوقوع في الفتن الجهل في الدين.
وقد حث الله -﷿- ورغب في الفقه في الدين، فقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].
وأثنى الله -﷿- على أهل الفقه في الدين الذين عرفوا الحق واتبعوه قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٦، ٧]، أي: أنعمت عليهم بمعرفة الحق واتباعه.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦٩]، أي: أنعم الله عليهم بمعرفة الحق والأخذ به.
ووصف الله -﷿- المنافقين بأنهم لا يفقهون؛ أي: لا يفهمون أحكام الله -﷿-.
فعلى كل مسلم أن يتفقه في دينه، ليعرف الحق فيأخذ به ويكون مع أهله، ويحذر الباطل وأهله، فينجو بإذن الله تعالى من الفتن.
قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -﵀-: «فكل مؤمن وكل مؤمنة في هذه الدنيا في أشد الحاجة إلى التفقه في الدين، والتبصر، حتى يعلم حكم الله في جميع أعمال المكلَّفين، وحتى يسير على بصيرة، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتفقه في الدين بالعناية بكتاب الله وسنة رسوله -﵊-، كما تفقه من قبلنا من الصحابة ومن بعدهم» (^١).
وهذا يوجب العناية والاهتمام بتربية الأولاد والأهل على الفقه في الدين، وتبصيرهم في أمر دينهم، والثبات عليه حتى لا تعصف بهم الفتن التي تعرض لهم.
كما يوجب هذا العملَ على تبصير الناس كلهم في أمور دينهم للنجاة من الفتن؛ لأن من أعظم أسباب الوقوع في الفتن الخلل في منهج التلقي وعدم تربية الأجيال على العقيدة الصحيحة، والدين القويم.
٩. التوبة والإنابة إلى الله تعالى، وكثرة الاستغفار والذكر:
قال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر:
_________________
(١) انظر: «الفقه في الدين عصمة من الفتن» ص ٤٥ - ٤٦.
[ ٢٢٤ ]
٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥].
فبالتوبة والإنابة إلى الله -﷿-، وكثرة الاستغفار والذكر، يحفظ الله -﷿- العبد، ويعصمه من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
١٠ حفظ اللسان، والقلم، والبنان من الخوض في الفتنة إذا وقعت، إلا في خير؛ من التحذير منها، والتثبيت على الحق:
قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥٣].
وقال -ﷺ-: «ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخِر فليقل خيرًا أو ليصمت» (^١).
فاللسان عدو الإنسان، ولربما كلمة كانت سببًا في الزيغ والهلاك، قال -ﷺ-: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سَخَط الله، لا يُلقي لها بالًا، يَهوي بها في جهنم» (^٢).
وعن عبد الله بن عمرو -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «تكون فتنة تستنظف العرب، قتلاها في النار، اللسان فيها أشد من وقع السيف» (^٣).
قال الشاعر:
وإن النار بالعُودَين تُذكَى … وإن الحربَ أولُها كَلامُ (^٤)
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأدب (٦٠١٨)، ومسلم في الإيمان (٤٧)، وأبو داود في الأدب (٥١٥٤)، والترمذي في صفة القيامة (٢٥٠٠)، وابن ماجه في الفتن (٣٩٧١) من حديث أبي هريرة -﵁-. وأخرجه مالك في صفة النبي -ﷺ- (٢/ ٩٢٩)، والبخاري في الأدب (٦٠١٩)، ومسلم في الإيمان (٤٨) من حديث أبي شريح الكعبي -﵁-.
(٢) أخرجه مالك في الكلام (٢/ ٩٨٥)، والبخاري في الرقاق (٦٤٧٨)، ومسلم في الزهد (٢٩٨٨)، والترمذي في الزهد (٢٣١٤)، وابن ماجه في الفتن (٣٩٧٠) من حديث أبي هريرة -﵁-.
(٣) أخرجه أبو داود في الفتن والملاحم (٤٢٦٥)، والترمذي (٢١٧٨)، وابن ماجه (٣٩٦٧)، وأحمد ٢/ ٢١١ (٦٩٨٠). وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٣٢٢٩). وتستنظف العرب أي: تفنيهم.
(٤) البيت لنصر بن سيار. انظر: «عمدة الكتاب»، للنحاس (١/ ٣٩)، و«التذكرة الحمدونية» (١/ ٤٣٢).
[ ٢٢٥ ]
وقال الآخر:
احذَرْ لِسانَك أيها الإنسانُ … لا يَلدغنك إنه ثعبانُ
كم في المقابر من قتيلِ لسانه! … كانت تهاب لقاءه الفرسانُ (^١)
وقال الآخر:
ولئن ندِمت على سكوتك مرةً … فلَتندمن على الكلام مِرارَا (^٢)
وقد قيل: «لو كان الكلام من فضة، لكان السكوت من ذهب».
ومما ينبغي التنبيه عليه: أن الكتابة اليوم بالبنان في وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت أشد أثرًا وأعظم ضررًا من اللسان بأضعاف مضاعفة؛ إذ أصبحت مجالًا واسعًا ولغ فيها كل الذين يريدون إشعال الفتن بين المسلمين؛ مما يوجب على المسلم الحذر من ذلك ومحاسبة نفسه محاسبة دقيقة في كل ما يكتب على شاشات هذه الوسائل، فالأمر خطير، والناقد بصير، وقد أحسن القائل:
وما من كاتبٍ إلا سيَفنى … ويَبقَى الدهرَ ما كَتبتْ يداهُ
فلا تكتبْ بكفِّك غيرَ شيءٍ … يسُرُّك في القيامةِ أن تراهُ
١١ الرجوع إلى أهل العلم من العلماء الربانيين، وأهل الذكر، وسؤالهم:
قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]، وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣، والأنبياء: ٧].
قال ابن القيم -﵀- (^٣): «كنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض، أتيناه- يعني شيخه ابن تيمية -﵀- فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه، فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحًا وقوة، ويقينًا وطمأنينة».
_________________
(١) انظر: «اللطائف والظرائف» للثعالبي (ص ١٠٤).
(٢) انظر: «المُوَشَّى، الظرف والظرفاء» (ص ٨).
(٣) في «الوابل الصيب» (ص ٤٨).
[ ٢٢٦ ]
١٢ الفرار من الفتن:
عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنمًا يتبع بها شَعَفَ الجبال، ومواقع القَطْر، يفر بدينه من الفتن» (^١).
وقد بوَّب البخاري -﵀- باب «من الدين الفرار من الفتن».
وفي حديث حذيفة -﵁- في الفتن لما قال له النبي -ﷺ-: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم». قال حذيفة: يا رسولَ الله، فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال -ﷺ-: «فاعتزِلْ تلك الفرق كلها ولو أن تعَضَّ بأصل شجرة حتى يدركَك الموت وأنت على ذلك» (^٢).
هذه هي أهم الأسباب التي بها- بإذن الله تعالى وتوفيقه- النجاة من الفتن والعصمة منها.